الفضح

د. فاطمة سعد النعيمي
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
الفضح مصدر فضحه يفضحه فضحا إذا كشفه ولم يستره. يقول ابن فارس: الفاء والضّاد والحاء كلمتان متقاربتان: تدلّ إحداهما على انكشاف شيء ولا يكاد يقال إلّا في قبيح، والأخرى على لون غير حسن أيضا. فالأوّل قولهم أفضح الصّبح وفضّح إذا بدا، ثمّ يقولون في التّهتّك: الفضوح.
والفضيحة: العيب والجمع فضائح، وفضحته فضحا من باب نفع: كشفته، وفي الدّعاء: «لا تفضحنا بين خلقك» أي استر عيوبنا ولا تكشفها.
وسئل بعض الفقهاء عن فضيح البُسْر فقال: ليس بالفضيح ولكنّه الفضوح. أراد أنّه يسكر فيفضح شاربه إذا سكر منه. والفضيحة: اسم من هذا لكلّ أمر سيئ يشهر صاحبه بما يسوء.
ويقول المناويّ: الفضيحة: انكشاف مساوئ الإنسان، ومن ثمّ يكون الفضح: أن يكشف المرء عن مساوئ أخيه (ليعرف بها)، وهذا المعنى قريب من التّشهير وكشف العورات.
وقد عقد الشّيخ العزّ بن عبد السّلام فصلا في بعض كتبه وجعل ترجمته: تمنّي الهلاك دون الافتضاح، وذكر قول الله تعالى حكاية عن مريم عليها وعلى ابنها وعلى نبيّنا الصّلاة والسّلام (قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا)، ويؤخذ من هذا عظم أمر الفضح عند ذوي النّفوس الأبيّة.
وعدّ ابن حجر، هتك المسلم أو تتبّع عوراته حتّى يفضحه ويذلّه بها النّاس من الكبائر مستدلّا بقول المصطفى صلّى الله عليه وسلّم: «من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتّى يفضحه بها في بيته» وعلّل لذلك بقوله: لأنّ كشف العورة، والافتضاح، فيه من الوعيد ما لا يخفى.
لذلك فضح الأسرار والأعراض اعتداء، والاعتداء محظور شرعا. ومن فضح سرّ أخيه أو عورته فضحه الله في الدّنيا والآخرة على رؤوس الأشهاد. فالفاضح ممقوت، يتجنّب النّاس مجالسته ومخالطته. وإذا وجد المجتمع قد نبذه ازداد حقدا على النّاس وانعكس ذلك قلقا واضطرابا في نفسه. وإذا كثرت الفضائح في مجتمع ما فليتودّع منه؛ إذ إنّه أصبح مجتمعا منحلّا لا قيمة له.
{ عضو هيئة التدريس بقسم القرآن والسنة
جامعة قطر

الصفحات