الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  السودان على صفيح ساخن

السودان على صفيح ساخن

السودان على صفيح ساخن

الخرطوم - وكالات - أعلن الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، حالة الطوارئ في البلاد وتعليق العمل بمواد من الوثيقة الدستورية، كما أعلن حل مجلس السيادة الانتقالي ومجلس الوزراء وإعفاء الولاة. وقال البرهان، في بيان بثه التليفزيون السوداني أمس، إنه يتعهد بالتزام القوات المسلحة بالانتقال الديمقراطي حتى تسليم الحكم للمدنيين من خلال انتخابات عامة، كما تعهد بتشكيل حكومة كفاءات وطنية. وأضاف البرهان أن «حكومة مستقلة ستحكم السودان حتى موعد الانتخابات التي ستجري في يوليو 2023». وفي الوقت ذاته، كان متظاهرون في عدد من شوارع الخرطوم ينددون بـ «انقلاب البرهان» ويرفضونه. لكن قرب مقر القيادة العامة للجيش، أطلق عليهم عسكريون «الرصاص الحي»، وفق ما أعلنت وزارة الإعلام، ما تسبب بإصابات.
ودعت الأمم المتحدة ودول عدة والجامعة العربية والاتحاد الإفريقي إلى احترام العملية الانتقالية والحوار بين العسكريين والمدنيين الذين كانوا يتقاسمون السلطة منذ أغسطس 2019.
أطاح الجيش في أبريل 2019 بنظام عمر البشير الذي حكم السودان لأكثر من ثلاثين عاما بقبضة من حديد، بعد انتفاضة شعبية عارمة استمرت شهورا، وتسلّم السلطة. لكن الاحتجاجات الشعبية استمرت مطالبة بسلطة مدنية وتخللتها اضطرابات وفض اعتصام بالقوة سقط خلاله قتلى وجرحى.
وفي أغسطس 2019، وقّع العسكريون والمدنيون (ائتلاف قوى الحرية والتغيير) الذين كانوا يقودون الحركة الاحتجاجية، اتفاقًا لتقاسم السلطة نصّ على فترة انتقالية من ثلاث سنوات تم تمديدها لاحقا. وبموجب الاتفاق، تم تشكيل سلطة تنفيذية من الطرفين (مجلس سيادة يرأسه عسكري، وحكومة يرأسها مدني)، على أن يتم تسليم الحكم لسلطة مدنية إثر انتخابات حرة في نهاية المرحلة الانتقالية.
وحصلت محاولة انقلاب في سبتمبر تم إحباطها، لكن قال المسؤولون على إثرها إن هناك أزمة كبيرة على مستوى السلطة.
وبرزت إثر ذلك إلى العلن الانقسامات داخل السلطة، لا سيما بين عسكريين ومدنيين.
وأعلنت وزارة الإعلام الاثنين أن «قوة من الجيش اعتقلت رئيس الوزراء عبدالله حمدوك ونقلته إلى مكان مجهول»، «بعد رفضه تأييد الانقلاب».
وذكرت أن «قوى عسكرية» اعتقلت «أغلب أعضاء مجلس الوزراء والمدنيين من أعضاء مجلس السيادة».
وقال مكتب حمدوك إن هذا الأخير «اختطف مع زوجته». وأضاف في بيان: «ما حدث يمثل تمزيقاً للوثيقة الدستورية وانقلاباً مكتملاً على مكتسبات الثورة التي مهرها شعبنا بالدماء بحثاً عن الحرية والسلام والعدالة». وحمّل «القيادات العسكرية في الدولة السودانية المسؤولية الكاملة عن حياة وسلامة رئيس الوزراء حمدوك وأسرته».
التظاهر لاستعادة الثورة
ودعا البيان «الشعب السوداني للخروج والتظاهر واستخدام كل الوسائل السلمية (...) لاستعادة ثورته».
وفي هذا الوقت، انقطعت الإنترنت عن البلاد، وتوجد صعوبة بالغة في إجراء مكالمات هاتفية.
