الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  عبدالسلام جادالله.. حكايات جدي

عبدالسلام جادالله.. حكايات جدي

عبدالسلام جادالله..  حكايات جدي

أذهب إليها أو أرتحل كلما ضقتُ ذرعاً بحكايات وسائل التواصل الاجتماعي وعالمها الافتراضي، شيء ما يأخذني إلى هناك خاصة حين تزكم أنفي رائحة البنزين في مواقف سيارات المغادرة والقدوم، أحس بها تناديني من خلف تلال الأيام المبتعدة عني، لا أعرف إن كنتُ تركتها أم هي تركتني، المهم أنني أذهب إليها مع أول زفرة ضيق في أجواء احتفالات النفاق، إنها حكايات جدي في الليل حين تنعس النجوم فوقنا ويتثاءب الهواء وينصت الجبل.

كان جدي يشبه الحكايات، قديم وهادئ وحزين، حين يبدأ السرد.. يبدأ ارتحالي مع الأحداث والأشخاص، عرفتُ منه بيت لحم ودير الألمان ومدرسة تاليتا الداخلية وأخاه عطية الذي ترك الدنيا مبكراً، كان يرسم الوجوه عندما يتكلم، سكوته يكون عندما يجدد إشعال نار غليونه أو يرتشف قليلاً من كوب الشاي بعد نزول الإبريق عن نار السهر، كنا معاً أنا وهو، كنتُ أشعر أنه يريد أن يحكي لي رغم ما بيننا من سنوات كثيرة وطويلة، كان يبدو لي مستمتعا بالكلام دون أن أعي وقتها إن كان هو بارعاً في الحديث أم كنتُ أنا بارعاً في الإنصات.

بيني وبين جدي تشابه كبير، كل منا يحب الحكايات والسهر والاعتراف بالأخطاء الصغيرة والخوف من الظلام ومن كلام الناس، كل منا يرتحل مع شيء ما بمجرد رؤية طائرة ورقية أفلت خيطها الطويل من يد طفلة في الحي وتلقتها أغصان شجرة التوت القريبة، أو عند اقتراب نور الفجر من باب كوخنا الوحيد الذي يقف خلفنا حين نسهر ويحتوينا عندما ننام، أو حين يردد الراعي أغنية يحفظها منذ تعرف على أحزان التلال البعيدة وعرف أن للطيور أيضا أوطان تجبرها على الهجرة.

حكايات جدي تشبه أحلامه، أو هي تكملة أحلامه التي لم تكتمل، كان ينفعل مع أحداث الحكاية، يقطب جبينه إذا كان الموقف يستدعي ذلك لتجسيد الحديث، يبتسم إذا كان الموقف يصور فتاة جميلة تعبر الطريق كما تعبر غيمة بيضاء سماء صيفنا الجبلي، يرقق صوته إذا استدعى الحدث ذلك أو استدعته ضرورة من ضرورات السرد، يعرف كيف يجعلني أتابع، أو أعرف كيف أجعله يسترسل، كنتُ أظن أن إبريق الشاي المتكئ على حافة الموقد يسمع الحكاية معي، هل تنصت الأشياء؟! لا أدري، ولكن لماذا يتحدث الناس مع موتاهم، ألا يصبح الناس بعد الموت أشياء؟؟!!.

في حكايات جدي نوع من الحزن الذي يشعر به صاحبه ولكن لا يبوح به أو بأسبابه لأحد، حزن مرافق لصاحبه، له أنين خاص لا يشعر به القريبون، حزن يتخبأ في منطقة وعرة جدا تقع بين الكتمان والاعتراف، يضع فيها صاحبها دائما أسراره التي إما أنه يخاف منها أو يخاف عليها، لا تظهر لمحدثه، لكن تظهر آثارها على نظرات العينين والابتسامات العابرة، وتشرحها لغة الجسد لمن يفقه قراءة تلك اللغة.

حين ينتهي جدي من سرد الحكاية يسكت سكوت عازف انتهى من العزف للتو، يستند على وسادته ويسحب طرف عباءته وينظر إلى البعيد نظرة لم أكن أستوعب فحواها إن كانت نظرة عتاب أو نظرة اكتشاف أو نظرة اعتراف، كنتُ أحس أن للحكاية هوامش لم يتطرق إليها جدي، ربما اعتقاداً منه بأنني لن أستوعبها، في حكايات جدي سكتات تشبه السكتات بين جملة موسيقية وأخرى، للسكتات دور في الموسيقى يوضح الجُمَل الموسيقية، مثلما كانت سكتات جدي توضح الخافي من المعاني عند سرد الحكاية.

الصفحات