الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  التواصي

التواصي

د. فاطمة سعد النعيمي
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
التّواصي مصدر قولهم تواصى فلان وفلان أي أوصى كلّ منهما صاحبه بمعنى عهد إليه، وأوصى الرّجل ووصّاه بمعنى، والاسم من ذلك الوصية والوصاة، قال تعالى: (ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، إشارة إلى قوله سبحانه: (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً).. قال القرطبي: هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيّه بأن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرّم الله، وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن يبلّغوا النّاس ويبيّنوا لهم ما حرّم عليهم ممّا أحلّ. وقوله ذلِكُمْ إشارة إلى هذه المحرّمات (والمأمورات)، والوصيّة هي الأمر المؤكّد المقدور، وقال أبو حيّان: في لفظ وصّاكم من اللّطف والرّأفة ما لا يخفى من الإحسان، وقد وصف بها (أي الوصيّة) ما فرضه الله عزّ وجلّ على عباده في كلّ الشّرائع كما يقول ابن عبّاس رضي الله عنهما- في هذه الآية الكريمة والآيتين بعدها. فهذه هي الآيات المحكمات الّتي أجمعت عليها شرائع الخلق ولم تنسخ قطّ في ملّة، وقال الطّبريّ في معنى قوله تعالى: (وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) أي أوصى بعضهم بعضا بلزوم العمل بما أنزل في كتابه من أمره واجتناب ما نهى عنه فيه، والحقّ كتاب الله تعالى، أمّا التّواصي بالصّبر فمعناه: أوصى بعضهم بعضا بالصّبر على العمل بطاعة الله. وقال النّيسابوري وفي لفظ التّواصي دون الدّعاء أو النّصيحة تأكيد بليغ كأنّه أمر مهتمّ به كالوصيّة.
والتّواصي يمكن تعريفه في ضوء ما ذكره اللّغويّون والمفسّرون: أن يوصي بعض النّاس بعضا بالعمل بكتاب الله وبطاعته وبالانتهاء عمّا نهى الله عنه. أمّا الوصيّة (يرادفها الوصاة) فإنّ لها في الشّرع معنيان: الأوّلّ: عهد خاصّ مضاف إلى ما بعد الموت، وقد يصحبه التّبرّع، وعرّف صاحب المغني هذا النّوع فقال: هي التّبرّع بالمال بعد الموت، وقد عقد الفقهاء لذلك باب الوصايا.
الآخر: وهو المراد هنا، ما يقع به الزّجر عن المنهيّات والحثّ على المأمورات ويكون ذلك من المولى عزّ وجلّ ومن الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ومن صالح المسلمين، والموصى به في هذا النّوع يشمل أمورا كثيرة منها: الوصيّة بكتاب الله تعالى، وبتقواه والصّبر على الطّاعة وبرّ الوالدين وإكرام الجار، ونحو ذلك.
وقال ابن حجر: المراد بالوصيّة بكتاب الله تعالى حفظه حسّا ومعنى، فيكرّم ويصان، ولا يسافر به إلى أرض العدوّ، ويتّبع ما فيه فيعمل بأوامره وتجتنب نواهيه، ويداوم على تلاوته وتعلّمه وتعليمه.
وبين النّصيحة والوصيّة (الوصاة) والتّواصي، تقارب في المعنى، فجميعها يراعى فيه إرادة الخير للمنصوح أو الموصى ودعاؤه إلى ما فيه صلاحه، بيد أنّ النّصيحة يراعى فيها قيد الإخلاص وضدّها الغشّ، أمّا الوصيّة فيراعى فيها المحبّة والتّأكيد ومزيد الاهتمام، وكلاهما يقتضي طرفين أحدهما معط والآخر متلقّ فالمعطي هو النّاصح أو الموصي، أمّا المتلقّي فهو المنصوح أو الموصى، أمّا في التّواصي فإنّ كلا الطرفين معط ومتلقّ في آن واحد، لأنّه يوصي غيره ويوصيه غيره في حال حياتهما.
ولقد أقسم المولى- عزّ وجلّ- أنّ الإنسان لفي خسر واستثنى من ذلك من توفّرت فيه أربع خصال هي: الإيمان، والعمل الصّالح، والتّواصي بالحقّ، والتّواصي بالصّبر، وذلك قوله سبحانه: (وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) وقد قال الشّافعيّ- رحمه الله تعالى-: «لو تدبّر النّاس هذه السّورة لوسعتهم»، وقد صدق أبو عبد الله (الشّافعيّ)، لأنّها تنظّم حياة الفرد والمجتمع، ونصيب الفرد فيها الإيمان والعمل الصّالح، أمّا نصيب المجتمع فهو أن يوصى بعض النّاس بعضا بالحقّ وبالصّبر أي بأداء الطّاعات وترك المحرّمات من ناحية، وعلى تحمّل البلايا والأذى من ناحية أخرى، ولا يتحقّق هذا التّواصي إلّا عند الاجتماع والتّشاور في أمور الدّين والدّنيا، وأمر المؤمنين- كما أخبر المولى عزّ وجلّ- إنّما هو- شورى بينهم، ولا تكون هذه الشّورى ذات جدوى إلّا إذا تضمّنت التّواصي بالحقّ وبالصّبر وبالمرحمة ونحو ذلك ممّا أمرنا الله به ورسوله، وهكذا فإنّه إذا صلح أمر المسلم بالإيمان والعمل الصّالح، صلح أمر الأمّة كلّها بالشّورى القائمة على التّواصي بالحقّ ونحوه.
{ عضو هيئة التدريس بقسم القرآن والسنة
في جامعة قطر

الصفحات