الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  برامج الإفتاء تحتاج إلى ضوابط

برامج الإفتاء تحتاج إلى ضوابط

برامج الإفتاء تحتاج إلى ضوابط

كتب أكرم الفرجابي
شدد عدد من أساتذة الشريعة وعلماء الدين على ضرورة وضع ضوابط محددة للإفتاء المباشر عبر الإذاعات والقنوات الفضائية خلال الشهر الفضيل، مشيرين إلى أن الفتوى يجب ألا تصدر
في التو واللحظة، كونها تحتاج إلى دراسة لكل جوانب الموضوع، وإلا فستشكل خطراً على المجتمع في حال كانت فتوى متسرعة.
وأكدوا في تصريحاتهم لـ الوطن أن البرامج المباشرة على الهواء ليست مكاناً مناسباً للفتوى، لأن الفتوى إخبار عن حكم الشرع في قضية معينة، لافتين إلى أنه ينبغي على المفتي أن يتروى في الكلام عنها، ويدرسها جيداً قبل أن يتحدث بها، ولا شك أن وجود الإنسان تحت ضغط البث المباشر لا يتيح له هذا التروي، فقد يخجل مثلاً أن يقول لا أدري وقد يخطئ في تقدير الحادثة التي يفتي فيها.
ظاهرة مزعجة
بدايةً يؤكد الدكتور عبدالحميد الأنصاري، المفكر الإسلامي وعميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية الأسبق بجامعة قطر، إن ظاهرة الفتاوى التليفزيونية، ظاهرة مزمنة وليست بجديدة، مشيراً إلى أن هناك العديد من المؤتمرات التي عقدت لترشيد هذه الظاهرة، وتوجيه الناس إلى الأفضل في الفتاوى، وكان التركيز أكثر على توعية الناس، مضيفاً: نحن لا نستطيع أن نوجه اللوم إلى الفضائيات التي تتخذ مثل هذا النوع من البرامج، مبيناً أنه لا يتحدث عن فضائية محددة، وإنما عن الفضائيات عامة سواء كانت رسمية أو تجارية، لأنها في النهاية كوسيلة إعلامية تسعى إلى جلب المشاهدين، باستضافة شيخ أو داعية مشهور للرد على تساؤلات المشاهدين، وأيضاً تسعى بذلك إلى تحقيق الأرباح، لكنها بالتأكيد تحتاج إلى نوع من التطوير والترشيد.
وأضاف: نحن لسنا ضد الفتاوى عبر وسائل الإعلام المختلفة، لكنها بشكلها الحالي تمثل ظاهرة مزعجة، خصوصاً أن هنالك أسئلة بديهية ليست بحاجة إلى برامج فتاوى، فهي مضيعة لوقت الناس فيما هو معلوم مسبقاً، وهي أسئلة معروفة ومعلومة وتتكرر كل عام، والعلاج هنا يكمن في توعية الناس بأن كثيراً من أمور الدين واضحة ومعروفة، وهذه أعتقد أنها وظيفة العلماء والفقهاء عبر المنابر الدينية والإعلامية، وتوعيتهم بأنه ليس هنالك داعٍ لطرح أمور بديهية يعلمها كل مسلم، منوهاً بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الحلال بيّن والحرام بيّن) وأن على المسلم أن يستفتي قلبه، وفي أمور كثيرة الإنسان يعلم ما هو حلال فيها وما هو حرام، والرسول وضح أن الحرام هو ما حاك في الصدر وخشيت أن يطلع عليه الناس.
وفيما يتعلق بظاهرة الفتاوى في كل صغيرة وكبيرة، يصفها د. الأنصاري بأنها نوع من الاتكالية، كثيرون لا يهتمون بإعمال عقلهم، وبإمكانك أن تستخدم الإنترنت في الإجابة عن أي أمر يستعصي عليك، ومحرك البحث (جوجل) ممكن أن يفتيك في أي أمر دون الحاجة إلى الفضائيات، وتوعية الناس بأمور دينهم هو الدور الذي يجب أن يلعبه العلماء والمنابر الدينية، وكثرة الأسئلة في أمور معروفة تدل على إخفاق المنابر الدينية في توعية الناس التوعية الصحيحة التي تمكنهم بأنفسهم من معرفة الإجابة في تلك الأمور البديهية.
