الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  الدوحة مدينة مفتوحة أمام المبدع العربي

الدوحة مدينة مفتوحة أمام المبدع العربي

الدوحة مدينة مفتوحة أمام المبدع العربي

الخرطوم - الوطن - عامر محمد


يعد الناقد الدكتور عزالدين ميرغني أحد أبرز النقاد في الساحة النقدية السودانية في العقد الأخير، وكذلك من أكثرهم مشاركة في الفعاليات الثقافية وفي الكتابة في الدوريات والصحف. أصدر مجموعة من الكتب التي تناولت الرواية والقصة وشعر المدائح النبوية وكتابا في السيرة الغيرية، ولميرغني ترجمات من الفرنسية والإنجليزية، كما قام بإعداد برامج ثقافية في قنوات فضائية سودانية.. التقته الوطن في حوار تناول دور قطر في الحفاظ على التراث والثقافة العربية وحراك النقد في السودان وأزمنة القصة والرواية.
كيف تقرأ دور قطر في حفظ ونشر الثقافة العربية؟
لا يمكن لعربي أن ينكر الدور الذي قامت وتقوم به دولة قطر في حفظ ونشر الثقافة العربية، والذي يتمثل في انتشار المجلات والصحف القطرية في كل أرجاء الوطن العربي، ومكاتبها المنتشرة أيضاً لمتابعة الشأن والحراك الثقافي في العالم العربي، ومشاركة العديد من الأقلام العربية في الكتابة بحرية في هذه الصحف والمجلات.
كما ساهمت جائزة كتارا كجائزة قيمة ورصينة وتتمتع بالنزاهة في مساعدة الكاتب العربي أن ينال بجانب القيمة المادية المجزية، الشهرة الأدبية، والتي تصل إلى العالمية، وهي جائزة مفتوحة لكل مبدع في العالم العربي. ولا ننسى دور المهرجانات التي تقام في الدوحة والمفتوحة لكل مبدع عربي حقيقي.
موقع النقد في الخريطة الإبداعية، إذ ظل السؤال حول الغياب رغم الحضور؟
فعلاً يشكل غياب النقد مشكلة كبيرة في بلادنا، ومنذ الاستقلال وحتى الآن. وحتى جيل الكبار في بلادنا وخاصة في مجال الشعر والقصة القصيرة لم يجد حظه من النقد. صحيح أن المعاصرة حجاب، ولكن الجيل الحالي وجد نصوصاً جميلة، ولكنه لم يجد نقداً مواكباً لها. ليكون منهاجاً لمن بعدهم. والمشكلة في رأيي هي في عدم مواكبة المناهج حتى في كليات الآداب للنقد الحداثوي والمواكب. فكل الكتابات النقدية عندنا هي اجتهادات شخصية وعصامية ثقافية مقدرة. ولعل غزارة الإنتاج وطغيان الكم على الكيف هو الذي جعل النقد يحتار في اختيار النصوص الجيدة والتي ضاعت وسط هذا الانفجار الكتابي. ولعلها مشكلة في كل البلاد العربية.
هنالك دعاوى تتكرر بأن لا جدوى للنقد، قالها أحد الكتاب في تحريض ناشئة الكتاب؟
-قد يكون قلة المنتوج النقدي والذي هو نتاج لقلة النقد المتخصص الموهوب في بلادنا هو ما يدعو لهذا الإحباط وهذه السوداوية، وفعلا يتألم المرء عندما يجد نصوصاً جميلة لم يتناولها قلم ناقد متخصص، فيصيبها النسيان والبوار والممات. ولكن كما قلت سابقاً فحتى نصوص الكبار في الستينات لم تجد حظها الكبير من النقد. أما جدوى النقد فهذا ما لا يغالط فيه مغالط فالنقد هو الذي أسس معايير الكتابة في كل الأجناس الأدبية والإبداعية ولولاه لأصبحت الكتابة فوضى بلا مدارس وبلا قواعد تنظم وتطور دروبها ومساراتها. فكل ما نكتبه الآن من شعر وقصة ورواية ومسرح وحتى في الفنون التشكيلية هو نتاج كتابات النقاد ودراساتهم ولعل فوضي الكتابة تظهر عند الناشئة أكثر بعضهم يكتب الخاطرة ويعتبرها قصة، ويكتب قصة ويظن أنه يكتب الرواية، ويكتب خطرفات ويعتبرها شعراً. وذلك كله لغياب النقد.
الأزمات الاجتماعية تحدد إطار الكتابة.. والمسكوت عنه تحول إلى موضة كتابية؟
