الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  فاطمــة بنــت أســـد

فاطمــة بنــت أســـد

سلطان بن محمد
{ من هي المرأة التي خلع نبي الأمة قميصه ليكفـنها به، ولما أُنزلت بقبرها أخذ يحفر ويوسع التراب بيده واضطجع في قـبرها، وقيل توسد القـبر وخرج وعـينه تفيض من الدمع عليها؟ من هي التي دعا لها بأن تبعـث، وهي كاسية فهي مكفنة بقميص نبينا صل الله عليه وسلم، من هي التي لمَّا سوَّى عليها التراب قال بعضهم: يا رسول الله، رأيناك صنعت شيئا لم تصنعه بأحدٍ، فقال: «إِنِّي أَلْبَسْتُها قَمِيصِي لِتَلْبَس مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ وَاضْطَجَعْتُ مَعَهَا فِي قَبْرِهَا لَيُخَفَّف عَـنْهَا مِن (ضَغْطَة الْقَبْرِ)، إنها كانت أحسن خلق الله صنيعا بي بعد أبي طالب).. بأبي أنت وأمي يا رسول الله تحمل المعروف لمن لم يقدمه لك فكيف بامرأة حوى معروفها طفولتك..
{ من هي هذه المرأة ؟ هي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف القرشيَّة الهاشميَّة زوجة أبو طالب عم النبي وأم الخليفة الراشد عـلي بن أبي طالب رضي الله عنه، كان النبي يعيش في كنف جده عبد المطلب حتى الثامنه من عمره وتحديدًا عندما توفي جده انتقل لبيت عمه أبو طالب.. ‏فاحتضن هذا البيت النبي عليه الصلاة والسلام واحتضنته امرأة عظيمة وهي فاطمة بنت أسد فاعتبرته أحد أبنائها بل وأكثر، وفي بعض الروايات أنها كانت تُحب النبي أكثر من أبنائها، فعندما توفي عبد المطلب جاء أبو طالب لفاطمة وقال لها: ‏اعلمي أنّ هذا ابنُ أخي، وهو أعزّ عِندي من نَفسي ومالي، وإيّاكِ أن يتعرّض علَيه أحدٌ فيما يريد، فتبسّمت من قوله، وقالت له: توصيني في وَلدي محمّد، وإنّه أحبُّ إلىّ من نفسي وأولادي، ففرح أبو طالب بذلك، ‏وبعدها اعتَنَت فاطمةُ بالنبي صلى الله عليه وسلم عناية فائقة، وأولَتْه رعايتها وحبّها، وكانت تُؤثِره على أولادها في المطعم والملبس لأنها كانت تقدر أنه يتيم فكانت تعطيه أشياء واهتماما حتى أكثر من أبنائها رضي الله عنهم فإذا احتاج النبي أمرًا فكانت تلبيه مباشرة فنعم الأم كانت، ‏وكانت أيضًا تغسّله بالماء وتدهن شَعره وتطيبه، وكان النبي يحبّها ولا يناديها إلاّ بـ (أمّي) لأنه لم يلق اهتماما كهذا إلا من أمه فاطمة بنت أسد وكانت تجمع له الطعام إذا كان خارج المنزل، فإذا رجع يكون نصيبه محفوظا ‏ومن شدة حبها للنبي عليه الصلاة والسلام حتى عندما تزوج السيدة خديجة دفعت إليه بفلذة كبدها ابنها عليّ بن أبي طالب ليكون في ولايته صلى الله عليه وسلم بعد زواجه من أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، فكيف ردَ لها النبي عليه الصلاة والسلام جزءا من أفضالها ؟
‏{ تشير بعض الكتب الإسلامية إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام سمى ابنته فاطمة على اسم هذه المرأة العظيمة التي كان يناديها بأمي، وهي فاطمة بنت أسد، فسمى ابنته وسيدة نساء أهل الجنة فاطمة رضي الله عنها على أسمها من شدة حبهِ لها..
‏وفي مرة من المرات أُهدي للنبي حلة من استبرق «ثوب من الحرير» فقال عليه الصلاة والسلام (اجعلها خُمرًا بين الفواطم، فشقها أربعة أخمره، خمارًا لفاطمة الزهراء وفاطمة بنت أسد وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب، والرابعة قيل إنها فاطمة بنت شيبة بن عبد شمس زوج عقيل بن أبي طالب).. ‏أسلمت فاطمة بنت أسد بعد وفاة زوجها أبي طالب، ثم هاجرت مع أبنائها إلى المدينة، ‏وكانت رضي الله عنها راويةً للحديث، روت عـن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ستَّةً وأربعين حديثًا وكانت امرأةً صالحة، وذات صلاحٍ ودين، فكان النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم يزورها وينام في بيتها بعض الأحيان.. ‏وفي السنة الخامسة من الهجرة توفت فاطمه بنت أسد رضي الله عنها فحزن النبي عليها حزنًا شديدًا، وروى ابن عباس رضي الله عنهما: أنه لمـَّا ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب رضي الله عـنه خلع رسول الله صلى الله عـليه وسلم قميصه وألبسها إياه واضطجع معها في قـبرها.. سمعـت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يقـول: يبعـث الناس يوم القـيامة عـراة، فـقالت:
وا سوأتاه، فقال لها صلى الله عليه وسلم: إني أسأل الله أن تبعثين كاسية، ‏وعـن أنس بن مالك رضي الله عـنه أنَّه قال: لمـَّا ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم عـلي رضي الله عنهما دخل عـليها رسول الله فجلس عـند رأسها فقال: (رحمك الله يا أمي، كُنتِ أمي بعـد أمي، تجوعـين وتشبعـيني وتعـرين وتكسيني وتمنعـين نفسكِ طيبًا وتطعميني وتريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة) ‏وقال: «اللهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ اغْفِرْ لِأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ وَلَقِـّنـْهَا حُجَّتَهَا وَوَسِّعْ عَـلَيْهَا مُدْخَلَهَا بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»، ‏ومن المؤسف أن الكثير منّا لا يعلم سيرة هذه المرأة العظيمة التي ربت خير البشر عليه الصلاة والسلام، رضي الله عـن فاطمة بنت أسد وجمعنا بها في جناته، اللهم آمين.

الصفحات