الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  لدينا نقاد مبدعون.. ومصفقون!

لدينا نقاد مبدعون.. ومصفقون!

لدينا نقاد مبدعون.. ومصفقون!

عمان- الوطن- عمر أبو الهيجاء
الناقدة والقاصة الأردنية د. نهلة الشقران، من الأسماء التي كرّست حضورها في المشهد الإبداعي والنقدي الأردني والعربي، بالدراسات النقدية والأصدارات القصصية وكذلك أدب الرحلات.
والشقران حاصلة على دكتوراه لغة عربية «لغة ونحو»، وفازت بالعديد من الجوائز في القصة القصيرة والكتابة للمسرح، حيث أصدرت مجموعة من الكتب هي: «خطاب أدب الرحلات في القرن الرابع الهجري» و«رحلة ابن جبير»..دراسة تركيبية ووصفية «وأنثى تشبهني» قصص قصيرة، و«الوجه الآخر للحلم» ومسرحية «فينوس». «الوطن»، التقت القاصة والناقدة د. الشقران وحاورتها حول الأدب النسوي وأدب الرحلات وحول منجزها القصصي والنقدي وقضايا إبداعية فكان هذا الحوار:

نقرأ في رواية «ابن فطومة» لنجيب محفوظ نموذجا لاستثمار أدب الرحلات في المنجز الروائي المعاصر، إلى أي مدى يمكن الإفادة من المنجز في الرواية العربية الحديثة؟
- لا ننكر أن إقبال القراء في الآونة الأخيرة على الرواية أكثر من أي فن آخر، وهذا لأسباب عديدة أهمها احتواؤها على جوانب فكرية ومعرفية وعاطفية وسياسية واجتماعية، فلا ضير من توسيع جوانبها بالاستفادة من أدب الرحلات في هذا، فكلاهما: الرواية وأدب الرحلات يهتمان بالتفاصيل الدقيقة، ويبتعدان عن الاختزال والتكثيف، والقارئ يريد التفاصيل كي يتماهى معها ويحياها بين الحروف، ويا حبذا لو تنقله من مكان لآخر فستكون حينها مدهشة وممتعة أكثر. من الطبيعي أن تُوظّف الرواية أساساً لتغطية الواقع، ومن ثمّ فمن المحال فهمها بنصّ مجرّد، من غير علاقة دلاليّة مع هذا الواقع، وكان واقع أدب الرحلة في تنقّل وترحال دائمين، ابتدأ منذ اللحظة الأولى التي عايش فيها الواقع، وامتدت أصوله عندما عزم الرحالة على اتّخاذ الترحال مهنة وصنعة لهم، فاختلف الواقع من مكان إلى آخر، وكَثُرت صوره في مخيلتهم وتنوّعت، وتكوّن لديهم من الأخبار الكثير. وهنا تكتمل الثنائية بين أدب الرحلات والرواية لتنتج إبداعا مائزا، حين ينسج الروائي لغته كخطاب أدب الرحلة ذي الوقع النفسي المؤثّر في المتلقي، من أجل الوصول إليه، ومحاولة دفعه نحو المشاركة بالخبر المنقول ووصف الأماكن المرتحل إليها، وكأنّه يصل مع متلقيه إلى تلك الأماكن، ويريانها عن قرب.
الأجناس الأدبية إذن، في علاقة دائرية، وليست خطيّة لها بداية ونهاية، ومن هذا استثمار أدب الرحلات ليقف أمام بؤرة الضوء الرواية، لا انمحاء للجنس المغيّب عن الساحة، بل هو تجدّد وخلق آخر له، وتحوّل يثري أساسياته، فالقصة التقليدية مثلا التي انطلقت من الطرائف والنوادر أصبحت تتواءم اليوم مع القصة الحداثية، وكلاهما يسير بهدوء يدعو للبقاء والقوة.
لك كتاب بعنوان: «خطاب أدب الرحلات..في القرن الرابع الهجري»، ما الخطة والمنهج الذي اتبعته الشقران في دراسة أدب الرحلات لإحياء التراث العربي القديم؟
- درست أدب الرحلات لغويا، وهذه ميزة الكتاب، إذ عُدّ الدراسة الأولى اللغوية لأدب الرحلات الذي دُرس من جوانب عدة وأُغفل الجانب اللغوي، فاعتمد أدب الرحلة أساليب لغوية مختلفة في وصفه للأمكنة، وتميّز بآليات خاصّة كآليّة المقارنة التفضيليّة التي أظهرت الموصوف، وبيّنت تفرّده، بصور لغوية محدّدة، وآليّة الوصل العكسي، إذ بدت سمة عامّة في هذا الأدب، يوظّف بها وصفا مزدوجاً للمكان نفسه، بين الإيجاب والسلب، من مختلف نواحيه، أو يقارنه بموصوف آخر، كي يظهره متفرّداً لا مثيل له، وكان الهدف من هذه الأساليب بيان ما حقّقه الرحالة من إنجازات. هذا الأمر تأتى لي من كتب الرحلات التي درستها، فجمعت في كتابي ما تشابه من آليات لغوية وربطتها بمقدمات ونتائج لها علاقة بأطر اجتماعية ونفسية وجغرافية ودينية.
في مجموعتك القصصية «أنثى تشبهني»، نقرأ بوحا أنثويا يلتقي مع كثير من الكتابات النسوية المعاصرة، برأيك وأنت القاصة والناقدة هل أصبحت قضية المرأة بعوالمها الخاصة موضوعا للسرد الحديث؟
- وماذا يكتب الرجل سوى قضية المرأة؟ لكننا نستطيع أن نقول أن المرأة غالبا تكتفي بقضيتها، والرجل غالبا ينطلق من قضيتها لقضايا أخرى، فمهما انسلخنا عن ذواتنا في أطوار الكتابة الآخذة التي تفصلنا حتى عنّا، لا نستطيع إلّا أن نصوّر المجتمع الذي نحيا فيه، وهنا تكمن جمالية الفن الذي يعكس الواقع بصورة فنية وبرؤى مختلفة وبخيال خلّاق، من هنا ستهتم المرأة بقضايا المرأة أكثر من الرجل، وهذا لا يعني أنهما غير قادرين على الكتابة عن شؤون عامة تخصّ الطرفين.

