الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  تسرب بمراكز التحفيظ

تسرب بمراكز التحفيظ

تسرب بمراكز التحفيظ

تحقيق- أكرم الفرجابي





تعاني مراكز تحفيظ القرآن الكريم العديد من الصعوبات، التي تعيقها عن أداء رسالتها المباركة، تجاه الناشئة والشباب في تعليمهم كتاب الله وحفظه، وتأتي في مقدمة هذه الصعوبات، قضية تسرب الطلاب من حلقات التحفيظ، وانقطاعهم بحجة الواجبات المدرسية، بالإضافة إلى الإجازات الصيفية، وعدم تجاوب أولياء الأمور في محاولة حل هذه القضية للتغلب عليها، والإتيان بالبديل المناسب الذي يرضي الجميع، ويعود بالفائدة المرجوة على الطلاب في حفظ القرآن الكريم، دون التأثير على تحصيلهم الأكاديمي.
الأمر الذي دعا «الوطن» إلى وضع هذه القضية على طاولة عدد من الخبراء والمهتمين لمعرفة رؤاهم ومقترحاتهم في التصدي لهذه المشكلة.
أرجع عدد من علماء الدين، قضية إنقطاع الطلاب عن حلقات تحفيظ القرآن، إلى الترف الزائد الذي يعيشه هؤلاء الطلاب بين أسرهم، الفعل الذي يولد في دواخلهم الإحساس بأنهم في غنى عن هذه الحلقات، بالإضافة إلى عدم توافر وسائل الجذب الحديثة، واستخدام مراكز التحفيظ للوسائل البدائية في التعليم، موضحين أن عملية تحفيظ القرآن الكريم في معظم المراكز تعتمد على أشخاص متدينين فقط، في الوقت الذي يتطلب وجود متخصصين، لمواكبة الحضارة وتحديات العصر، لأن وسائل الجذب التي ترضي طموحات الأجيال الحالية، غير متوفرة في تلك المراكز، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تسرب الطلاب من حلقات التحفيظ بصورة مستمرة.
انقطاع الطلاب
بدايةً يقول الداعية معاذ يوسف القاسمي، رئيس الشعبة التعليمية بقسم القرآن وعلومه بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن الوزارة استطاعت التغلب على العديد من المشكلات بخصوص مراكز التحفيظ، باستثناء مشكلة واحدة فقط، وهي مشكلة هي تسرب الطلاب وإنقطاعهم من المراكز، فبعض أولياء الأمور يقطع صلة أبنائه بالمراكز فترة طويلة حتى ينسوا ما حفظوه من كتاب الله، وبعد فترة يعيدهم إلى المراكز آملا في أن يواصلوا من حيث انتهوا وهذا مستحيل، ومضى القاسمي في حديثه قائلاً: أذكّر السادة أولياء الأمور بما أعد الله لهم من أجر على مساعدة أبنائهم على حفظ كتاب الله، فالابن الحافظ يلبس والديه تاج الوقار يوم القيامة، ويشفع فيهما، فلا تفوتوا هذا الفضل العظيم، ولا تجعلوا الأبناء ينقطعون عن دروس الحفظ، وفيما يتعلق برغبة البعض في الفصل بين مراكز التحفيظ والمناهج الأكاديمية، أوضح القاسمي: لا نريد أن نشعر الطلاب بشيء اسمه المستحيل، بل على العكس من ذلك نريد أن نجمع للطلاب العلوم، لنعلمهم طريقة إدارة الوقت، بالتالي لا تعارض بين انتظام الطلاب في المدارس، وتلقيهم دروس حفظ في المراكز، فنحن نراعي قدرات الطلاب، بحيث نمنحهم الوقت الكافي للراحة من عناء اليوم المدرسي، وبعد العصر، أو المغرب يلتقون بدروس الحفظ، بالتالي ننصح أولياء الأمور بإدارة وقت أبنائهم فقط، وهنا أود أن أنبه الجميع إلى مفارقة غريبة، وهي أن الطلاب الذين يدرسون في تخصصات علمية، هم النوابغ الذين يحفظون القرآن الكريم في فترة وجيزة.
الترف الزائد
من جانبه يرى فضيلة الشيخ عبد الله السادة، الداعية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن السبب الرئيسي وراء إنقطاع الطلاب عن حلقات تحفيظ القرآن الكريم، يرجع إلى الترف الزائد الذي يعيشه هؤلاء الطلاب بين أسرهم، الفعل الذي يولد في دواخلهم الإحساس بأنهم في غنى عن هذه الحلقات، الأمر الذي يتطلب أن يكون هنالك دور للمعلم في التصدي لهذه الظاهرة، بحيث يكون هو نفسه قدوة صالحة لطلابه في الانتظام والحضور المبكّر، وحرصه الشديد على الوقت والاستفادة منه، فالمعلّم هو القدوة الصالحة وينبغي عليه أن يربي طلابه بفعله قبل قوله لأن التربية قدوة قبل أن تكون توجيهاً، وعمل قبل أن تكون قولاً، فليس من المعقول أن ينضبط الطلاب ومعلمهم كثير التسرب والغياب، لذلك وجب على المعلم أن يغرس في التلميذ استحضار النية