الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  مواجهة القمع والدمج الإسرائيلي

مواجهة القمع والدمج الإسرائيلي

مواجهة القمع والدمج الإسرائيلي

منذ الانتفاضة الفلسطينية (الثانية) عام 2000، والتي شارك فيها الفلسطينيون في مناطق 48 في ما بات يُعرف لاحقًا باسم «هَبَّة أكتوبر 2000» وقُتل منهم خلالها 13 شابًّا برصاص الشرطة الإسرائيلية، تبنَّت إسرائيل استراتيجيتين في سياق التعامل مع المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، وكلتاهما تصبان في مسعى تحقيق هدف واحد: تفكيك المشروع السياسي الجماعي للفلسطينيين في الداخل والذي من شأنه أن يكون جامعًا لهم.
وقد تمثلت الاستراتيجية الأولى في تجريم العمل السياسي، وملاحقة حركات وقيادات سياسية تشدِّد في خطابها على تنظيم الجماهير الفلسطينية ذاتيًّا. وشهد الحقل السياسي الفلسطيني، خلال عقد الأعوام الأول بعد الانتفاضة الثانية، حملة حثيثة وكثيفة في ملاحقة حركات وقيادات سياسية، وحتى ملاحقة نشطاء سياسيين، وهي تُعتبر بكيفية ما بمنزلة إعادة بناء وتفعيل للملاحقة السياسية التي دأبت عليها إسرائيل بحق المواطنين الفلسطينيين منذ تأسيسها عام 1948، ولكن بطرق أكثر ذكاء. وكانت ذروة هذه العملية هي حظر الحركة الإسلامية - الجناح الشمالي وإعلان أنها خارج القانون خلال العقد الثاني بعد الانتفاضة، وسبق ذلك إضعاف حزب التجمع الوطني الديمقراطي من خلال ملاحقة مؤسسه وزعيمه، الدكتور عزمي بشارة.
أما الاستراتيجية الثانية فهي مُركبة جدًّا، وتتمثل بالأساس في محاولة دمج الفلسطينيين كأفراد في المجتمع الإسرائيلي، ويمكن القول: إن ما ساعد في ذلك هو التوجهات النيوليبرالية في الاقتصاد الإسرائيلي التي تبنتها الدولة بعد صعود اليمين إلى سدَّة الحكم، وتعززت هذه التوجهات أكثر فأكثر بعد الانتفاضة، ولاسيما بعد عودة بنيامين نتانياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية ابتداء من عام 2009. ولم تكن هذه السياسات خاصة بالسكان العرب، بل كانت بمنزلة توجه عام في الدولة؛ فاليمين الإسرائيلي ينطلق من ناحية أيديولوجية من توجهات نيوليبرالية في الاقتصاد، يقف في صلبها انسحاب الدولة من الاقتصاد وتعميق الخصخصة، وإفساح المجال أمام قوانين السوق من أجل قيادة دفة الاقتصاد، فضلًا عن اندماج الاقتصاد الإسرائيلي في العولمة. وضمن هذا التوجه العام عملت مؤسسات الدولة على إفساح المجال أمام دمج العرب في الاقتصاد الإسرائيلي كأفراد، إنما من دون تمكينهم من بناء اقتصاد عربي مستقل حتى لو كان على نطاق محلي ضيق. وفي واقع الأمر، صرفت الدولة المليارات لدمج العرب في الاقتصاد، وتعتبر الخطة الاقتصادية الخمسية - الخطة 922 - جزءًا من هذا التوجه، كما ينطلق هذا التوجه من أن الأدوات الاقتصادية النيوليبرالية تفكِّك المجتمع إلى أفراد، وتضرب العمل السياسي الجماعي، وكان رهان الدولة هو على أسرلة المجتمع الفلسطيني، لاسيما أسرلة فئاته الشابة. وإلى حدٍّ ما كان يبدو أن هذه السياسات ناجحة، وأنها استطاعت أن تخضع الفلسطينيين في إسرائيل سياسيًّا.
