الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  بيـن قبضتيــن

بيـن قبضتيــن

بيـن قبضتيــن

كتب- محمد أمين يس
من الصفوف الخلفية صعد هايلي مريام ديسالين لحكم إثيوبيا، بعد أن قربه الزعيم الراحل رئيس وزراء إثيوبيا ملس زيناوي في العام 2010 وعينه نائبا له ووزيرا للخارجية، من بين العشرات من رموز الكفاح المسلح ضد نظام الرئيس السابق منغستو هايلي مريام.
وكانت تلك الخطوة إيذانا بتمهيد الطريق لهايلي للوصول إلى سدة الحكم بالعام 2012 في الدولة التي أصبحت رقما مهما في القارة الإفريقية وتتميز بمكانة بارزة في النظام الدولي الذي تشكل في العقدين الأخيرين. ديسالين لم يشارك في الكفاح المسلح للشعوب الإثيوبية خلال حقبة الثمانينيات ضد نظام حكم الجنرال منغستو، لكنه كان ناشطا سياسيا في (حركة شعوب الجنوب) اثناء دراسته للهندسة بأوروبا (فنلندا)، قبل ان يعود إلى إثيوبيا وينخرط في العمل السياسي ضمن (الحركة الثورية للشعوب الاثيوبية) تحالف الأحزاب الحاكمة.
ينحدر هايلي ديسالين من قبيلة صغيرة في جنوب إثيوبيا تدعى (ولايتا) في أقصى الحدود مع كينيا، ونشطت هذه القبلية من ضمن المجموعات المقاتلة الأخرى في (حركة شعوب الجنوب)، ودفعت ثمنا باهظا في مناهضتها لحكم الجنرال منغستو، وعندما سقط شاركت في نظام الحكم الجديد بقيادة زيناوي.
تخصص هايلي في الهندسة المائية، وعمل في دواوين الخدمة المدنية، وعينه زيناوي مستشارا خاصا في العام 2010، وعندما تم إعادة انتخاب زيناوي في نفس العام، كانت المفاجأة اختيار هايلي نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للخارجية الاثيوبية، فيما تم إزاحة أبرز الخلفاء المحتملين من المحاربين القدامى رفاق العمل المسلح تحت قيادة الزعيم زيناوي وذلك بتعيينهم في مواقع دبلوماسية بالخارج، وكان لافتا أن يذهب سيوم مسفن وزير الخارجية الأسبق إلى الصين سفيرا، وابادي زموا سفيرا بالسودان.
ولسنوات ظلت تلك القرارات التي أصدرها الزعيم الاثيوبي الراحل ملس زيناوي مسار جدل داخل إثيوبيا، وإثارة الأسئلة المستمرة حول قرار زيناوي أن يخلفه شخص ينتمي لقبيلة صغيرة في الجنوب، لا يقارن تأثيرها بأكبر المجموعات الاثنية وهي «التقراي، الارومو» كما أنه لم يخض معارك التحرير ولم يرفع السلاح في وجه منغستو مثل بقية الجنرالات في سلسة القيادة.
ويقول الخبير في الشأن الاثيوبي عبدالمنعم أبوإدريس لــ الوطن: إن تقريب الزعيم الاثيوبي الراحل لهايلي واختياره خليفة له، أراد أن يرسل رسالة إلى المجموعات الاثنية المتضجرة من سيطرة قومية (التقراي) على مفاصل الحكم والنفوذ في الدولة، خاصة وأن الرجل من قبلية صغيرة لا تأثير لها، ويعد من التنكوقراط وبلا تاريخ سياسي ذي أثر.
أول ظهور علني لهايلي في مسرح الأضواء كان في العام 2008، عندما عين مستشارا خاصا لزيناوي، وفي العام 2010 أصبح نائبا لرئيس الوزراء ووزير الخارجية، وبعد وفاة زيناوي كلفته مجموعة (التقراي) برئاسة الوزراء بعد أن مهدت لذلك باختياره رئيسا للحركة الثورية للشعوب الاثيوبية تحالف الأحزاب الحاكمة.
ويضيف أبوإدريس أن إعادة انتخاب الرجل في العام 2015، لمنصبه بعد اكتساح التحالف الأغلبية البرلمانية، كان طبيعيا ومعدا له، وتولى رئاسة الاتحاد الافريقي الذي يتخذ من العاصمة الاثيوبية مقرا له، وذلك لاستكمال الدور الافريقي الذي كانت تلعبه إثيوبيا زيناوي بالتنسيق والتشاور مع المجتمع الدولي.
ويرى أبوإدريس أن هايلي يفتقد للكارزيما الشخصية التي كان يتمتع بها زيناوي، الذي قادته كارزميته العالية لقيادة إثيوبيا بعد منغستو لمرحلة من الاستقرار والنمو الاقتصادي بفعل التوليفة التي اعتمدها واختارها من مختلف المكونات القبلية والاثنية في البلاد، ثم مهد له الطريق بعد ان تخلص من كبار قادة التحالف حيث احال بعضهم للمعاش وعين بعضهم سفراء.
