الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  خـيـــارات مـا بـعــد الانســحــاب

خـيـــارات مـا بـعــد الانســحــاب

خـيـــارات مـا بـعــد الانســحــاب

يقارب الوجود الأميركي في أفغانستان على نهايته، لكن وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) تواجه نفقاً مظلماً.
وتناول تقرير لصحيفة The New York Times الأميركية هذا المأزق في تقرير بعنوان «وكالة الاستخبارات المركزية تندفع نحو نهج جديد في أفغانستان»، رصد الخيارات التي تدرسها الوكالة حالياً لتعويض القواعد الأميركية هناك.
إذ إن CIA، التي كانت في قلب الوجود الأميركي بأفغانستان منذ 20 عاماً، سوف تفقد قريباً قواعدها في البلاد، حيث كانت تدير منها المهام القتالية وضربات الطائرات المسيرة، وفي الوقت ذاته كانت تراقب حركة طالبان والجماعات الأخرى، مثل تنظيم القاعدة وتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، ويحذر محللو الوكالة من المخاطر المتزايدة باستمرار، الناتجة عن سيطرة طالبان المتسارعة في أفغانستان.
وفي هذا السياق، يبذل مسؤولو الولايات المتحدة جهوداً في اللحظات الأخيرة السابقة للانسحاب تستهدف تأمين قواعد قريبة من أفغانستان، من أجل العمليات التي قد تُنفَّذ في المستقبل، لكن تعقيدات الصراع المستمر أدت إلى مفاوضات دبلوماسية شائكة، نظراً إلى أن الجيش يسعى بهمّة لسحب جميع القوات قبل وقت طويل من الموعد النهائي الذي حدده الرئيس جو بايدن، في 11 سبتمبر القادم، بحسب المسؤولين الأميركيين والخبراء الإقليميين.
اتفاق مع باكستان؟
إحدى الوجهات التي انصبّ تركيزهم عليها كانت باكستان، استخدمت CIA قاعدةً هناك على مدى سنوات لإطلاق هجمات بالطائرات المسيرة ضد المسلحين المستقرين في الجبال الواقعة غربي البلاد، لكنهم أُخرجوا من هذه القاعدة في 2011، عندما تفككت العلاقات مع باكستان. وأي اتفاق سوف يُعقد الآن ربما سيتوجب عليه تجاوز الحقيقة المزعجة التي تقول بأن الحكومة الباكستانية لطالما دعمت حركة طالبان. في نقاش بين المسؤولين الأميركيين والمسؤولين الباكستانيين، طالب الباكستانيون بوضع عديد من القيود مقابل استخدام أي قاعدة في البلاد، وطالبوا فعلياً بالتوقيع على أي أهداف تستهدفها الوكالة أو الجيش داخل أفغانستان، وذلك وفقاً لثلاثة أميركيين مطلعين على المناقشات تحدثوا لنيويورك تايمز.
يستكشف الدبلوماسيون كذلك خيار استعادة إمكانية الوصول إلى قواعد جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة، التي استُخدمت خلال حرب أفغانستان، مع أنهم يتوقعون اعتراضاً شديداً من جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وكانت التقارير الأحدث لوكالة الاستخبارات المركزية والاستخبارات العسكرية فيما يتعلق بأفغانستان متشائمة بدرجة كبيرة، فقد سلّطت هذه التقارير الضوءَ على المكاسب التي حققتها طالبان والجماعات المسلحة الأخرى في جنوب وشرق البلاد، وحذرت من أن كابول قد تسقط في يد طالبان في غضون سنوات، وستصير مرة أخرى ملاذاً آمناً للمسلحين العازمين على شنّ هجمات ضد الغرب، حسبما أفاد عديد من الأشخاص المطلعين على هذه التقييمات.
ونتيجة لهذا يرى المسؤولون الأمريكيون حاجةً إلى وجودٍ استخباراتي طويل الأمد في أفغانستان -إضافة إلى عمليات مكافحة الإرهاب من الجيش ووكالة الاستخبارات المركزية- بعد الموعد النهائي الذي حدده بايدن لمغادرة القوات الأميركية أفغانستان، لكن الاندفاع نحو القواعد يوضح أن المسؤولين الأميركيين لا يزالون يفتقرون إلى خطة طويلة المدى للتعامل مع الجانب الأمني في بلد أنفقوا فيه تريليونات الدولارات، وفقدوا أكثر من 2400 فرد من القوات على مدى حوالي عقدين.
