الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  وداد الكواري ..أمنية لم تتحقق

وداد الكواري ..أمنية لم تتحقق

وداد الكواري ..أمنية لم تتحقق

لو قيض لي زيارة الهند يوما ما لما فكرت في الذهاب لرؤية المعلم الشهير «تاج محل» ولا القصور الاثرية والباذخة كقصر الرياح وغيره......وإنما سأشد الرحال دون توقف إلى مقاطعة البنغال والتي تبعد عن «كلكوتا» قليلا، حيث تقع المدرسة التي شيدها شاعر الهند العظيم «طاغور» وسط غابة تحفل بكل انواع الطيور والزهور والاشجار الباسقة والروائح الزكية واطلق عليها «مقر السلام» مدرسة تختلف عن كل المدارس، مدرسة حلمت بوجودها قبل ان اعرف بوجودها وتمنيت لو ان هناك مئات على غرارها لكل أطفال العالم، كان طاغور يؤمن بالعلم والتعليم، لكنه كان يبغض الوسائل والاساليب المتبعة في تربية الطفل، وعبر عن هذا البغض بقوله «لقد هربت من المدرسة في سن الثالثة عشرة، وفي أثناء المدة التي أرغمت على أن أواظب فيها تعذبت كثيرا، وغالبا ما كنت أعد السنوات التي سأضطر لأن أقضيها فيها قبل أن اتحرر، وكم وددت لو أن هناك عصا سحرية تجعلني أعبر السنوات الخمس عشرة أو العشرين التي كان محتما علي ان اقضيها في الدراسة سريعا، وأجد نفسي فجأة قد أصبحت رجلا مكتمل النمو. لقد أدركت بعد ذلك أن ما كان يثقل على عقلي هو الضغط الشاذ لنظام تربوي سائد في كل مكان» وهذا ما دفعه للثورة على نظام التعليم، والطرق المتبعة في تعليم الاطفال وتربيتهم، ورأى أنه ينبغي للطفل عند دخوله المدرسة أن يتصل بالطبيعة ويستمتع بها، ويرضي نزعته للاستطلاع فيها، وأن نبعد عنه الكتب وما تحوي من معلومات جافة، وأن نحرره من قيد الجلوس في صف يصغي لكل ما يلقيه عليه معلمه من معارف لمدة محددة من الزمن، ولا يسمح له فيها أن يصل عقله بأي شيء آخر من مجريات الامور، وقد وضع طاغور أساسا رئيسيا في فلسفته التربوية، وهو تنمية روح المحبة والتعاون لا بين التلاميذ فحسب، بل بين التلاميذ والمدرسين، وبين المدرسة والمجتمع، وجعل مدرسته التي بدأت بخمسة أطفال واتسعت بعد ذلك لتصبح جامعة من اعظم الجامعات بعيدة عن كل انواع التعصب، وملتقى للطلاب والطالبات والمعلمين والمعلمات من جميع الاجناس والقوميات، حيث يعيشون في دور صغيرة منفصلة، الطلاب في جهة والطالبات في جهة اخرى، والمعلمون والمعلمات في دور بنفس الحجم تتميز بالبساطة والنظافة والتقشف، ويتلقى الجميع الدروس في الهواء الطلق، تحت الاشجار أو في الغابة أو قرب النهر أو أثناء السير للقرية التي بناها واطلق عليها «مقر الرخاء» وأحضر لهذه القرية خبراء من الهنود في مختلف الصناعات والحرف اليدوية ليدربوا الصغار الذين لا رغبة لهم في مواصلة التعليم على مهنة تتيح لهم العيش بكرامة فيما بعد، كما بنى مكتبة عظيمة تحتوي على أنفس المخطوطات والكتب القديمة والحديثة وبأكثر من لغة، ومقابل المكتبة أنشأ بناية اخرى لدراسة الفنون والنحت والموسيقى، وبناية اخرى كمستشفى، حيث يستمتع الاطباء والممرضات بالطبيعة والاسترخاء طوال الوقت، فلا وجود للمرض هناك والكل يستمتع بصحة جيدة، والي جانب دائرة البريد هناك مطاعم ومتاجر لبيع الدفاتر والاقلام ومستلزمات الدراسة، واخرى لبيع المنتوجات التي صنعها التلاميذ، ومختبر تجرى فيه البحوث ساهم في الحد من انتشار مرض الملاريا الذي فتك بالهنود في كثير من انحاء الهند، وكل هذه المباني شيدت في الغابة وسط الخضرة والازهار واشجار المانجو.. وعلى الرغم من الشهرة التي وصل اليها طاغور كشاعر وكاتب وحائز على «نوبل» وما يتبع تلك الشهرة من لقاءات وزيارات وازعاج، كان مخلصا لفكرته التي تحولت لواقع، يباشر عمله اليومي في الفجر حتى وصل إلى الثمانين، يكتب ويرسم ويفتش جميع أقسام الجامعة ويشرف عليها، ويعتز بالاقسام العلمية قدر اعتزازه بفروع الادب والفلسفة، يبحث مع المديرين والاساتذة والمهندسين والكتاب، ويحضر جميع المسرحيات التي يمثلها طلابه، يمتدح ويقدم النصح ويعلم.. فالعلم من وجهة نظره هو الباعث على الاستقرار والهدوء والسلام، والجهل وحده يورث في الإنسان الحيرة والقلق ويدفعه إلى ارتكاب اخطاء كثيرة في حياته.

الصفحات