ينبغي أن نضيف إلى ما تقدم أمرين يتحتم أخذهما في الاعتبار بهذا الشأن:
أولًا: أن أداء معظم الأحزاب السياسية الناشطة بين الفلسطينيين في مناطق 1948 على خلفية الأزمة السياسية التي تعصف بإسرائيل منذ أكثر من عامين وتسببت بذهابها إلى أربع جولات انتخابية - وتهدد ربما بذهابها إلى جولة انتخابات خامسة - هذا الأداء كان منطويًا على قدر من ملامح «الأسرلة»، لأن الصوت العربي أصبح وازنًا في سياق تأليف الحكومة الجديدة ومشاورات تأليفها؛ ما يغري العرب بالمضي في الاندماج بإسرائيل، إلى درجة تصاعد معها الشعور بأن العمل السياسي العربي في الداخل يمكن أن يكون عنصرًا مؤثرًا في حلبة السياسة الإسرائيلية على الصعيد الداخلي وربما الخارجي أيضًا. ثانيًا: انتشار الجريمة والعنف في صفوف المجتمع الفلسطيني في إسرائيل ما تأتَّى عنه إضعاف هذا المجتمع من الداخل.
دوافع الهبَّة الشعبية
لا شك في أن ثمة مجموعة من الدوافع للهبَّة الشعبية في صفوف الفلسطينيين في إسرائيل. وبالوسع تقسيم هذه الدوافع إلى دوافع مباشرة ودوافع متراكمة.
الدوافع المباشرة: تتعلق بتلك الأحداث التي تجمعت في الفترة التي سبقت الهبَّة الشعبية وعمليات الاحتجاج الشعبي، ويلزم أن نشير إلى عاملين مركزيين:
أولًا: أحداث حي الشيخ جراح: شكَّلت أحداث حي الشيخ جراح وتضامن الشباب الفلسطيني مع العائلات المهددة بالإخلاء في الدفع قدمًا بالهبَّة الشعبية، فقد عايش الشباب الفلسطيني الاحتجاج ضد إخلاء السكان الفلسطينيين ونالهم من قمع الشرطة هناك واستفزاز المستوطنين ما نالهم. وأسهمت مشاركة فلسطينيي الداخل في احتجاجات حي الشيخ جراح وتصاعد هذه المشاركة وانكشافهم للقمع الإسرائيلي للاحتجاجات، سواء كانت احتجاجات فلسطينية أو يهودية ضد إخلاء السكان، في زيادة الاهتمام والانتماء لهذه القضية في صفوف المجتمع الفلسطيني في إسرائيل. وبدأت قضية الشيخ جراح تأخذ اهتمامًا متزايدًا في صفوف الفلسطينيين في الداخل بموازاة ربطها مع مسألة السيطرة على بيوتهم في المدن الساحلية (المختلطة) حيفا ويافا وعكا وفي اللد والرملة، فالقضية شبيهة، وهي استجلاب مستوطنين وإسكانهم مكان العرب بعد إخلائهم من بيوتهم، عادة بطرق «قانونية» غير عادلة، وعادة يكون المستوطنون ذوي أجندات أيديولوجية استيطانية، وليس هدفهم السكن ولا يعبِّر استحضارهم عن أزمة سكن، بل لدوافع استيطانية، فكانت قضية الشيخ جراح تقترب إلى وعي ووجدان فلسطينيي الداخل حيث تم التعبير عن ذلك بزيادة مشاركتهم في الاحتجاج هناك.
ثانيًا: أحداث المسجد الأقصى: أسهمت أحداث المسجد الاقصى في زيادة الغضب لدى الفلسطينيين، لاسيما في الأيام الأخيرة من شهر رمضان؛ حيث اقتحمت الشرطة على مدار أيام متواصلة الحرم القدسي الشريف بحجة منع إلقاء الحجارة، غير أن الاقتحامات كانت كبيرة وغير مسبوقة منذ سنوات، واستعملت الشرطة الإسرائيلية خلالها القنابل الصوتية داخل المسجد، والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي وكانت تطرد المصلين من المسجد. وأثارت سياسات الشرطة القمعية ضد المصلين غضب الجمهور الفلسطيني في الداخل، لاسيما أن القمع قد طالهم، واعتبرت الشرطة أن دور السكان العرب في الداخل كان كبيرًا فحاولت يوم السبت الـ26 من رمضان منع الحافلات التي تنقل المصلين من مدن وبلدات الداخل من الوصول إلى المسجد الأقصى؛ الأمر الذي دفعهم إلى النزول من حافلات الباص والمشي نحو القدس على الأقدام وبمساعدة أهل القدس الذين تجنَّدوا لنقلهم. كانت عمليات القمع اليومية للشرطة داخل المسجد الأقصى في الليالي الأخيرة من شهر رمضان (2021) دافعًا أثار غضب الفلسطينيين في مناطق الـ48. وكان واضحًا أن الشرطة تحاول منعهم من الوصول إلى القدس والدخول إلى الأقصى. وشكَّل هذا القمع وانتهاك المسجد الأقصى في شهر رمضان حالة من الغضب حيث يمكن القول: إن الاحتجاجات بدأت في القدس ثم انتقلت إلى البلدات والمدن العربية والمدن المختلطة. ويُشار هنا إلى أن الاحتجاجات التي بدأت في البلدات العربية قمعتها الشرطة بعنف شديد، ومن ثم أدت إلى استشهاد شاب فلسطيني في اللد في الأيام الأولى من الاحتجاج مما أدى إلى تصاعد الاحتجاجات بصورة أشد.
