يؤكد التاريخ أن العثمانيين خدموا الخط العربي في رحلة تطوره، فقد احتفوا به منذ الوهلة الأولى، وقدّر سلاطينهم الخطاطين، وشملوهم بالرعاية، وشجعوهم على بذل هممهم، ومواصلة جهودهم؛ لخدمة الخط، والتفنن فيه والإبداع، وأجاد الكثير من الخطاطين أنواعًا متعددة من الخطوط، وابتكروا أشكالًا وأنماطًا جديدة من الكتابة؛ تنبض بالجمال والإبداع، واخترعوا خطوطًا لم تكن معروفة،
وظلت عبقرياتهم تُضيف وتُطور لقواعد هذا الفن الإسلامي، ولم تنطفئ شُعلة الخط عندهم؛ إلا عند استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني، بعد أن عاش الأول معهم أكثر من خمسة قرون. ومن واجبنا أن نُسلط الضوء على هؤلاء الخطاطين، الذين لا تزال آثارهم خالدة، وشاهدة على عظمة إبداعاتهم، ولهذا نتناول خطاطًا مبتكرًا ومبدعًا، وترك بصمته في رحلة تطور الخط العربي، هو الخطاط حسين ماجد بن زهدي بن أحمد بك آيرال، ولد في 2 رمضان 1308هـ/‏ 11 أبريل 1891م في حي «بكلربكي»، في مدينة إسطنبول. وكان والده سيد زهدي بك موظفًا، أما جده فكان قائم مقام الطبيب أحمد. وبدأ تعليمه الأول في مدرسة الحي، وتُعرف باسم «حميدية»، وأكمل دراسته الابتدائية والإعدادية في نفس الحي، ثم ترك الدراسة في الصف الأول بكلية الآداب، بمنطقة «أسكودار»، في عام 1325هـ/‏ 1908م، بسبب ظروفه الصحية. وعُين كاتبًا في وزارة الأوقاف.
بدأ شغفه وميلة للخط العربي منذ نعومة أظفاره، حيث تعلّم المبادئ الأولى للخط العربي على يدي علي أفندي، واحدًا من تلاميذ محمد شفيق بك (ت. 1297هـ/‏ 1880م)، ولهذا شغف بخطوط الثلث والنسخ، واستطاع بموهبته أن يُدقق بعض خطوط محمد شفيق، التي اطلع عليها، وأخذ في تقليدها، ثم استطاع أن يطور طريقته ويتقدم بها، كما انتسب طالبًا في مدرسة الخطاطين، وتعلّم خط الثلث الجلي عن إسماعيل حقي (ت. 1365هـ/‏ 1946م)، كاتب الطغراء، ونال منه الإجازة. وأخذ التعليق وجلى التعليق عن محمد خلوصي (ت 1358هـ/‏ 1940م)، وأجازه فيهما. وأخذ الثلث عن الخطاط مصطفى راقم أفندي، وعن علي أفندي، ثم فتح مكتبًا للخط في إسطنبول بمنطقة «باب عالي»، حيث تكثر المطابع ودور نشر وبيع الكتب، فكان يكتب فيه اللوحات والخطوط لمن يطلبها، ثم انتقل إلى أنقرة، حيث قضى السنوات الطوال يعمل موظفًا حكوميًا، في وظيفة رئاسة الكتاب لمجلس الولاية، حتى أُحيل إلى التقاعد، فرجع إلى إسطنبول مرة أخرى. درّس حسين زهدي الخط العربي في أكاديمية الفنون الجميلة بالعاصمة العثمانية إسطنبول، وفي عام 1375هـ /‏ 1955م دُعيّ رسميًا إلى بغداد من قبل الحكومة العراقية، فمكث فيها أربعة أعوام، كان يقوم خلالها بتدريس الخط في معهد الفنون الجميلة، واتسمت طريقته بالتدريس بالتبسيط والاختزال وتشابه الحرف وأجزائه، وتتلمذ على يديه عدد كبير من الخطاطين العراقيين الممتازين، الذين كان لهم تأثيرهم في مدرسة الخط العربي بالعراق، ومن تلاميذه الذين تأثروا به كثيرًا الخطاط محمد علي شاكر (ولد 1352هـ/‏ 1934م)، سلمان إبراهيم، وخالد حسين، وهاشم البغدادي، وليد الأعظمي، ثم عاد إلى وطنه (تركيا) في صيف سنة 1379هـ/‏ 1959م. وبعد عامين من عودته إلى إسطنبول انتقل إلى جوار ربه في 29 رمضان 1380هـ/‏ 17 مارس 1961م، ودفن في مقابر «قره جه أحمد»، بعد أن قضى رحلة عمرية قدرها بحدود 70 عامًا، حافلة بالجد والعطاء والدراسة لفن الخط العربي.
