الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  التحضر الإسلامي في التاريخ الإنساني

التحضر الإسلامي في التاريخ الإنساني

التحضر الإسلامي في التاريخ الإنساني

كتاب التحضر الإسلامي في التاريخ الإنساني من تأليف الباحث الياباني سوتو تيغوتيكا ويتألف من مقدمة ومدخل وسبعة فصول وهو نتاج أعمال الطاولة المستديرة التي عقدت في مونتريال في عام 1995 وتم فيها تقديم دراسات عن التحضر الإسلامي في التاريخ الإنساني وبخاصة في القرن الخامس عشر وما بعد.. يعد هذا الكتاب من أهم الكتب التي تبين دور الإسلام في بناء المجتمعات الحضارية في البلدان المختلفة.. ويظهر كيف استطاعت هذه المجتمعات رغم بدائيتها أن تشيد حضارة رائعة وتنشر التحضر على بقاع كبيرة ومتنوعة من الأرض، فأقامت المدن وأشادت الصروح الإسلامية من مساجد ومؤسسات خيرية وأسواق ومكتبات ونشر الأمن والأمان وكل ذلك بفضل الإسلام وتطبيق تعاليمه.
يقول مترجم الكتاب إلى العربية الدكتور مصطفى العلواني: يسلط هذا الكتاب الضوء على ثلاثة جوانب حضارية لعبت دوراً مهماً في نشر التحضر واستمراره، ومن أهم هذه الجوانب هي الأوقاف ودورها في حفظ الصروح الحضارية الإسلامية وصيانتها كالمساجد والمؤسسات الخيرية والمستشفيات والمكتبات وغيرها.. كما يبين دور الأوقاف الذرية في حفظ الثروات وعدم تبديدها، وقيام بعض العوائل الدينية بدور حضاري فعال ولاسيما في مدينة حماة، مما ساعد المجتمع الإسلامي على التعاون والتكافل والتماسك وبفضل ما تقدم المؤسسات الخيرية للمحتاجين.
والجانب الثاني هو الحرية الفكرية التي أتاحها الإسلام والتي تجلت على أشدها في ما يدعى الآن ببروناي، وقد لعب الحاكم في هذه البلاد دوراً كبيراً في إقامة مجتمع مسلم تشيع فيه الحرية الفكرية، حيث تم استقبال غير المسلمين وإقامة الحوار الديني معهم ولاسيما زيارة الأب أنطونيو وبعض الرهبان المشهورين.
أما جانب الحضارة الأخلاقي فتجلى في قيام المسلمين بحماية المسيحيين في عام 1860، حين قامت الحوادث في دمشق وحلب، إذ قامت العوائل المسلمة المشهورة بحماية المسيحيين، كما تم حماية عوائل المسيحيين الفقيرة في حي الميدان وبعض الإحياء الفقيرة في حلب.. ولم يلق هذا الجانب العناية المطلوبة من الباحثين بشكل واضح، ولكنه كان كامناً في علاقات الناس على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم من خلال الشبكات بعضها مع بعض.
ويبحث هذا الكتاب في موضوع الرشوة ومدى ضررها وبخاصة في عهد المماليك ويبين كيف كانت تباع الوظائف وتنتشر الرشوة بين الموظفين الكبار والصغار وبين عامة الشعب، مما أدى إلى انتشار الفساد الواسع الذي نخر المجتمع من الداخل وقتل المروءة والعلاقات وقلص التحضر وخرب الدولة مما أدى إلى اندثارها على يد العثمانيين.
ويقول المترجم: تتوافر الناحية العلمية والمنهجية في هذه الدراسات بشكل واضح ولاسيما المنهج التاريخي والاجتماعي الذي يعتمد على الشبكات عن طريق العلاقات الاجتماعية بين الطوائف والأحياء والأعراق والأديان وأثر ذلك في قيام التحضر المادي والإنساني.. فعولجت جميع الأبحاث وفق منهج جديد ابتكره العالم لابيدس وطبقه على مجتمع المماليك ومجتمعات أخرى، وقد اقتفى أثره الباحثون في دراساتهم هذه فوافقوه في أكثر المناحي وخالفوه في أخرى ولاسيما في مجال تعميم النتائج على المجتمعات الإسلامية المختلفة.
غير أن هذا الكتاب أغفل ناحية منهجية مهمة تتعلق بتعريف التحضر ومظاهره وأبعاده، وهل معناه القديم يتفق مع تعريفات الوقت الحاضر أو هل يقصد في هذا الكتاب نوعاً خاصاً من التحضر الذي جرى في الوقت السادس عشر، كما أننا لم نقف إلا على مقدمات بسيطة في فصول الكتاب المختلفة تشير إلى أعمال لابيدس إشارة موجزة لا تشفى نفساً ولا تنقع غلة، وكان من المفضل أن يثبت بحث لابيدس في المقدمة كإطار مرجعي طالما أن فصول الكتاب قد اعتمدت على أفكار لابيدس وأشارت إليها في التحليل واقتفت أثرها في بعض الجوانب.
ولا شك أن الفصل الثالث تناول الطابع الاقتصادي والاجتماعي في دراسته للقطاع الشعبي في مصر ولكنه ركز على دور الشبكة في التعامل بين الناس بعضهم مع بعض وقد ركز على ما يسمى بروح العائلة وهو ما يتميز به المجتمع المسلم في التعاون والتماسك والتكافل الاجتماعي.
ومن الواضح أن هذا الكتاب مهم ويتمتع بقيمة علمية كبرى يخدم الإسلام ويبين فضله وفائدته للحياة واستمرارها على الوجه الأفضل ويبين دور الأوقاف في حفظ وصيانة الصروح الدينية، كما يطبق منهجية جديدة في الدرس والتحليل تفيد العلم والعلماء.