البث المباشر
من جانبه قال الدكتور إبراهيم الأنصاري، عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر: إن البرامج المباشرة على الهواء ليست مكاناً مناسباً للفتوى، لأن الفتوى إخبار عن حكم الشرع في قضية معينة، موضحاً أنه ينبغي على المفتي أن يتروى في الكلام عنها، ويدرسها جيداً قبل أن يتحدث بها، ولا شك أن وجود الإنسان تحت ضغط البث المباشر لا يتيح له هذا التروي، فقد يخجل مثلاً أن يقول لا أدري وقد يخطئ في تقدير الحادثة التي يفتي فيها، وهذا يوقع به في مشاكل كثيرة، ويا حبذا لو كانت البرامج المتعلقة بالفتاوى تسجيلية، كما كانت في السابق كبرنامج (هدي الإسلام)، الذي كان يقدمه سماحة الشيخ يوسف القرضاوي، وبرنامج الشيخ الطنطاوي، وغيرهما من البرامج الدينية، حيث كانت عبارة عن رسائل ترسل للشيخ يقرؤها ويحرر الفتوى ويتأكد منها، ثم بعد ذلك يخرج على الناس تسجيلياً ويذيعها.
واقترح عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، أن تكون البرامج المباشرة، برامج للتعليم وأسئلة حول الأوضاع المعاصرة مثلاً، كالحوارات التليفزيونية وغيرها، أما أن تكون للفتاوى؛ فإن هذا الأمر ليس لهذه المسائل، أما بالنسبة لبرامج الفتاوى فاليوم الناس كلها تستعمل الإنترنت، وتستطيع أن تدخل على بنوك الفتاوى، في إسلام ويب وغيره من المواقع المشهورة، التي يقوم عليها علماء، وفيها فتاوى مفهرسة ومبوبة منعاً للفتاوى المتكررة، كالأسئلة التي تنتشر وتتكرر في مواسم معينة مثل السؤال عن المفطرات في رمضان وطول النهار في المناطق الشمالية في الكرة الأرضية، وغيرها من هذه الأمور التي تتكرر ويجيب عنها شيوخ الإفتاء، موضحاً أنه يمتنع أن يكون ضيفاً على برامج البث المباشر في الفتاوى.
ويضيف د. إبراهيم الأنصاري إذا جُمعت الأسئلة في هذه البرامج قبل البث المباشر، ثم بُحث عنها في بنوك الفتوى الموجودة على المواقع وغيرها، وصار السؤال والإجابة عنه تعرض من الموقع، أفضل من أن يوضع الداعية أو المفتي تحت ضغط البث المباشر وتتصيد الناس أخطاءه، منهم من يؤيده ومنهم من يهاجمه، والناس اليوم أصبحت تهتم فقط بمواضيع الإثارة، في مواقع التواصل الاجتماعي، فهذا يعود بالضرر على المواطن العربي والمسلم، والمستمع اليوم لا ينقصه تفكك ولا ينقصه تشرذم، فالأفضل في مثل هذه البرامج أن تعتمد المواقع المتخصصة للفتوى في كل دولة، بأن تأتي هذه الفتاوى لمعد البرنامج ويا حبذا لو كان رجلا ذا علم، لديه ماجستير مثلاً إما في العلوم الشرعية أو العلوم الإسلامية، أو حاصلاً على شهادة الدكتوراه في هذا المجال، فتأتي عنده الأسئلة، لا يفتي هو وإنما يجلب الفتوى من المواقع، فيعلق عليها وتتجه البرامج المباشرة أكثر نحو التثقيف وليس الإجابة، وأعني بالتثقيف أن الفقه والأحكام الشرعية لها أسس علمية، ولها روح معينة حيث تراعي الفتوى واقع الناس وظروفهم وتربطهم بالله عز وجل وشرعه ودينه. وبهذا تعالج الفتوى واقع الناس ومشاكلهم.