أسهمت أحداث الأقصى في تصعيد الاحتجاج، غير أنه كان سبقها وضع حواجز عسكرية على مدخل باب العامود، ونشاط منظمات يهودية متطرفة في هذه المنطقة، وقد خرج المقدسيون للنضال لإزالة الحواجز مستذكرين الأحداث عام 2007 عندما أسهم الاحتجاج في إجبار إسرائيل على إزالة البوابات الإلكترونية. وكان احتجاج باب العامود وإجبار الشرطة على إزالة الحواجز، بمشاركة شباب من الفلسطينيين في الداخل، عاملًا في رفع درجة الثقة بقدرة الاحتجاج السلمي المثابر على ردع الشرطة ومنع سياساتها في الحرم القدسي الشريف.
الدوافع المتراكمة
أسهمت مجموعة من العوامل المتراكمة في بناء أرضية للاحتجاج والهبَّة الشعبية في صفوف الفلسطينيين في إسرائيل. ومن ضمن مجموعة الأسباب المتراكمة ينبغي أن نشير إلى ما يلي:
أولًا: الجريمة وتواطؤ الشرطة: تراكم غضب الناس في الداخل من انتشار الجريمة والعنف وزاد عليه تواطؤ الشرطة الإسرائيلية والحكومات الإسرائيلية في هذا الملف؛ حيث يسود انطباع قوي لدى العرب في إسرائيل بأن هناك سياسة عدم تدخل في أفضل الأحوال وسياسة تواطؤ في أسوئها تهدف إلى إغراق المجتمع العربي في الجريمة والعنف الداخلي من أجل ضرب مشروعه السياسي الجماعي وضرب صموده وانتمائه ونضاله. وتراكمت حالة من الغضب في المجتمع العربي أدت إلى تنظيم حراكات شبابية، لاسيما الحراك الفحماوي الموحد (في مدينة أم الفحم) الذي قاد حملة احتجاج مثابرة أسبوعية ضد الشرطة في هذا المجال. واستطاعت الحراكات الشبابية في مختلف البلدات العربية داخل إسرائيل أن تعيد النَّفَس النضالي والاحتجاجي إلى المجتمع العربي فيما يتعلق تحديدًا بملف الجريمة والعنف. واستطاع العرب الربط بسهولة بين قدرة الشرطة والمؤسسة الأمنية على قمعهم في الحراكات وفي المسجد الأقصى وتجنيد مئات الشرطيين لاقتحام المسجد الأقصى والشيخ جراح لقمع أي احتجاج وبين تخاذلهما وتواطئهما فيما يتعلق بملف الجريمة والعنف الذي تصاعد في السنوات الأخيرة وأدخل المجتمع إلى حالة من الإحباط من جهة، لكنه من جهة أخرى إحباط مرافَق بحالة من الغضب على السياسة المكشوفة من خذلان الشرطة في هذا الملف. وعندما بدأت الشرطة بقمع الاحتجاجات في الأيام الأخيرة من شهر رمضان وخلال أيام العيد (2021)، ازداد الغضب في المجتمع العربي فتحولت هذه الاحتجاجات إلى غضب ضد قمع الشرطة أيضًا وكان مشهد تخاذلها في مكافحة الجريمة والعنف حاضرًا في نفس الوقت.