كان حسين زهدي إلى جانب مهارته في الخط، بارعًا في التعرّف على خطوط الخطاطين، التي لا تحمل توقيعًا، ونسبتها لأصحابها بدرجة صائبة؛ قد يُداني فيها درجة الخطاط نجم الدين أوقياي (ت 1396هـ/‏ 1876م)، الذي كان هو الآخر بارعًا في هذا الأمر. وأبدع تراكيب خطية صعبة مُعقدة، وابتكر تكوينات جديدة في خط الثلث، وتميزت كتاباته بالضبط العالي، والأداء المتقن للخطوط العربية، وفي حروفه رهافة وخفة مع تسلسل للعبارات المقروءة، وحسن توزيع نقاط الحروف، التي تجمع بين الشكلين الدائري والاعتيادي، وكان يوقع أحيانًا على بعض لوحاته باسم والده «زهدي»، كما كان يُلقب «ماجد زهدي»، مستخدمًا اسم والده، وترك تأثيره الواضح في تنشيط حركة الخط العربي في إسطنبول وبغداد، وبخاصة من خلال التلاميذ الذين تتلمذوا على يديه، كما ترك أعمال كثيرة، منها القطع واللوحات بخطوط الثلث والنسخ، والثلث الجلى، كما أن له سطورًا وكتابات شريطية كثيرة على جدران جامع سيدي أحمد، وجامع لوند في إسطنبول، وعلى حزام القبة في جامع 14 تموز في بغداد. ويذكر مترجمو سيرته أنه كان يهدي خطوطه ولوحاته بسخاءٍ وكرمٍ.
يبعث خطه في نفس الناظر للوحاته، القارئ لكلماته، مشاعر من الارتياح النفسي، فنصه مكتوب بخط جميل وواضح، يُعزز مشاعر الاعتزاز والفخر بالقيم الإسلامية العريقة، ودائمًا ما يضفي زهدي على كتاباته قيم جمالية، ويعطي لها إمكانيات تشكيلية، من حيث تراصف الحروف، وتراكبها وتلاحقها، كما أن مداته بين الأحرف، تعطي لوحاته تناسقًا ورشاقة، إذ إنها متقنة، وفي مواضعها الصحيحة؛ نظرًا لحرصه الشديد على الدقة، يُضاف إلى ذلك العناصر التزينية الزخرفية، التي لها دورًا في تجميل الخط العربي، ولا غنى عنها لإتمام التناسق، وملئ الفراغات، بما يضيف للوحاته الخطية نوعًا من الأبهة والفخامة.
ويكمن سر الجمال في كتابات زهدي في أشكال الحروف وتشكيلاتها وتزييناتها، وقدرته التوفيقية في التصوير البصري للحرف، وقدرته على ضبط توازن العلاقة الجمالية بين عرض القصبة وسيفها، وفقًا لأسس وقواعد مثالية ذهبية ومرنة، تجعله يبدع أفضل الصيغ الفنية في تركيب البنيان الخطي، فقدرته في تطويع إمكانيات الحرف العربي من القصر والمد، والإرداف والإرسال والإرجاع، والتموضع ضمن أشكال دائرية أو بيضوية، أو على السطر، أو صاعدًا هرميًا، أو هابطًا شاقوليًا، أو على طريقة التركيب الحر والتوازن، تخلق توازنًا داخليًا خفيًا في كتاباته، قوامه بناءً متينًا، وعلاقة جمالية بين الحرف وتشكيلاته، في قوالب فنية، لا تخرج عن القواعد المقدسة لهذا الفن، والتي استقر عليها كبار الأساتذة، فيعض عليها بالنواجذ باعتبارها من القواعد الراسخة، والأسس الثابتة، وفي نفس الوقت يحمل لواء التجديد والتطوير.