وأعلنت وزارة الإعلام أن «قوات عسكرية مشتركة اقتحمت مقر الإذاعة والتلفزيون في أم درمان»، المدينة التوأم للخرطوم، و«احتجزت عددا من العاملين».
ووصف تجمّع المهنيين السودانيين، أحد المحركين الأساسيين للانتفاضة التي أسقطت عمر البشير عام 2019، الاعتقالات بـ«الانقلاب».
وفي بيان نشره على حسابه على «تويتر»، دعا التجمع إلى «المقاومة الشرسة للانقلاب العسكري الغاشم»، وقال: «لن يحكمنا العسكر والميليشيات. الثورة ثورة شعب.. السلطة والثروة كلها للشعب».
كذلك دعت نقابة الأطباء ونقابة المصارف إلى العصيان المدني.
وقطع متظاهرون في بعض أنحاء الخرطوم طرقا وأحرقوا إطارات احتجاجا، بينما قطع الجيش جسورا تربط الخرطوم بالمناطق المجاورة.
وقال هيثم محمد الذي نزل إلى الشارع الاثنين: «لن نقبل بحكم عسكري، ونحن مستعدون لتقديم حياتنا حتى حصول الانتقال الديموقراطي في السودان».
وقالت سوسن بشير: «لن نترك الشارع إلى أن تعود الحكومة المدنية والعملية الانتقالية».
ومنذ اندلاع الثورة السودانية في ربيع 2019، شهد السودان تجاذبات بين القوى المدنية والعسكر. الرهان كان على المرحلة الانتقالية التي شهدت بدورها صراعات قوية يبدو أن ذروتها سجِّلت في ليلة انقض فيها العسكر على مكتسبات الثورة.
اعتقالات بالجملة
منذ فجر الاثنين 2021.10.25، تتوالى تقارير إعلامية من السودان تفيد باعتقال الجيش لعددٍ من الوزراء وسياسيين بارزين من بينهم قيادات «قوى الحرية والتغيير» المظلة المدنية التي قادت انتفاضة شعبية أطاحت بنظام عمر حسن البشير 2019.04.11. رئيس الوزراء عبد اللّه حمدوك ذُكر في البداية إنه وضع تحت الإقامة الجبرية، وأكدت وزارة الثقافة والاعلام أنه نُقل بدوره إلى مكان مجهول بسبب «رفضه تأييد الانقلاب».
متمردون سابقون
قائمة المعتقلين حسب وسائل الإعلام تطول تباعا لتشمل أيضا ياسر عرمان، نائب الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان وفق ما نشر حسابه على تويتر. وكانت جماعته المتمردة قد وقعت اتفاق سلام في 2020 مع السلطات الانتقالية متعهدة بالاندماج في الجيش، وعمل ياسر عرمان مؤخرا كمستشار لعبد الله حمدوك.
إعلاميون وصحفيون
الاعتقالات طالت أيضا إعلاميين وصحفيين، فقد اقتحمت قوات عسكرية مقر الإذاعة والتلفزيون في أم درمان، واحتجزت عدداً من العاملين. فيما تمّ قطع الانترنت.
إعلان طلاق
رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان أعلن فرض حالة الطوارئ في السودان وحل مجلسي السيادة والوزراء. كما أعلن تعليق العمل ببعض بنود الوثيقة الدستورية، وتجميد عمل لجنة إزالة التمكين، وإنهاء عمل ولاة السودان، مشيرا إلى التمسك باتفاق جوبا للسلام. وزارة الإعلام السودانية وصفت إجراءات البرهان بأنها «انقلاب عسكري».
غضب وإنزال أمني
على الفور خرج العشرات من المدنيين لشوارع الخرطوم وتم إحراق الإطارات، كما تم نشرت قوات الدعم السريع في شوارع العاصمة الخرطوم.