الصالحة عند التلاوة والحفظ، وأن جلوسه وحفظه وقراءته عبادة يبتغي بها وجه الله -سبحانه وتعالى- حتى يصبح ذلك خلقاً للتلميذ؛ لأن تذكر النية عند كل عمل هو في الحقيقة من أشق الأعمال على النفس، وقد ينسى التلميذ هذا الأدب النفيس، ولا يستحضره فعلى المعلم أن يذكره به، وأشار السادة إلى إنه لا يوجد مسلم على ظهر هذه المعمورة إلا وهو يحمل لهذا الكتاب التعظيم والإجلال، ويرغب في حفظ القرآن الكريم، وودّ لو فهم معانيه وعمل بما فيه، ولكم يزيد حرص المؤمن عندما يعلم أن هناك من ينافسه على هذا الخير ويسابقه إليه وإلى الاستزادة من حفظه، وتعلم قراءته وفهم معانيه وتفسيره وأحكامه، فلو تيقن بهذا الأمر أو وجد من يذكره به لنهضت همته، وازدادت لهفته، ووجد نفسه تواقة لتحمّل الكثير والكثير للوصول إلى هذا الهدف السامي، فما أجمل أن يجد الطفل من والديه ومعلمه الغرس الطيب لمثل هذه المعاني النبيلة في قلبه والرفع من همته، وبيان علوّ قدره ومكانته بحفظه القرآن الكريم، فإذا ما حصل المقصود وهو إخلاص العمل لله- تعالى- ووجود الرغبة الصادقة لدى الطالب كان ذلك من أعظم أسباب انتظام الطالب في الحلقة.
ضرورة الإنتظام
بدوره شدد المواطن أحمد المعجل على ضرورة إنتظام الطلاب في حلقات تحفيظ القرآن، لأن تسجيلهم وإنقطاعهم عن الدروس، يتسبب في ضياع الفرصة على طلاب آخرين، ربما يكونوا رغبة في حفظ القرآن، من الذي تحصلوا على الفرصة، ولم يتمسكوا بها بسبب التسرب من الحلقات، والإنقطاع بحجة الواجبات المدرسية، موضحاً أن حفظ القرآن للأطفال في الصغر له دور إيجابي كبير، في خلق جيل صالح من الأبناء والبنات، كما أنه يكون أيسر كثيرا من حفظ القرآن في السن الكبيرة، مشيراً إلى أن دولة قطر أولت اهتماما كبيرا بكتاب الله تعالى، من خلال المسابقات القرآنية التي أحيت روح التنافس المحمود بين الناشئة والشباب من البنين والبنات، لما فيها سعادتهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة، مبيناً أن ربطهم بكتاب الله العزيز، هو مصدر عزتهم وقوتهم وهيبتهم وتمكين الله لهم، وتشجيعهم على حفظه، وتعلم أحكامه، وتدبر معانيه، ويرى المعجل أن جدّية المعلم في متابعة الطالب المتسرب من بداية وجود هذه الظاهرة لديه، تعتبر من أكبر أسباب العلاج، وكما يقال: تأخرٌ، ثم تغيب، ثم انقطاع، فهذه هي مسيرة الطالب المتسرب في الحلقة، فعلى المعلم أن ينتبه لذلك وأن لا يغفل عن الطالب المتسرب عندما تظهر أعراضه، التي يجب التصدي لها، بالتوعية المستمرة للطالب بأهمية الحضور وعدم الغياب أو التأخر، بالإضافة إلى تربية الطلاب على ضرورة الانضباط بالدوام وتعليمهم الاستئذان المسبق قبل الغياب.
محاربة الظاهرة
في مقابل ذلك يرى المواطن سطام المطيري، أن امتداح السلوكيات الإيجابية للطالب، كالانضباط في الحلقة، والانتظام في الحضور وتشجيعها والثناء على أصحابها لفظياً أو مادياً أو معنوياً بالأسلوب المتدرج المتوازن؛ من أكبر الأسباب التي يمكن أن تقضي على ظاهرة الإنقطاع عن حلقات تحفيظ القرآن، وقد أثبتت التجارب بحسب المطيري: أن أثر الثواب - عادةً - أقوى من أثر العقاب، كما ينبغي على المعلم تشجيع الطالب وتأديبه، فمن باب أولى أن يقوم بهذه المسؤولية وليّ أمر الطالب، فهو أقرب إلى الطالب في ذلك، وتأثيره في هذا الجانب أبلغ، وكما أن التشجيع هو من أهم الأساليب التربوية لتقليل عملية التسرب من الحلقات، فإن التأديب يعتبر عاملاً مهماً لتقليص هذه الظاهرة (ظاهرة التسرب) ويكون ذلك بالنصح والتوجيه والحرمان من التشجيع والتوبيخ والزجر والتهديد اللفظي، ويكون كذلك بإبلاغ ولي أمر الطالب، أو بالإيقاف المؤقت عن الاستمرار في الدراسة، حتى لا يتسبب غياب هؤلاء الطلاب وإنقطاعهم من الحلقات في حرمان طلاب آخرين من الإلتحاق بمراكز التحفيظ، كما أن تفعيل دور المدارس لخدمة الحلقات القرآنية وتجنيدها لدعم مراكز التحفيظ من خلال تشجيع الطلاب وحثهم على الالتحاق بالحلقات القرآنية ومتابعتهم في الاستمرارية بها من غير انقطاع ولا غياب لهو من أبرز محاور العلاج لظاهرة التسرب.