ثانيًا: الإحباط السياسي العام
تراكمت في السنوات الأخيرة حالة من الإحباط السياسي العام في المجتمع الفلسطيني. وسرعان ما تحول هذا الإحباط، الذي تعددت أسبابه، إلى مشاعر غضب واحتجاج على السياسات الإسرائيلية. من ذلك، سَنُّ «قانون القومية» الإسرائيلي، عام 2018، والتحريض على الجماهير العربية، وملاحقة قيادات سياسية وحركات سياسية عربية. وحاول السكان العرب من خلال سياسة الاندماج التي حملتها القائمة المشتركة أولًا ومن خلال نهج القائمة العربية الموحدة، الرهان على خيار الاندماج في تغيير سياسات الحكومة، غير أن هذا الرهان فشل مرة تلو الأخرى. وكشفت السنوات الأخيرة، بما في ذلك الفترة القريبة الفائتة، عن أن جوهر الدولة الإقصائية ضد العرب ما زال كما هو وإن تغيرت أدواته، وأن الدولة ماضية في نهجها القائم على إقصاء المواطنين العرب عن الموارد السياسية، والأرض، والميزانيات. ومنذ انتفاضة القدس والأقصى، في أكتوبر عام 2000، ظهر جيل جديد حمل معه توقعات كبيرة في ظل السياسات الاقتصادية النيوليبرالية في إسرائيل، وكان يبدو أن هذا الجيل قد خضع لواقعه الدوني في تراتبية المواطنة والحقوق، ولم يشهد هذا الجيل القمع الذي كان في عام 2000، وراهن على الاندماج السياسي والاقتصادي في الخروج من حالة المأزق التي وصل إليها، غير أن السياسات الإسرائيلية كانت في كل مرة توصِّل إليه رسالة فحواها أنه مواطن منقوص الحقوق مهما فعل وعمل. ويتعين القول: إن جيل ما بعد أكتوبر عام 2000 هو صاحب هذه الهبَّة، وهو الذي راكم سياسات الغضب تجاه سياسات المؤسسة الإسرائيلية.
مواجهة الهبَّة
استعملت الحكومة الإسرائيلية أدوات متنوعة للتعامل مع الهبَّة الفلسطينية في الداخل، وذلك على النحو التالي:
أولًا: وسم الهبَّة بالإرهاب: وسم الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي في معظمه الهبَّة الفلسطينية في الداخل بالإرهاب معتبرًا أنها جاءت بمبادرة من حركة حماس والحركة الإسلامية المحظورة. فقد وصف الكثير من السياسيين والإعلاميين الإسرائيليين الاحتجاج بأنه عمل إرهابي، وأحد الصحفيين الإسرائيليين طالب بقتل العرب في اللد، فضلًا عن أن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، إيلي أوحانا، (من حزب الليكود الحاكم، وأحد المقربين من رئيس الحكومة، نتانياهو، والضاربين بسيفه)، دعم قاتل الشاب العربي في اللد واعتبر أن اعتقاله كان خطأ، وسرعان ما تم الإفراج عنه. وعمل بعض السياسيين والإعلاميين على التفريق بين الأعمال العنيفة التي قامت بها عصابات يهودية منظمة، واحتجاج العرب باعتبار أن ما قام به اليهود مُبرَّر وبمنزلة دفاع عن النفس، بينما الاحتجاج العربي كان إرهابيًّا.
ثانيًا: تحشيد عصابات: خلال الهبَّة وتحديدًا في المدن الساحلية واللد والرملة تم تحشيد عصابات يهودية مسلحة ومنظمة أغلب أفرادها جاؤوا من مستوطنات الأراضي المحتلة منذ 1967 وبعضهم من المدارس التوراتية المتطرفة التي استوطنت في المدن المختلطة والتي قامت بالاعتداء على العرب ومهاجمتهم في الشوارع وبث الرعب في قلوب العرب في هذه المدن. ويُظهر الكثير من الفيديوهات تواطؤ الشرطة مع هذه العصابات وحتى حمايتها؛ حيث كان أفرادها يلقون الحجارة ويحملون السلاح تحت سمع وبصر الشرطة التي لم تفعل شيئا لمنعهم وصدِّهم. لا، بل وكانت تعتدي وتعتقل العرب الذين يدافعون عن أنفسهم منها.
ثالثًا: توسيع صلاحيات الشرطة وإدخال حرس الحدود: في أعقاب الأحداث، أقرَّت الحكومة الإسرائيلية توسيع صلاحيات الشرطة بحيث تستطيع فرض إغلاق مداخل البلدات وفرض حظر تجول على مناطق. وبالفعل قامت الشرطة مثلًا بإغلاق بلدة «الجديدة - المكر» في الجليل بالكتل الأسمنتية ووضعت حواجز داخل البلدة علاوة على وضع حواجز في بلدات أخرى، كما منعت العرب من خارج عكا من الدخول إلى البلدة القديمة في المدينة خلال أيام عيد الفطر. علاوة على ذلك، أدخلت الحكومة وحدات حرس الحدود التي تعمل في الضفة الغربية إلى البلدات العربية لقمع المظاهرات والاحتجاجات؛ حيث تتميز هذه الوحدات بعنفها وإهانتها للناس في هذه البلدات.