وأوضح د. إبراهيم الأنصاري أن الفتوى ليست قانونا جامدا مثل قانون المرور أو قانون لعبة كرة القدم، إذا فعلت كذا فإنك خطأ، أو إذا لم تفعل كذا خطأ، فهي تعتمد على روح التشريع، وروح الفقه الإسلامي فهي عبادة وتعبد لله عز وجل، بحيث يكون دور المذيع أو الداعية أكثر في حث الناس على تفهم معنى العبادة، وتفهم طريقة التعبد، وتفهم ظروف الناس الذين لا يأخذون مثلاً بهذه الفتوى، أو لا يلتزمون بها بسبب ظروفهم وأعذارهم، بمعنى أن يكون دور المفتي ودور مثل هذه البرامج التثقيف بجو الفتوى أو بظروف الفتوى أكثر من كونه برنامجا للإجابة عن أسئلة مكررة.
إرشاد الناس
في المقابل يرى الأستاذ الدكتور صالح قادر الزنكي، رئيس قسم الفقه وأصوله في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، أن برامج الإفتاء لها جوانب إيجابية وأخرى سلبية، فمن إيجابياتها إرشاد الناس إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم من غير تأخير، وغدت الوسائل المستخدمة في البث المباشر وسائل فعَّالة في طيِّ مسافة الزَّمان والمكان للوصول إلى المفتي بكلِّ سهولة، على أنّ انشغال النَّاس بشؤون حياتهم، وكثرة ارتباطاتهم، وتعقيد الحياة وغيرها، كلّ ذلك يجعل الحاجة إلى هذا النوع من البرامج قويَّةً وملحة يوماً بعد آخر، كما أنّ هذه البرامج تسهم في صبغ تصرفات المكلَّفين بصبغة الإسلام، وهذا بحد ذاته يصبُّ في تمكين شرع الله وإعلاء كلمته.
وهذه الإيجابيات بحسب الدكتور الزنكي لا تنفي وجود سلبيات، أو آثار سلبية ناجمة عن هذا النوع من الإفتاء، وبالفعل رصدت مع مجموعة من الباحثين تلك السلبيات من خلال متابعة ست قنوات فضائية مشهورة من عام (2010 -2014) ولاحظنا أنّ المفتي له إلمام بالحكم الشرعي في القضايا التي يُسأل عنها، ولكن قد يخطئ في إجابته، لأنه لم يفهم السؤال بسبب استخدام السائل لهجة داخلية وخاصة ببيئته المختلفة عن بيئة المفتي، وقد يغيب ذهن المفتي أو ينصرف أثناء إلقاء السؤال عليه، فيأتي جوابه على غير محله، أو يأتي ناقصاً، وقد تتعارض بعض الفتاوى في المسائل المتجانسة، والمتشابهة، أو في المسألة الواحدة بعينها، ففي مسألة من المسائل قد يفتي أحدهم بحكم معين (الوجوب مثلاً)، بينما يفتي الآخر بحكم مختلف (الندب مثلاً)، وعامة الناس قد لا يعرفون منشأ الخلاف بينهما، ولا يفهمون الجانب العلمي لتلك الخلافات الفقهية، لذلك يتصورون أنّ كلّ مذهب فقهي بمثابة دين آخر، وقد لا يبين المفتي الحكم الشرعي بياناً وافياً لضيق زمن البرنامج، وكثرة المستفتين، مما يجعل المفتي يصدر بعض الفتاوى المبتورة التي تفتقر إلى الدقة والتأصيل والتفصيل.
وقال الدكتور الزنكي قد لا يكون المفتي مطلعاً على اختلاف الأعراف والعوائد المؤثرة في حكم المسألة في كل المجتمعات لذلك لا يتمكن من مراعاتها أثناء إصدار الفتوى، وقد يكون هناك تأثير مباشر للفتوى التي أصدرها المفتي على بعض آخر ممن ابتلوا بمسألة شبيهة بالمسألة قيد الإفتاء، فيظن السامع أن هذه الفتوى تناسبه؛ فيستعملها، والحال أنه لو سأل عن حالته لربما كان جواب المفتي له مختلفاً؛ وذلك لاعتبارات وعناصر مؤثرة في القضية المشابهة لا يتفطن لها المستمع من عامة الناس، وقد يبتعد بعض المتصدرين للفتوى عن منهج الاعتدال والوسطية وذلك إمّا لفساد تصوره ومنهجه، أو لتحقيق مطامع دنيوية كالرغبة في الإثارة التي تقوم عليها الصناعة الإعلامية، وقد لا يعتني بعضهم بذكر دليل الحكم الشرعي ومأخذه، ويكتفي بمجرد القول بالإباحة، أو التحريم، أو ينبغي، أو لا ينبغي، أو الأولى، وقد يهمل بعضهم بيان حِكمة التشريع عند الحاجة إليها، ولا يربط الأحكام بقواعد الشريعة ومقاصدها العامة، الأمر الذي قد يصور الأحكام الشرعية أحكاماً مادية جامدة خامدة لا روح فيها، وهذا النوع من التقديم والعرض لا يستميل قلوب المكلفين للاستسلام لها والاطمئنان إليها، وقد يتوسع بعضهم في ذكر الخلاف دون بيان الرأي الراجح بدليله.