دعوات للخروج إلى الشارع
مباشرة بعد الاعتقالات دعت القوى الثورية وعلى رأسها «تجمع المهنيين السودانيين» المعارض، في حسابه على فيسبوك، إلى «الخروج للشوارع واحتلالها وإغلاق كل الطرق بالمتاريس، والإضراب العام عن العمل وعدم التعاون مع الانقلابيين، والعصيان المدني في مواجهتهم». رئيس الوزراء حمدوك بدوره طالب بـ «احتلال الشوارع دفاعاً عن الثورة». ذات الدعوات أطلقها أيضا حزبا «الأمة» و«الشيوعي».
ردود فعل دولية
أثارت التطورات التي يشهدها السودان منذ فجر الإثنين قلقا ورفضا عالميين، بعدما استيقظ العالم على خبر اعتقالات طالت رئيس الحكومة الانتقالية وعددا من الوزراء وقيادات من قوى «إعلان الحرية والتغيير».
واللافت أن الأحداث جاءت بعد ساعات قليلة من إعلان مبعوث الولايات المتحدة للقرن الإفريقي جيفري فيلتمان، عن «تفاؤله بوجود مخرج للأزمة الحالية في السودان»، وذلك عقب لقائه رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك، ورئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان، في العاصمة الخرطوم.
وفي خضم الأحداث، سارعت الولايات المتحدة، صباح أمس، لإعلان «رفضها القاطع» لما وصفته «استيلاء الجيش على الحكومة الانتقالية» في السودان وهددت بقطع المساعدات عنه في حال فرض أي تغييرات بالقوة.
الولايات المتحدة
وقال فيلتمان، في تغريدة نقلها مكتب الشؤون الإفريقية بوزارة الخارجية الأميركية، إن «الولايات المتحدة تشعر بقلق عميق إزاء التقارير التي تتحدث عن استيلاء عسكري على الحكومة الانتقالية».
وأضاف: «هذا مخالف للإعلان الدستوري والتطلعات الديمقراطية للشعب السوداني وغير مقبول بتاتا».
وتابع فيلتمان: «كما قلنا مرارًا، فإن أي تغييرات في الحكومة الانتقالية بالقوة تعرض المساعدة الأميركية للخطر».
سفارة واشنطن لدى الخرطوم، أعلنت إدانتها للإجراءات التي قالت إنها «تقوض الانتقال الديمقراطي في السودان».
وقالت في تغريدة عبر «تويتر» إنها «تشعر بقلق بالغ من التقارير التي تفيد بأن القوات المسلحة اتخذت إجراءات ضد حكومة السودان المدنية».
الاتحاد الأوروبي
بدوره، أعرب الاتحاد الأوروبي عن «قلقه البالغ» إزاء التطورات في السودان، داعيا لإعادة العملية الانتقالية إلى مسارها الصحيح.
وقال الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، في تغريدة على «تويتر»: «نتابع بقلق بالغ الأحداث الجارية في السودان».
وأضاف: «الاتحاد الأوروبي يدعو جميع المعنيين والشركاء الإقليميين لإعادة العملية الانتقالية إلى مسارها الصحيح».
الاتحاد الإفريقي
كذلك، أعربت مفوضية الاتحاد الإفريقي عن قلقها البالغ إزاء «التطور الخطير» للوضع في السودان، داعية إلى إطلاق سراح جميع القادة السياسيين المعتقلين.
وقال رئيس المفوضية موسى فقي محمد، في بيان على موقع المفوضية: «علمنا بقلق عميق بالتطور الخطير للوضع الحالي في السودان، واعتقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ومسؤولين مدنيين آخرين».
ودعا رئيس المفوضية إلى الاستئناف الفوري للمشاورات بين المدنيين والعسكريين في إطار الإعلان السياسي والمرسوم الدستوري.
الأمم المتحدة
رئيس البعثة الأممية لدى السودان فولكر بيرتس، تحدث، في بيان نشره حساب البعثة على «تويتر»، عن «انقلاب جار» في السودان.
وقال: «أنا قلق جداً بشأن التقارير حول انقلاب جارٍ ومحاولات لتقويض عملية الانتقال السياسي في السودان»، مؤكدا أن «الاعتقالات التي طالت رئيس الوزراء والمسؤولين الحكوميين والسياسيين غير مقبولة».
