الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  «فقط... دعني أعش»

«فقط... دعني أعش»

منى بابتي
كاتبة لبنانية
جلست أمامه، وبجانبي ابنتي تحاول الابتسام له لربما يرأف بحالنا وحال أخيها الوحيد، نظر في عيوني وأطلق مجموعة من الحروف المتلاصقة في كلمات، سحقت كرامتي كأم، للمرة الأولى شعرت بأنني أتنفس الهواء كسيوف تخترق رئتي، وتقتطع روحي إلى أجزاء، طأطأت أمومتي ولم أطأطئ رأسي، فلقد كنت أحاول بما تبقى معي من أنفاس أن أخبره، أنه «إن لم تحبني.... فقط دعني أعيش كسائر الأمهات».
وعدت إلى بيتي، لم أضع عيوني في وجه ابنتي، لم أنبس ببنت شفة مع ابني، ولكنني التصقت بحائط غرفتي، فلا سند معي في غربتي، لا أم أرتمي في حضنها، وتحجب عني قسوة الحياة، ولا والد يلملم أجزائي المبعثرة، ويخبرني أنني معه في أمان، لا أحد معي سوى مجموعة (صور) تلفني خيالات أصحابهم بمزيد من الانهزام، حملت صورة «أمي وأبي»، وأخبرتهما بأنني قد هزمت، لم أنجح في حماية أطفالي - كما فعلا معي -، لم أتمكن من منع عيون أطفالي عن البكاء، ولم أنقذهما من الألم، الحزن... لقد فشلت كأم... مع أنني حاولت آلاف المرات النجاة، ولكنني تحولت من أم إلى ألم يحطم المزيد من أحلام أطفاله الأبرياء.
في تلك اللحظة هاتفتني صديقتي الفرنسية المقربة من روحي، لم أتكلم ولكنني أجهشت بالبكاء، أخبرتها بأنفاسي، لقد تم سحقي وإعدامي «كأم» أمام عيون طفلتي ولم تنفع دموعي ومحاولات الاستجداء...
وكررت عشرات المرات، «لقد حاولت.. ولكن غدر الحياة... لم يمنحني فرصة النجاة»... فصرخت بي قائلة:«اصمتي... كفاك ضعفًا... كفاك استجداء»، ثم تابعت قائلة...:«لا نستحق - نحن ولا أحد - يستحق هذا السحق بالكلمات»، إن لم تحبني... فقط دعني أعيش... فأنت لا تعلم متى نتبادل الأدوار... وتجلس أنت أمام أحدهم... ليقطعك إلى أجزاء.
هذه هي الحياة، محطات من الانهزام والانتصار، وكلنا نمر في تلك المحطات، فلا أحد يغادر هذه الحياة قبل أن يقطع تلك المسافات.
موظفون لا يوفقون في تحقيق النجاحات، «فإن لم تحبهم... فقط دعهم.... يعيشون... ولا تؤدي أنت دور القاضي والجلاد».
زوجات يفشلن في حياكة رداء الحب والسكن...«فإن لم تحبها... فقط.. دعها تعيش.. ولا تلعب أنت دور الظالم والحكم».
أصدقاء يفشلون في بناء جسور الود والوصال.. «فإن لم تحبهم... فقط.. دعهم يعيشون... ولا تلعب دور المشوه والصديق».
أمهات حاولن آلاف المرات الانتصار وفشلن في حماية الأحلام، فإن لم تحبها... فقط دعها تعيش كأم.... واحذر أن تسحق أمًا أمام عيون الأبناء... لأنك قد سحقت في عيونهم «حضن الحنان».
صديقي القارئ... نتبادل كلنا في حياتنا... كافة الأدوار، ولا بد من أن تحيا يومًا نعمة السلطة، ويجلس أحدهم أمامك... على كرسي بارد خال من الأعذار... احذر أن تجمع كلمات في مفردات تسحق أجمل ما فيه... تسحقه كإنسان.
​إن لم تحبني... فقط... دعني أعيش كإنسان.... لا هي مجرد كلمات... فاحذر كيف تختار الكلمات.

الصفحات