الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  المسرح يمزج التاريخي بالأسطوري والفنتازي

المسرح يمزج التاريخي بالأسطوري والفنتازي

المسرح يمزج التاريخي بالأسطوري والفنتازي

في الفن لا توجد قاعدة للفشل أو النجاح أو بالتحديد لا توجد خطوط للحكم على مدى درجة تقبل المتلقي للعمل الفني وخصوصا إذا كان عملا يحمل العديد من المقاييس التي قد يعتبرها البعض مقاييس نخبوية والتي قد تحدد شريحة المتلقين له بل وتحصره في فئة معينة من الذواقة، لكن الحقيقة أن الفن وخصوصا المسرح الذي يظن الجميع انه يتراجع بشكل ملحوظ كفن جماهيري الحقيقة أن الفن المسرحي يثبت كل يوم أنه غير قابل للموات والتسطيح وهذا ما يجعلنا نعتقد أن مسرحية - مراقبو أوكسرينيخوس- التي تعرض الآن على مسرح فانبراه بالعاصمة البريطانية لندن قد كسرت كل المعايير التي قد تجعلنا نحكم على كلام عن العمل بأنه محصور في طبقة الصفوة الحقيقة أنه من قبيل الهراء، لأن الفن يستطيع ان يصل لقلب الجميع مهما كانت درجة نخبويته وليس النص فقط هو الذي يجعل المتلقي ينفعل بالعمل المسرحي لكن هناك أدوات كثيرة قد تكون أهم من النص أحيانا قد تجعل العمل في متناول عقل واحاسيس أي متلق وهذه الأدوات هي الأداء الحركي والموسيقى المصاحبة والديكور والأضواء.
وهذا ما يدفع المشاهد الذي لا يعرف الأيطالية أو اللاتينية الوسيطة للذهاب لمشاهدة الأوبرا والاستمتاع بها، وهذا ما حدا بعمل مسرحي كان قد قدم من قبل 30 عاما ووصف بأنه نخبوي لأن يعاد تقديمه ويحقق نجاحا جماهيريا فوق المبهر منذ الأسابيع الأولى لعرضه وهو كما أسلفنا مسرحية «مراقبي أوكسرينخيوس» للكاتب والشاعر الأنجليزي الكبير توني هاريسون والملقب بتاج الشعر الأوروبي بعد حصوله على جائزتي الأدب الأوروبي والشعر الأوروبي الأولى عام 2010 والثانية عام 2104 ثم حصل على جائزة ديفيد كوهن عام 2015.
لا نستطيع حقيقة أن نصنف هذا العمل المسرحي تحت تصنيف وحيد في المسرح لذا فنحن نستطيع أن نطلق عليها مسرحة من نوع المايم أو مسرحية إنشادية أو حتى ساتورية لكن على أية حال هي تجمع كل هذه السمات في سياقها فهي تاريخية لأنها تستمد أبطالها من التاريخ وهم أشخاص حقيقيون وهي فنتازية لأنها تتخيل حدثا لم يحدث وترتكز على حكاية أسطورية بل ترتكز أيضا على نص أدبي قديم يعود تاريخه لأكثر من 2500 عام، وعلينا أولا أن نشرح للقارئ الكريم كيف استوحى الشاعر توني هاريسون أحداث المسرحية ومن أي مصدر استوحاها، في البداية علينا أن نشير إلى أن المسرحية تدور أحداثها في صعيد مصر في أوائل القرن الماضي وبالتحديد عام 1907 حيث أتى عالما الآثار البريطانيان برنارد جارونفيل وزميله آرثر هانت للتنقيب عن الآثار في مصر فاكتشفا ما يعرف بمقبرة البردي وهو مكان كان المصريون يدفنون فيه مخلفاتهم من ورق البردي على مدار عصور كثيرة وخصوصا العصر البطلمي والروماني وتم اكتشاف ما يقرب من 40 بالمائة من تراث البردي الموجود في العالم الآن وخصوصا المسرحيات الأغريقية والمؤلفات القديمة حيث عثر على مسرحيات كاملة لكتاب أغريق كبار مثل يوربيديس وسوفوكليس وميناندر،كما عثر على مسرحيات مفقودة ايضا لم تخرج للتاريخ إلا من بطن هذا المكان السحري الذي يقع في صعيد مصر ويعرف بمدينة أوكسرينيخوس أو مقبرة البردي (بالقرب من البهنسا الآن) ومن ثم تدور أحداث المسرحية في هذا المكان في صعيد مصر عام 1907 كما أن بطلي المسرحية الرئيسيين هما هذان العالمان الحقيقيان هانت وجارونفيل، ايضا تستمد المسرحية موضوعها من أهم اكتشافاتهما في هذا المكان وهي مسرحية (إيخنيوتاي» وتسمى أيضا «المراقبون من فتيان الغاب» لكاتب التراجيديا الأثيني سوفوكليس وهي النموذج الأكمل للنوع من المسرحيات كان يقدم في أعياد الديونوسيا الخاصه بالإله ديونيسوس إله الخمر والتراجيديا حيث كانت تقام مسابقات يتبارى فيها كتاب التراجيديا فيقدمون مسرحياتهم حيث يتم اختيار ثلاثة فائزين بجوائز الديونوسيا الشهيرة ولكي نفهم الكثير من طبيعة مسرحية توني هاريسون علينا أن نعرف ما تعنيه مسرحية ساتورية لأن هذا الوصف قد ينسحب أيضا على مسرحية هاريسون ذاتها، نستطيع أن نصف المسرحية الساتورية بأنها نوع من مسرحيات الكوميديا السوداء أو ما يعرف بالتراجوكوميدي والتي قام بتأصيلها فيما بعد يوربيديس كأحد أهم تطويراته في المسرح التراجيدي، لم يكن الكاتب في القرن الخامس والرابع قبل الميلاد يتقدم بمسرحية واحدة للمسابقة كما كان يعتقد البعض لكنه كان يقوم بتقديم ما يعرف بالثلاثية حيث يقدم أسطورة في ثلاث مسرحيات تتعقب الفعل التراجيدي ربما في عدة أجيال ونعطي مثالا لذلك أسطورة أوديب كانت تقدم في ثلاث مسرحيات أولا أوديب ملكا ثم السبعة ضد طيبة ثم أنتيجونا، وهكذا كان المشاهد يغرق في ثلاثة عروض تراجيدية تملأ نفسه بالأسى،ولذلك آراد الكاتب ان يقدم للمشاهد في المسرح بعض البهجة ليعود لحالته المزاجية فيتبع ذلك بعرض مسرحي بسيط فيه الكثير من السخرية وبعض الضحك ومن هنا جاءت المسرحية الساتورية والتي كانت تقدم للمشاهد وجبة فكاهية بعد ثلاثة عروض مأساوية حزينه لكننا لا نستطيع أن نصفها بالكوميدية لأن الكوميديا شيء مختلف تماما عن المسرحية الساتورية.
لم يحفظ لنا التاريخ نصوصا كاملة لمسرحيات ساتورية اللهم مسرحية وحيدة تسمى السايكلوب «مخلوق أسطوري بعين واحدة ابن بوسيدون اله البحر» لكن في عام 1907 اكتشف جارونفيل بين برديات أوكسرينيخوس مقطعا كبيرا من مسرحية سوفوكليس الساتورية – إيخنيوتاي– والتي تدور أحداثها حول أسطورة طريفة من أساطير الأغريق ومن هنا ينبثق موضوع مسرحية توني هاريسون والتي حققت حضورا غير متوقع في لندن كما أسلفنا ويخلط فيها هاريسون بين التاريخ متمثلا في هانت وجارونفيل وحكاية اكتشافهما لشذرة من نص مسرحية سوفكليس وبين الأسطورة متمثلا في حكاية المسرحية المكتشفه نفسها وكيف سرق الإله هرمز فور ولادته قطعان ماشية أخية أبوللو إله الفن والشعر عند الأغريق وأخفاها في كهف (ومن هذه الواقعة يستمد هرمز لقبه حامي اللصوص) وكيف ان الساتير أو فتيان الغاب تعقبوا هرمز وكشفوا لأبوللو اين اخفى هرمز قطعان ماشيته، ومع الجانب التاريخي والجانب الأسطوري يضيف هاريسون من مخيلته الجانب الفانتازي وهو ديباجة الأحداث في المسرحية حيث ينتاب عالم الآثار جارونفيل هاتف وهاجس من قبل الإله أبوللو فيقول له: كيف تنام قرير العين وانا مدفون هنا منذ ألفي وخمسمائة عام. ومن ثم يتحفز جارونفيل للبحث عن المسرحية، ويتعدى خيال هاريسون لأبعد من ذلك ونعتقد أنه بحكم دراسته الكلاسيكية كان متأثرا بحكاية أبوليوس الشهيرة التي يتحول فيها البطل لحمار بفعل تعويذة سحرية لكن في مسرحية مراقبي أوكسرينيخوس لهاريسون يتحول جارونفيل للاله أبوللو نفسه ويتحول هانت للسيلنيوس كبير فتيان الغاب ومربي الاله ديونيسوس وهكذا تسير احداث المسرحية في إطار النص القديم ويجد سلينيوس وأتباعه قطعان الإله أبوللو كما تحكي المسرحية اختراع آلة اللير - القيثارة- وكيف أن أبوللو حرم فتيان الغاب من ممارسة الفن الراقي في تلميحة قوية من هاريسون عن الصدام بين الفن الراقي والفن الشعبي أو الأدنى في المستوى على اعتبار ان فتيان الغاب ذوو طبيعة وحشية.