رابعًا: حملة اعتقالات غير مسبوقة: من أجل قمع الاحتجاج ومعاقبة الشباب، أقدمت الشرطة بالشراكة مع جهاز الأمن الإسرائيلي العام (الشاباك) على تنفيذ حملة اعتقالات واسعة في كل البلدات العربية، وصلت إلى أكثر من ألف معتقل. كما قدمت خلال الأسبوع الأول 200 لائحة اتهام ضد عرب من دون تقديم أي لائحة اتهام ضد يهودي واحد. كما اعتقلت الشرطة قيادات عربية أبرزها الشيخ كمال الخطيب، نائب رئيس الحركة الإسلامية المحظورة، ومددت اعتقاله بتهمة التحريض على العنف.
تداعيات الهبَّة الشعبية
تُعتبر هبة فلسطينيي 1948 مفترقًا مهمًّا آخر في مسيرتهم، وبالأساس إلى ناحيتين، الأولى: أنها كانت امتدادًا للمعركة من أجل قضية فلسطين التي بدأت في القدس وامتدت إلى قطاع غزة وشملت الضفة الغربية. والثانية: أنها عززت رؤية الفلسطينيين من جانب إسرائيل، دولة وسكانًا، كجزء من العدو الفلسطيني.
ستكون للهبَّة الشعبية تداعيات مستقبلية محتملة عديدة، منها:
أولًا: من شأنها أن تعمِّق الشرخ بين المجتمع اليهودي والمجتمع العربي؛ حيث كشفت الأحداث التي شهدتها إسرائيل خلال الهبَّة عن بنية عنصرية لدى قطاعات في المجتمع اليهودي، فهي لم تسلِّم ويبدو أنها لن تسلِّم بفكرة أن العرب الفلسطينيين في إسرائيل لهم انتماء وطني، وهم جزء من الشعب الفلسطيني ومن قضيته.
ثانيًا: قد تؤدي الهبَّة إلى ابتكار سياسات جديدة للمؤسسة الإسرائيلية الرسمية في محاولة لإخضاع المجتمع العربي، بحيث يكون الهدف الأساسي لهذه السياسة هو زرع حالة الخوف والردع لدى الشباب العربي مثلما فعلت بعد هبَّة القدس والأقصى في أكتوبر 2000.
ثالثًا: قد تسهم الهبَّة في إعادة التفكير في النهج السياسي للمجتمع الفلسطيني في الداخل والذي صعد إلى سطح الأحداث في الآونة الأخيرة على خلفية الأزمة السياسية التي تعصف بإسرائيل، والقصد هو النهج الذي ينطلق من فكرة التأثير، عبر الاندماج (أي اندماج العرب) في السياسة الإسرائيلية والسعي لدخول حكومات أو التوصية على مرشحين، وفي هذا تهميش للخطاب الوطني والمطالب الجمعية لمصلحة مطالب مدنية.
رابعًا: قد تؤدي الهبَّة إلى تفكير المؤسسة الإسرائيلية من جديد بخطورة انتشار السلاح في المجتمع العربي، وانتشار الجريمة كأحد أسباب الإحباط الذي أدى إلى اندلاع هبَّة الناس الشعبية.
خامسًا: ستسهم الهبَّة في تعزيز الأدوات القمعية ضد الاحتجاجات الشعبية والسياسية المقبلة في المجتمع العربي، وفي مزيد من توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية في التعامل مع الفلسطينيين في إسرائيل.
سادسًا: من المتوقع أن تسهم الهبَّة في إعادة الاعتبار إلى الخطاب الوطني الفلسطيني، وفي العودة إلى خطاب الحقوق الجماعية الذي تراجع إلى درجة ملموسة في الأعوام الأخيرة.
خاتمة
إن هَبَّة فلسطينيي الداخل جاءت لتؤكد أنهم جزء من الوطنية الفلسطينية، وأن جهود الدمج والأسرلة الإسرائيلية لم تنجح في حذف هويتهم، وبقدر ما أظهروه في هذه الهبَّة من التزام عميق وقوي بقضاياهم الوطنية وأن قضية فلسطين واحدة، فإن إسرائيل ستضاعف من جهودها، بالترغيب والترهيب، وستعيد النظر في أساليبها، لإخضاع أو دمج فلسطينيي الداخل، وبالتالي لن تكون هَبَّتهم هذه هي الأخيرة، كما لم تكن الأولى.

الصفحات