وتابع: «أدعو قوات الأمن إلى الإفراج الفوري عن الذين تمّ اعتقالهم بشكل غير قانوني أو وضعهم رهن الإقامة الجبرية، وتقع على عاتق هذه القوات مسؤولية ضمان أمن وسلامة الأشخاص المحتجزين لديها».
ألمانيا
أما برلين، فقد أدانت ما وصفته «محاولة الانقلاب في السودان» ودعت الجيش لاحترام عملية الانتقال السلمي نحو الديمقراطية.
وقال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، في بيان: «التقارير عن محاولة انقلاب أخرى في السودان مقلقة، يجب إدانة هذه المحاولة بوضوح».
وطالب ماس القوات الأمنية في السودان بالعودة إلى ثكناتها على الفور.
جامعة الدول العربية
من جهتها، أعربت جامعة الدول العربية أيضًا عن بالغ قلقها إزاء الأحداث التي يشهدها السودان.
وقالت في بيان إن «الجامعة العربية تعرب عن بالغ القلق إزاء تطورات الأوضاع في السودان، وتطالب جميع الأطراف بالتقيد الكامل بالوثيقة الدستورية التي تم توقيعها في أغسطس 2019، واتفاق جوبا للسلام لعام 2020».
منظمة التعاون الإسلامي
كذلك اتخذت منظمة التعاون الإسلامي موقفا مماثلا من الأحداث، وأعربت في بيان عن قلقها إزاء تطورات الوضع في السودان ودعت جميع الأطراف إلى الالتزام بالوثيقة الدستورية واتفاقات الفترة الانتقالية.
وفجر الإثنين، شهدت الخرطوم، سلسلة اعتقالات مكثفة طالت عددا من الوزراء في الحكومة الحالية، وقادة من قوى إعلان الحرية والتغيير (المكون المدني للائتلاف الحاكم).
فيما أعلنت وزارة الإعلام السودانية، عبر حسابها على «تويتر»، أن قوة من الجيش السوداني اعتقلت رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، بعد رفضه تأييد ما وصفته بـ«الانقلاب».
من جانبها، دعت عدة قوى سياسية سودانية، عبر بيانات، المواطنين للعصيان المدني والخروج للشوارع احتجاجًا على التحركات الأخيرة، أبرزها «تجمع المهنيين» وأحزاب «المؤتمر» و«الأمة القومي» و«الشيوعي».
واستجابة لذلك، خرجت حشود من السودانيين إلى شوارع العاصمة الخرطوم، وفق ما أظهرته مقاطع فيديو عبر البث المباشر، على صفحات تواصل نشطاء سودانيين.
وظهر اليوم، أعلن القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، الإثنين، حالة الطوارئ بالبلاد وحل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين، وتعليق العمل ببعض بنود الوثيقة الدستورية.
انقلاب بعد انقلاب
الانقلاب الجديد جاء بعد أربعة أسابيع عن محاولة انقلاب فاشلة لم تفهم تفاصيله بعد. وبعد يومين من تظاهرات حاشدة نزل فيها عشرات الآلاف من السودانيين إلى شوارع المدن، دعماً لانتقال كامل للحكم إلى المدنيين، فيما كان أنصار العسكر يواصلون اعتصاماً أمام القصر الجمهوري وسط العاصمة الخرطوم منذ السبت الماضي، في مؤشر على الانقسام المهيمن على المشهد.
مآل الثورة؟
المشهد اليوم يوحي بنهاية اتفاق 2019، حين وقّع العسكريون والمدنيون الذين كانوا يقودون الحركة الاحتجاجية التي أطاحت بالرئيس البشير، اتفاقًا لتقاسم السلطة نصّ على فترة انتقالية من ثلاث سنوات تم تمديدها لاحقا. وبموجبه، تم تشكيل سلطة تنفيذية من الطرفين، على أن يتم تسليم الحكم لسلطة مدنية إثر انتخابات حرة. غير أن الشروخ اتسعت بين فريق يسعى إلى عودة العسكر إلى الحكم وفريق آخر يريدها «مدنية.. مدنية».

الصفحات