يقال بأن القصة القصيرة النسوية، لم تبن على ما بدأته الرائدات، ولم تبرز قاصات يشار إليهنَّ في المشهد القصصي المعاصر، إلى أي مدى صحة هذا الطرح؟
- ازداد عدد الكاتبات في الآونة الأخيرة، وأصبحت المرأة تكتب عن كل جوانب الحياة، وهناك الكثيرات من هذه النماذج النسائية، لكن ربما هناك ما يعيق الإبداع لديهن يتمثّل في الرقيب الداخلي فهو المعيق الأول لها، في مجتمع ما زال وسيبقى ذكوريا، هذا عدى عن مسؤوليات المرأة الكثيرة، فهي حين تكون كاتبة تبقى أمّا وزوجة عليها واجبات مجتمعيّة وإن كانت عاملة أيضا فهي تعمل خارج البيت وداخله، وفي هذا التشتّت لن تجد وقتا لإبداعها الذي على الرغم منها سيكون في آخر إنجازاتها.
هل يمكن للمرأة الناقدة أن تنجز مشروعا نقديا مغايرا لما ينجزه النقاد، وذلك من الانطلاق من ذات المرأة وقضاياها؟
- بلا شك، هناك أسماء قوية جدا تجتاح الساحة الثقافة سواء أكان الأمر على مستوى الأردن أم العالم العربي، لكن للأسف ما زالت المرأة تتقدم النقد بخطى خجلى، وما زال التهميش لمن لا جدار له يسود الوسط الثقافي، لأننا لم نستطع بعد توقيف الشللية والانطباعية في سيادتها المناصب العليا التي تفرز وتقدّم وتحكّم.
المرأة أقدر من الرجل على التقاط التفاصيل الصغيرة في الكتابة والنقد على حدّ سواء، فكيف إن كانت تفاصيل الذات الأنثوية وقضاياها!
كل ما تحتاجه هو تشجيع من المسؤولين لتتقدم الساحة الثقافية، وغالبا تكتفي بنقدها الذي تضمّنه بحثا علميا لو كانت أكاديمية أو تطويه في مقالة لا تنشرها.
ثمة فجوة عميقة ما بين النقد والإبداع، هل هذا ناتج عن أزمة حقيقية بينمها وأين تكمن هذه الأزمة في النقد أم في الإبداع؟
- المبدع الحقيقي يستطيع أن يكون ناقدا، لأنّه تلمّس سبل الإبداع ووعيها أكثر ممن درس أصول النقد وأدواته، لذا كل مبدع هو ناقد، وليس كل ناقد مبدعا، أمّا كيف يوظّف النقد والإبداع فهنا تكمن القضية المعضلة!
لدينا مبدعون، ولدينا نقاد، ولدينا مصفقون!
الناقد الذي ينطلق من إبداعه لا يروق الكاتب الذي يستنقد ليصفق له الجمع، هذا الأمر جعل النقاد يتنحّون، وفرغت الساحة تماما للمصفقين من الجمع ومن المستنقدين – بكسر القاف وفتحها- فالكاتب يصفق لنفسه ومن استنقده يصفق بناء على دعوة الكاتب لحفل تصفيقه!
في أغلب الأحيان حين نقرأ نقدا لكتاب ما نرى أن المتن يصلح لأي كتاب، لا خصوصية بالوصف، والجمل مطّاطة جدا كالقوالب الجاهزة المعدّة مسبقا، وهنا مطبّ النقد الأكبر. هذا من جهة النقد، أمّا إن كانت المشكلة في الإبداع فأقول إنّ دور النشر الكثيرة التي غالبا تكون ربحية سهّلت السبل لمن قرّر بين يوم وليلة أن يصبح كاتبا وكل ما يحتاجه مبلغ من المال، فصرنا نفتش في كل مائة كتاب كي نجد كتابا واحدا يستحق أن نكتب عنه، وهناك مشكلة أخرى تجمع بين النقد والإبداع قد تخدع الناقد ببريقها الفاتن وهي حين يقرّر أن يكتب عن كتاب لا يستحق، فيعرض له سلبا وإيجابا إن وجد، ويسلّح أدواته النقدية لتشريحه، فينشر الكتاب الضعيف وهو يظنّ أنه يظهر ضعفه.

الصفحات