الحقيقة أن مسرحية بهذا الموضوع المميز والكلاسيكي في نفس الوقت وملتبسة التكوين أيضا قد تجعلنا نفكر كثيرا كيف جذبت هذا العدد الكبير من المتفرجين حتى ان مسرح فانبراه بلندن يعلن ولأول فترة منذ عقود عن نفاد التذاكر حتى أسبوعين قادمين وحيث أكد لنا مخرج العمل بنفسه جيمي والترز أثناء حضورنا للعرض أنه تلقى دعوات كثيرة لإقامة العرض في مسارح أكبر ليستوعب هذا الكم من الأقبال الجماهيري لمشاهدة العمل المسرحي.
ولكي نجيب عن السؤال كيف كان كل هذا الحضور الجماهيري علينا ان نعود للوراء ثلاثين عاما حينما كتب هاريسون النص في شكله الأولي وكان كلاسيكيا صرفا يقترب لنصوص عروض المايم الموزونة وحيث أصر أن يعرض في مسرح دلفي الشهير في أثينا باليونان مع حضور قليل جدا كما منع التصوير أثناء العرض ثم انتقل العرض ليعرض في لندن بهذا الشكل الجاف فلم يجتذب إلا عددا من النخبة الملمة بالمسرح الكلاسيكي ونستطيع أن نجمل نقطة التحول هذا العام في بعض النقاط أهمها تغير تكنيك العرض ليقترب من العروض الحداثية والتجريبية المعروفة حاليا وذلك ما بذله والترز مخرج العمل في الأضواء والأداء الحركي لتجديد روح العرض ولا نخفي إيضا أن بعض المشاهد حوت تطورا كبيرا لمنح المشاهدين مساحة كبيرة من الضحك فبدا لنا العرض شبه كوميدي بالرغم من كل ما يحويه من التعقيد ومستوى الجرعة الثقافية، ونضيف أنه لولا الممثلين الشباب الذين استعان بهم المخرج لما خرج العرض بهذا الشكل الرائع.
يعتبر كاتب المسرحية الشاعر والكاتب المسرحي توني هاريسون من أبرز وأهم وجوه الأدب الإنجليزي في القرن العشرين ونستطيع أن نصنفه لنفس مدرسة المهتمين بالثقافة العميقة والتراث الكلاسيكي الذين يدخل تحتهم العديد من أدباء انجلترا من نفس جيله مثل تي أس إليوت وتيد هيوز لكنه يتميز أكثر بتعمقه في الدراسات الكلاسيكية حيث تخرج من جامعة ليدز ودرس الكلاسيكيات والنحو والصرف وتحول لمترجم وشارح للأدب المكتوب باللغات الوسيطة مما أهله ليكون في طليعة دائرة الأساتذة في جماعة وكيفيلد الأدبية الشهيرة، كتب هاريسون أعمالا شعرية كثيرة منها ديوان قصائد درامية وظلال هيروشيما ايضا أعمالا مسرحية منها مراقبي أوكسيرنيخوس وأعمال أوبرالية منها اوبرا يان تان، حصل هاريسون على جوائز عديدة منها جائزة جيفري فيبر وجائزة الترجمة الأوروبية للشعر وجائزة ولفريد أوين الشعرية.
يقوم بأدوار البطولة في المسررحية توم بيربيك في دور جارونفيلد- أبوللو، ويقوم بدور هانت-سيلنيوس الفنان ريتشارد جلافيز مع كوكبة من الممثلين الشباب الذين بذلوا مجهودا كبيرا في إخراج النص لحيز الأداء بهذا الشكل القياسي ويعود لهم الجانب الأوفر من جماهيرية العرض ويستمر العرض الذي يعرض على مسرح فانبراه بلندن حتى أواخر شهر فبراير المقبل.

الصفحات