الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  ثمن التدخلات

ثمن التدخلات

ثمن التدخلات

اتفق أغلب المؤرخين والمحللين السياسيين في أوروبا على أن الإرهاب ليس وليد دين أو أيديولوجية محددة، بل هو وليد التشوه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في المقام الأول بغض النظر عن الدين أو الجنسية أو الأيديولوجية، مستندين إلى أهم الوقائع الإرهابية في تاريخ أوروبا مثل ما عرف «بسنوات الرعب»، إبان الثورة الفرنسية في الفترة بين أعوام «1789-1799»، حيث مولت الدولة الفرنسية مجموعة من العصابات الساخطة على المجتمع لتطول الطبقة الأرستقراطية ليس في فرنسا فحسب بل أوروبا كلها، وغيرها من الوقائع التي وقف الباحثون فيها على أن الإرهاب وسيلة يلجأ إليها أشخاص بلغوا من التشوه النفسي مبلغاً عظيماً فلجأوا لإحداث تغيير سياسي أو اقتصادي أو ديني بطريقة دموية للإرهاب الأنظمة والمجتمعات، وأرجع الباحثين السبب وراء ظهور التنظيمات الإرهابية في أفغانستان والعراق مؤخراً إلى السياسات الأميركية الإرهابية في مكافحة ما اسمته بالإرهاب بعد أحداث سبتمبر 2011.
يقول جورج نيتو مونتيسينوس المحلل السياسي بصحيفة الباييس الإسبانية، لـ الوطن، أن أسباب الإرهاب ليست بالضرورة دينية، وإنما هي أسباب مختلفة، منها الإرهاب الدولي مثل الذي مارسته الولايات المتحدة الأميركية خلال عقود مضت في دول مثل اليابان وفيتنام والعراق وأفغانستان، وأيضا الاتحاد السوفياتي السابق ضد البوسنة والهرسك وغيرها من وقائع الإرهاب الدولي، وإرهاب تربوي وثقافي يتم غالباً زرعه في المدارس والجامعات ودور العبادة المختلفة، وأيضا إرهاب اقتصادي ونفسي، كل هذه العوامل أدت إلى خلق أجيال من الشباب مشوهين نفسياً وعقائدياً وكانوا فريسة سهلة العصابات المرتزقة الذين استغلوا هذا التشوه النفسي واستقطبوهم للانتقام من المجتمع بدوافع واهية، بالنظر إلى تنظيم مثل «داعش» سوف نجد أن بين صفوفه مغنيين راب سابقين وراقصين وفتيات أمضين أغلب سنوات عمرهم في الحانات والبارات في أوروبا، وكذلك شباب أوروبي ينتمي إلى أعرق الطبقات الاجتماعية والمدارس التعليمية والدينية «المسيحية»، إذن الأمر ليس قاصراً على التشدد الديني الإسلامي، وإنما هي عوامل عديدة دفعت هؤلاء المراهقين إلى خوض تجربة جديدة مثيرة بمبررات دينية وإنسانية واهية منبعها السخط على المجتمع الذي نشؤوا فيه.
وعن تداعيات ظاهرة الإرهاب يقول المحلل السياسي خوان أورلاندو هيرنانديز، أن الإرهاب تسبب في سقوط دول بالكامل مثل العراق وسوريا وليبيا، ونزوح ملايين اللاجئين إلى مختلف الدول وخاصة أوروبا، وهو ما سوف يؤثر على البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لأغلب دول العالم لعقود قادمة، فهؤلاء اللاجئين غير مرحب بهم في أوروبا ويتعرضون لمختلف أشكال التمييز والعنصرية المتوحشة بسبب أصولهم الإسلامية والعربية، وذلك له اثر سلبي كشفت عنه الوقائع الإرهابية التي حدثت في فرنسا مؤخراً، حيث تبين أن أغلب منفذي هذه العمليات مهاجرين من أصول عربية، وهؤلاء المهاجرين لجأوا للعنف كنوع من الانتقام بعد أن بلغوا من اليأس مبلغاً كبيراً، ويستحيل على دول أوروبا وقف تدفق اللاجئين أو طردهم أو السيطرة عليهم، خاصة السيطرة النفسية، لذلك يجب أن يتم معالجة الخطاب الإعلامي الأوروبي السلبي ضد العرب والمسلمين واللاجئين وهذا أمر صعب إلى حد كبير، وبالتالي فالخطر سيظل متنامي ولا أرى حلا له على الأقل في الوقت الراهن– والكلام لهيرنانديز-، كما يجب على المنظمات المعنية بالإنسان وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة بمختلف المؤسسات التابعة لها، العمل بجد على تصحيح وعي الإنسان في مختلف دول العالم، والعمل على مكافحة المسببات وراء الإرهاب عن طريق اتفاقيات فعاله مع مختلف الدول، مع ضمان التطبيق الفعال، لان المجتمع هو المحضن الذي ينمو فيه الإنسان وتتشكل مداركه الحسية والمعنوية، وتوفير المناخ الذي تنمو فيه عوامل التوازن النفسي والمعنوي لدى الإنسان، ونشر المراكز البحثية المؤهلة داخل المدارس والجامعات لرصد الشعور بالإحباط لكونه الشعور السلبي تجاه المجتمع والذي يولد عند الإنسان حالة من التخلي عن الانتماء الوطني والمسؤولية الوطنية ومن ثم تولد الدوافع لديه بالانتقام.
ويضيف: إن التعامل الدولي مع ملف الإرهاب هو في حد ذاته نوع من مسببات الإرهاب، حيث لم يعالج الظاهرة منذ أحداث سبتمبر 2011 في الولايات المتحدة الأميركية، بل زاد من نزيف الدم في العراق وأفغانستان، ومن موقع التدخل الأميركي بحجة القضاء على الإرهاب ولدت التنظيمات المتطرفة الكبرى والأكثر دموية في العصر الحديث وهو تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، ونتيجة انهيار الأنظمة العربية في منطقة الشرق الأوسط نتيجة التدخل الأميركي سوف يستمر الإرهاب بشكل أكثر دموية وهمجية إلى أن تولد النسبة الدولية الصادقة لمحاربة الإرهاب عن طريق دعم العدل والتنمية الحقيقية في المنطقة العربية التي عبثت فيها أميركا وحلفاؤها ودفع الجميع الثمن غالياً، وسيدفعون.

الصفحات