الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  عندما يبكي الرجال!

عندما يبكي الرجال!

د.سعاد درير

لم أشعرْ بنفسي إلا والدموع تَفيضُ من بحيرتين تتخذهما الروحُ نوافذ تُطِلُّ منها على العالَم الذي لم يَعُدْ فيه ما يُعجِب أو يَسُرّ في ظلّ الزمن الْمُرّ. أدركتُ أنني أبكي بعد أن تَشَوَّشَتِ الرؤيةُ وكأنني فَقَدْتُ الإحساسَ.
لم أبكِ بحرقة زائدة لأن المشهدَ يدعو إلى البكاء فقط وهو يلامس قلبا مرهفا إلى الدرجة التي تجعل سكناه بين ضلوعي تعبا مُعَذِّبَاً لي، وإنما بكيتُ أكثر فأكثر لأن بَطَلَ المشهد كان رجلا يبكي، وليس من عادتي أن أرى رجلا يبكي.
البرنامج كان يَجسُّ نبضَ الشارع المصري. الموجِع أن يتحدث رَجُل يبدو ستينيا عن غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار. لكن ليس هذا ما يهمّ، لأن الموجع بحق هو أن يَذْكُرَ الرَّجُلُ بطريقة تجعل الغصّةَ تَكْبُرُ في الحَلق كيف أن زوجتَه هَجَرَتْه لأنه لم يَعُدْ يقوى على إرضائها ماديا.
ولأن الرَّجُلَ يواجه عسرا في الإنفاق، فقد ارتأَتِ الزوجةُ أن تَجِدَ الحَلَّ المناسب لِمَا استعصى على زوجها في التخلي عنه.
عندما يتسلل إليك شتاء العمر ويشتعل رأسُك شيبا تَكُون في أمس الحاجة إلى من يَرْحمك لا مَن يتواطأ مع الشيب ضِدّك. فكيف يتواطأ الفِرارُ (فِرار الزوجة) والشيبُ ونارُ الأسعار ضِدّ الرَّجُل الْمُنْهار؟!
صرخةُ الرَّجُل (التي كَشَفَتْها عيناه) مُدَوِّية في سماء النظام العسكري الذي يُطَبِّلُ له أنصارُه، بينما يرقص الملسوعون بشوكته رقصةَ الجذبة التي تُعَرِّي حقيقة الأشياء وتَكشف الظروفَ وتَضَعُ النُّقَطَ على الحروف..
هل نَعِي ما معنى أن يبكي الرجال في زمن كاد يُمْحَى فيه عنوانُ الرجولة؟!
الأسوأ بعد هذا أن تأتي سيدة في الشريط الْمُصَوَّر نفسه لِتنفي(بطريقة تخلو من اللباقة) ما قاله الرَّجُلُ الذي لم تَكْذِبْ دموعُه، فماذا تفعل المرأة؟! لا شيء سوى أنها تَتَّهِمُ مَنْ يتخذون موقفا من غلاء المعيشة بأنهم أشخاص مدفوع لهم وأن هَاجِسَهم عرقلة خُطَى النظام..
والسؤال الذي يُذَيَّل بأسئلة: أيّ معنى مُبْتَذَل أصبح للرجولة في غياب الموقف والبطولة؟!
هل الرجولة تَفْرِضُ عليك ألا تبكي عندما تَنْكَسِرُ بِفِعْلِ فاعلٍ؟!
وهل من المروءة أن يتحول الرَّجُلُ في عينيك إلى شيء أو أداةٍ تَرْفضها وتُلْقي بها خارجا بمجرد أن تتوقف (الأداة) عن الإنتاج حين يُقاسُ الإنتاج بالمادة؟!
أين مشاعر الإنسان؟!
أين ثقافة الشراكة الزوجية في الطَّيِّب ودُونه؟!
أين قِيَم التضامن وأخلاقيات الحوار؟!
وأخيرا: في أيّ قَبْرٍ تَمَّ دَفْن الكرامة، كرامة الإنسان في زمن الطغيان؟!
كرامتُك عنوان وجودك. قد يُنسيكَ الفقرُ والفَقْدُ اسمَكَ، لكن لا ينبغي أن يُنْسيك الواحدُ منهما كرامتَك، لأنك بدونها تَأَكَّدْ أنكَ ميت. والموتُ الحقيقي هو أن تموت في عيون الآخرين.
نَافِذَةُ الرُّوح:
«تَسقطُ الورقةُ الأخيرةُ من شجرة الحياة بعد أن هَجَرَها السِّرْبُ».
«نُكْتَةُ مَوْسِمِ الوَرَقِ أن يَتَصالحَ القَلَمُ والممحاةُ!».
«من الجُبْنِ أَلاَّ يَموتَ العصفورُ وأَلاَّ تحترقَ الشجرةُ والغابةُ».