بعد أربع سنوات من الحكم لم ينجح هايلي في إدارة التنوع الكبير في هذا البلد، ولم يستطع كما يقول أبوإدريس التعامل مع الاختلافات الموجودة والخلافات المكتومة والاحتقان ففقد السيطرة لقلة حنكته السياسية.
وأشار أبوإدريس إلى أنه رغم أن (الاورمو) ظلوا خارج معادلة السلطة منذ العام 1993، إلا أنهم لم يحتجوا إلا في عهد هايلي، ثم انضمت مجموعات أخرى متظاهرة ضد الحكومة، ما دفع بهايلي إلى الانحناء إلى العاصفة والحديث عن بعض الإصلاحات في قانون الانتخابات لضمان تمثيل المجموعات المحتجة وغير الممثلة في الحكومة المركزية والبرلمان، ويرى أبوإدريس أن تلك الإصلاحات المحدودة تعد جزءا من مطالب أكبر ولن تفلح في حل المشكلة، فالدستور الاثيوبي رغم اقراره النظام الفيدرالي الا انه يمنح السلطة المركزية في أديس ابابا حق تعيين حكام الأقاليم، مما يضع امام رئيس الوزراء تحديا أكبر يتلخص في كيفية حل الأزمة المتصاعدة قبل حلول الانتخابات في 2020.
والشاهد أن آخر تصريح لزعيم المعارضة الذي ينتمي لقومية الاورمو، أكد أنهم لا يريدون أن تنزلق إثيوبيا في الفوضى، وأن لهم مطالب محددة وعلى الحكومة تلبيتها.
ومن التحديات التي تواجه هايلي مريام ديسالين كيفية الحفاظ على موقع إثيوبيا المتقدم ومكانتها في افريقيا والعالم التي صنعها زيناوي، بيد أن الخبير بالشأن الاثيوبي أبوإدريس، يرى أن هايلي فشل في مجابهة هذا التحدي وأن الدليل على ذلك منافسة بعض الدول الافريقية لإثيوبيا في تلك المكانة التي تحتلها، مثل كينيا التي أعلنت ترشيح وزيرة خارجيتها السابقة أمينة محمد لرئاسة مفوضية الاتحاد الافريقي في منافسة إثيوبيا وهو منصب مهم في افريقيا.
هنالك أبعاد اخرى للاحتجاجات الداخلية في إثيوبيا بخلاف مسألة المشاركة في السلطة، يكشف بعضها أبوإدريس، وتتمحور في تخصيص اراض لقوميتي (الارومو والامهرة) للاستثمار الاجنبي، في ظل قانون يعطي الدولة ملكية الاراضي، وازدياد نسبة التعليم والوعي بين ابناء تلك القوميات بسبب انتشار التعليم في عهد زيناوي، ما زاد من حركة المطالب بالحقوق، وهو ما لم تضعه الحكومة في الحسبان.
مزاعم الحكومة الاثيوبية من أن هنالك أياد خارجية وراء الاحتجاجات الداخلية لا ينفيها ولا يستبعدها الخبير أبوإدريس، ولكنه يعتقد أن الأزمة الداخلية يمكن أن تصبح مدخلا لمن يريد التدخل في الشان الإثيوبي. وكانت إثيوبيا قد اتهمت دولا بعينها بأنها وراء هذه الاحتجاجات، وذلك في ظل محيط عدائي لبعض الدول تجاه إثيوبيا.
الاحتجاجات في تلك الدولة التي تحسب حليفا رئيسيا للغرب في إفريقيا ونقطة انطلاق لكثير من السياسات الدولية تجاه المنطقة كانت مصدر قلق للمجتمع الدولي الذي لم يتغاض عن الانتهاكات التي حدثت في سبيل وقف الاحتجاجات الداخلية، فإثيوبيا تعتبر نموذجا للاستقرار في المنطقة، بجانب التعاون البناء في مكافحة الإرهاب والحد من نشاط الجماعات الجهادية والمتطرفة، ونددت تقارير هيومان رايتس ووتش وبيانات الخارجية الأميركية والاتحاد الاوروربي بقمع المحتجين ودعت إلى التهدئة.
ويرجح الخبير في الشأن الاثيوبي عبدالمنعم أبوإدريس، تأثيرات إقليمية فادحة للأزمة الاثيوبية حال لم تستطع حكومتها حل تلك الاشكالات، فربما يدفع تفاقم الأزمة بتأثيرات أمنية سالبة على دول الجوار المضطربة أمنيا، مثل الصومال وجنوب السودان، وذلك بانتشار السلاح وعمليات التهريب بأنواعه وحركة العصابات الناشطة في عمليات الاتجار بالبشر والهجرات غير الشرعية، وقد يصل الأمر بالحكومة الاثيوبية إلى شن حرب على جارتها اريتريا التي تحملها مسؤولية دعم معارضيها لإعادة التماسك الداخلي.
وفي ظل كل التحديات التي تواجه رئيس الوزراء الاثيوبي هايلي ماريام ديسالين، يبقى التساؤل مشروعا حول امكانية ان ينجح الرجل في تجاوز الأزمة وإعادة الاستقرار لإثيوبيا كما سبق وفعلها سلفه الزعيم الراحل ملس زيناوي، أم يفشل في ظل سيطرة قومية (التقراي) على مفاصل الدولة.

الصفحات