الموقف الأنسب
بدوره يعتقد الأستاذ الدكتور أيمن صالح أستاذ الفقه وأصوله، في كلية الشريعة بجامعة قطر، أن الموقف الأنسب تجاه الفتاوى عبر الفضائيات ينبغي أن يكون وسطا بين القول الذي لا يرى فيها بأسا والقول الذي ينادي بمنعها أو الحد منها، وفي هذا الصدد ينبغي التفريق بين نوعين من الإفتاء الفضائي: الأول المجهز سلفا، والثاني: المباشر، مضيفاً وأقصد بالمجهز سلفا الذي لا توجّه فيه الأسئلة إلى المفتي في لحظة البث بل يكون اطلع على هذه الأسئلة سلفا وبحث عن إجاباتها قبل وقت بث البرنامج، وهذا النوع من الإفتاء لا يختلف الأمر فيه عن الإفتاء الذي يكون بالمكاتبة، وهو شائع قديما وحديثا، ومن أمثلته المعاصرة الفتاوى التي تطرح في مواقع الإنترنت المتخصصة بالفتوى. ورغم تسويغ هذا النوع من الإفتاء في الجملة فإن المفتي ينبغي أن يمتنع عن الإجابة إذا كانت هناك معلومات مؤثرة في تعيين الحكم ولم يبينها السائل في سؤاله، فهنا لا بد له من الاستفسار من السائل عن هذه المعلومات قبل الجواب. وإذا لم يمكنه ذلك يُحجم عن الإجابة.
ويمضي د. ايمن صالح في حديثه قائلاً: أما النوع الثاني وهو الإفتاء الفضائي المباشر فإنه في الغالب يمكن للمفتي أن يستفسر من السائل مباشرة عن بعض المعلومات المؤثرة في تعيين الحكم، فمن هذه الجهة هو أدق من النوع السابق، ولكن تعتريه مفسدة من جهة أخرى وهو أن الإجابة فيه يجب أن تكون فورية فلا وقت عند المفتي حينئذ لمراجعة الجواب والتأكد من الحكم من مصادره الفقهية، فيخشى عليه، والأمر كذلك، الإفتاء بغير علم، خصوصاً مع الضغط النفسي الذي يشكله عرض البرنامج على الناس مما يجعل الأمر صعبا على المفتي أن يقول لا أعلم فيما لا يعلم حكمه، وقد قال السلف: إذا أخطأ العالم لا أدري فقد أصيبت مقاتله، وقالوا: نصف العلم لا أدري، ومع التسليم بهذه المفسدة فإني لا أرى المنع من هذا النوع من الإفتاء، لكن بشرط أن يكون المفتي المستضاف في البرنامج من المتضلعين بالعلم المشهود لهم بسعة الحفظ وقوة الاستحضار، وكذلك أن يكون ممن يعرف بالتثبت وعدم التساهل في الفتوى، فبهذا الشرط تنتفي هذه المفسدة أو تقل إلى حد كبير، علما أن الأسئلة التي تطرح في الفضائيات يندر أن تكون معقدة وصعبة، بل متكررة وسهلة ومن النوع المشهور حكمه عند المتخصصين، كفتاوى الصلاة والطهارة والصيام ونحو ذلك. والله أعلم.يجب ألا تصدر في التو واللحظة كونها تحتاج إلى دراسة لكل جوانب الموضوع