اعترف وليام بيرنز، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، بالتحدي الذي تواجهه الوكالة، فقد أبلغ أعضاء مجلس الشيوخ، في أبريل قائلاً: «عندما يحين الوقت لانسحاب الجيش الأميركي سوف تضعف قدرة الحكومة الأميركية على جمع المعلومات والتحرك لمواجهة التهديدات، تلك الحقيقة بكل بساطة».
خرج بيرنز في زيارة غير معلنة في الأسابيع الأخيرة إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، لمقابلة قائد الجيش الباكستاني ورئيس وكالة الاستخبارات الباكستانية. أجرى وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن مكالمات متكررة مع قائد الجيش الباكستاني، دارت حول الحصول على مساعدة بلاده للعمليات الأميركية المستقبلية في أفغانستان، وذلك بحسب مسؤولين أميركيين مطلعين على المحادثات.
وقال أشخاص مطلعون على الزيارة إن بيرنز لم يتحدث عن مسألة القاعدة خلال زيارته إلى باكستان، بل ركّزت الزيارة على التعاون الأوسع في مجال مكافحة الإرهاب بين البلدين، فيما قال أشخاص مطلعون على مكالمات وزير الدفاع إنه على الأقل كانت بعض نقاشات أوستن أكثر وضوحاً، ورفضت متحدثة باسم وكالة الاستخبارات المركزية التعليق عندما سُئلت عن زيارة بيرنز إلى باكستان.
كيف تحولت CIA إلى منظمة شبه عسكرية؟
ساعد عقدان استمرت خلالهما الحرب في أفغانستان على تحول الوكالة الاستخباراتية إلى ما يشبه منظمةً شبه عسكرية: فتنفذ الوكالة مئات الهجمات بالطائرات المسيرة في أفغانستان وباكستان، وتدرب وحدات الكوماندوز الأفغانية وتُبقي على وجود ضباط وكالة الاستخبارات المركزية في سلسلة من القواعد على امتداد الحدود مع باكستان.
بيد أن هذه العمليات جاءت بكلفة؛ إذ إن الغارات الجوية التي تنفذها الوحدات الأفغانية المدربة على يد CIA خلفت وراءها آثاراً للإساءات التي أدت إلى تعاظُم دعم طالبان في مناطق البلاد، فضلاً عن أن الهجمات الخاطئة التي نفذتها الطائرات المسيرة في باكستان من حين لآخر تسببت في قتل مدنيين، وزادت الضغط على الحكومة الباكستانية لخفض دعمها الصامت لعمليات وكالة الاستخبارات المركزية.
وقال دوغلاس لندن، الرئيس السابق لعمليات وكالة الاستخبارات المركزية لمكافحة الإرهاب في أفغانستان وباكستان، لنيويورك تايمز، إن الوكالة كانت على الأرجح ستعتمد على شبكة من المخبرين الباقين بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، الذين يمكن أن يجمعوا معلومات استخباراتية حول طالبان والقاعدة واستقرار الحكومة المركزية والموضوعات الأخرى، ولكن بدون وجود كبير لوكالة الاستخبارات المركزية في البلاد فإن التأكد من دقة هذه المعلومات الاستخباراتية قد يشكل صعوبة كبيرة، وذلك حسبما أوضح مسؤول الوكالة السابق.
وأضاف لندن، الذي سينشر كتاباً قريباً بعنوان The Recruiter عن تجربته في وكالة الاستخبارات المركزية: «عندما تتعامل من خارج البلاد، فإنك تتعامل مع وسيط. إنها أشبه بلعبة الهاتف المكسور».
وعلى المدى القصير، تستخدم وزارة الدفاع (البنتاغون) حاملة طائرات لإطلاق المقاتلات في أفغانستان لدعم انسحاب القوات، لكن وجود حاملة الطائرات لن يكون حلاً طويل الأمد، إضافة إلى أن مسؤولي الجيش قالوا إنه سيجري إعادة نشرها على الأرجح بعد وقت قصير من مغادرة آخر القوات الأميركية.
باكستان ترفض وجود قواعد أميركية
وتسمح الولايات المتحدة بتمركز الطائرات المسيرة إم كيو-9 ريبر في الخليج، وهي طائرات يمكن استخدامها عن طريق كلٍّ من البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية، بهدف تنفيذ الضربات وجمع المعلومات الاستخباراتية.