-مدرسة الواقعية الاجتماعية وخاصة في الرواية هي مدرسة مفتوحة لهضم وكتابة الأزمات الاجتماعية، وخاصة عندما نضيف لها (الواقعية النقدية)، والتي تتصدى للأزمات، وليس مطلوب حلها وإنما الدخول في فجواتها وإخراجها من الظلام إلى النور. بشروط الكتابة وتقنياتها الفنية بعيد عن التقريرية الفجة والوعظية المباشرة. وكلمة المسكوت عنه للأسف فهمها الكثيرون وخاصة من جيل الشباب بأنها كتابة اللأخلاق، بل بعضهم فهمها، بأنها الإساءة إلى الدين والمعتقدات، وهذا أكبر خطأ وقع فيه الكثيرون خاصة من الشباب والذي يسعون إلى الشهرة بكل ثمن. وقد تجاوزنا مرحلة قراءة النص لأنه مصادر أو ممنوع. وفي اعتقادي أن النقد يطلق لفظ المسكوت عنه للعادات الاجتماعية الضارة والتي قعدت بنا كثيراً، كل هذا يكون الكتابة فيه محمودة وتعتبر الكتابة العلمية الصحيحة في المسكوت عنه، وقد أفلحت الرواية النسائية في غرب إفريقيا في ذلك كثيراً.
هل نعيش زمن الرواية؟
- نعم هو زمن الرواية، لأن الحياة الإنسانية قد تعقدت وتشابكت دروبها، وتعقدت أزماتها، بل ذاب الفرد وسط هذا الجمع، فأصبح الشعر لا يستطيع أن يعبر عن هذه الأزمات الجماعية، فالفرد أصبح جزء من الكل ولا يسمع صوته إن كان لا يعبر عن هذا الكل فالشعر هو غنائية ذاتية هامسة لذلك يضيع هذا الهمس وسط هذا الضجيج. رغم أن هذا الصوت لن ينتهي أبداً، والرواية هي المسموعة الصوت الآن لأنها تمثل صوت وضمير الكل وليس الفرد لذلك فهذا هو زمنها، وهذا هو الذي يحفز الفرد لأن يعتبرها ملكه لأنها تعبر عن مجتمعه ومحيطه. وقد يجد في النص الجيد كل الأجناس الأدبية الأخرى من حيث شعرية اللغة ومسرحة الحدث وتقنية السينما، والتجريد والتجسيد والخيال المجنح. وليس معنى ذلك أن الأجناس الأدبية الأخرى ستموت ولكن يصبح التحدي أمامها كبيراً، والأدب المنافسة فيه مفتوحة وبديمقراطية ليس فيها وصاية ولا ديكتاتورية والقارئ سلطان يغريه الجنس الأدبي الذي يروق له ويجد فيه ما يبتغيه.
مستقبل الرواية العربية؟
-يقول النقاد في الغرب، بأن المستقبل في الرواية لكتاب العالم الثالث، وبالطبع نحن جزء من هذا العالم. ولعل هذه المقولة جاءت لعدة أسباب، أن مواضيع الرواية الغربية قد استهلكت وتكررت نسبة لنمطية الحياة السائدة هنالك وحيث انعدام الصراعات ومعاناة الحياة اليومية، هو الذي يجعل الخيال مدجناً. وفي العالم الثالث هنالك الكثير من خامات الكتابة لم تتشكل روائياً بعد، وهنالك العادات والأساطير والموروث الشعبي الذي لم ينكتب بعد، ثم أن فنون وتقنيات الرواية أصبحت متاحة ومعروفة فليست حكراً على بلد دون الآخر، بل جنس الرواية يسمح بالتجريب والتجديد، وكل هذا يجعل المستقبل أمام الرواية في العالم العربي مضيئاً وليس مظلماً، ونضيف عليه غنى اللغة العربية بالجمل والتعابير السردية الجميلة، وهنالك السوق العربي المفتوح للرواية الجيدة لكي تنتشر سريعاً في كل العالم العربي.
انتهاء زمن القصة رغم زمن السرعة؟
-هو كما أعتقد نوع من الأفول المؤقت، أو خفوت الصوت، والذي له أسبابه ومسبباته الكثيرة والعديدة. ولعل علو صوت الرواية قد ساعد في ذلك، وخاصة تحفيز الجوائز الكبرى للرواية، ولا توجد في القصة مثل هذه الجوائز حتى في بلاد الغرب وأميركا. صحيح بأن الكاتب والمبدع الحقيقي لا يكتب من أجل أن ينال تكريماً أو جائزة، ولكن من المؤكد بأن الكتاب الشباب والذي تتطور الكتابة على أيديهم صاروا يبحثون عن الكتابة التي تجلب لهم طريق الشهرة والمال، فكل من عنده بذرة سردية في طريقها للنمو فإنه يوجهها نحو الرواية، حتى ولو كان نفسه السردي هو نفس القصة القصيرة. وقد لا يتشجع كي ينمي موهبته فيها. وهذه مشكلة كبيرة موجودة حتى عند الكتاب الكبار والذين يمكن أن يبدعوا في مجال القصة القصيرة، بجانب كتابتهم للرواية ولكنهم آثروا أن يخصصوا زمنهم ومجهودهم لكتابة الرواية دون القصة القصيرة. والقصة القصيرة لها دروبها وفنياتها ومتعتها في القراءة وفي مواضيعها الخاصة التي لا يمكن للرواية أن تقوم بها يوماً ما.