لكن بعض المسؤولين متشككون مما يُطلق عليها «خيارات من وراء الآفاق»، التي تتطلب طائرة وطائرات مسيرة تحلق لحوالي 9 ساعات ذهاباً وإياباً لتنفيذ مهمة في أفغانستان، ما سيجعل العمليات أكثر تكلفة، لأنها تحتاج مزيداً من الطائرات المسيرة والوقود، بجانب خطورتها، نظراً إلى أن التعزيزات الضرورية لغارات الكوماندوز قد لا تصل بسرعة عند حدوث أي أزمة.
وأبلغ وزير الخارجية الباكستاني، شاه محمود قريشي، المشرعين، بأن الحكومة لن تسمح بعودة الجيش الأميركي إلى أي قواعد جوية في البلاد. قال قريشي: «انسوا الماضي، لكني أريد أن أبلغ الباكستانيين بأنه لن يسمح رئيس الوزراء عمران خان بوجود أي قاعدة أميركية ما دام في الحكم».
وقال بعض المسؤولين الأميركيين إن المفاوضات مع باكستان وصلت إلى طريق مسدود الآن. فيما قال آخرون إن الخيارات لا تزال مطروحة على طاولة المفاوضات، ويمكن التوصل إلى اتفاق.
وقال حسين حقاني، السفير الباكستاني السابق لدى الولايات المتحدة الذي يعمل الآن باحثاً كبيراً لدى معهد هدسون، إن الأميركيين والباكستانيين «سوف يرغبون الآن في المضي قدماً بحذرٍ» مع أي علاقة جديدة، لكنه قال إن إعلان بايدن انسحاب قوات بلاده «جعل وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع، وكذلك الباكستانيين، يندفعون بسرعة».
روسيا عقبة أخرى أمام أميركا في آسيا
وعلى الجانب الآخر، يستكشف الدبلوماسيون الأمريكيون خيارات استعادة الوصول إلى قواعد آسيا الوسطى، بما في ذلك المواقع الكائنة في قيرغيزستان وأوزبكستان، التي استقبلت القوات الأميركية وضباط الاستخبارات الأميركيين خلال الحرب.
تحدث وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، مع نظيره في طاجكستان، مع أنه ليس واضحاً ما إذا كانت مسألة الوصول إلى قاعدة ما في البلاد قد نوقشت خلال المكالمة أم لا. والأرجح أن أي مفاوضات مع هذه البلاد قد تستغرق وقتاً طويلاً لنجاحها، قالت متحدثة باسم الخارجية الأميركية إن بلينكن كان فقط يُشرك الدول الشريكة حول الطريقة التي تتبعها الولايات المتحدة لإعادة تنظيم قدراتها في مجال مكافحة الإرهاب.
عارضت روسيا استخدام الولايات المتحدة قواعد في وسط آسيا، وذلك على الأرجح هو السبب الذي سوف يبطئ أي جهود دبلوماسية للوصول إلى القواعد لأهداف شن ضربات عسكرية، وذلك حسبما أفاد مسؤول أميركي. مع أن CIA على وجه الخصوص لطالما حملت وجهة نظر متشائمة حول آفاق استقرار أفغانستان، نُقحت هذه التقييمات في الأسابيع الأخيرة مع تحقيق طالبان مكاسب تكتيكية.
وبينما اختلف محللو الاستخبارات في الماضي حول تقييماتهم للوضع في البلاد، فإنهم الآن يتفقون على أن الحكومة الأفغانية سوف تواجه على الأرجح مشكلات في البقاء في السلطة. ويعتقدون أن قوات الأمن الأفغانية تدهورت بسبب معدلات الخسائر المرتفعة في السنوات الأخيرة. إضافة إلى أن إعلان انسحاب الولايات المتحدة يجسد ضربة نفسية أخرى يمكن أن تضعف القوات.
فقد قالت التقييمات الاستخباراتية إنه بدون الدعم الأميركي سوف تضعف قوات الأمن الوطنية الأفغانية ويمكن أن تنهار. ويعمل المسؤولون على تطوير خيارات من أجل استمرار الدعم عن بعد، لكن البنتاغون لم يصل بعد إلى حل واقعي يؤمن المسؤولون أنه سوف يكون ناجعاً. لدى بعض المسؤولين الحاليين والسابقين شكوك حول إمكانية نجاح الاستشارة أو العمليات القتالية عن بعد. فقد صار جمع المعلومات الاستخباراتية أصعب بكثير بدون وجود كبير للقوات الأميركية في أفغانستان، وهو ما قاله ميك مولروي، وهو ضابط متقاعد عمل هناك لدى وكالة الاستخبارات المركزية. قال مولروي: «قدرتك على إسقاط الذخائر لن تكون مهمة إذا لم تكن تعرف مكان الهدف».

الصفحات