الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  في الأبراج العاجية.. لا يسمعون ولا يفقهون!

في الأبراج العاجية.. لا يسمعون ولا يفقهون!

في الأبراج العاجية.. لا يسمعون ولا يفقهون!

صلاح سلام كاتب لبناني
لم تعد الأزمة اللبنانية متعلقة بعدم القدرة على تشكيل حكومة قادرة على التعاطي مع الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية، بقدر ما أصبحت مشكلة الشلل الذي يُعاني منه الحكم، والغيبوبة القاتلة التي سقطت فيها الدولة والسلطة العاجزة عن التصدي لأبسط مسببات المحن التي يتخبط فيها البلد، والتي وصلت إلى حد الانفجار الشعبي، واندلاع ثورة الجياع، بعدما انهارت كل الآمال التي علقها اللبنانيون على مبادرات الإنقاذ، وخاصة مبادرتي الرئيس الفرنسي ماكرون والبطريرك الراعي.
هي ليست أزمة حكم، كما يحلو للبعض أن يُسميها، بقدر ما هي سوء إدارة قواعد الحكم وموازينه الدقيقة، والضرب بعرض الحائط بالأصول الدستورية، والإمعان في التسلط على مواقع القرار، والاستئثار بالسيطرة على مقدرات البلد، تارة بحجة العهد القوي والرئيس القوي، وتارات أخرى تحت شعار استعادة الصلاحيات والدفاع عن حقوق المسيحيين!
سوء إدارة الحكم تجلت بأبرز صورها، عند رفض فريق العهد المبادرة الوطنية والإنقاذية التي أطلقها سيد بكركي لتقريب وجهات النظر بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، وتسريع خطوات الولادة الحكومية. والطريف في الأمر أن الرفض جاء تحت عنوان الدفاع عن حق رئيس الجمهورية في تسمية الوزراء المسيحيين، وكأن الجماعة هم أحرص من البطريرك الماروني على صلاحيات رئيس الجمهورية، وعلى حقوق المسيحيين.
الدولار بدأ رحلة الخمسة عشر ألف ليرة، بعد تجاوزه عتبة العشرة آلاف، والناس تتشابك على كيس حليب أو زجاجة زيت في السوبرماركت، والعتمة تكاد تطبق على البلد من أقصاه إلى أقصاه، ولقاحات الكورونا تُفتقد وتختفي، وطوابير المواطنين ينتظرون التلقيح الذي لا يحضر بكميات كافية، والإفلاسات تتزايد في مختلف القطاعات التجارية والصناعية، والتحقيق في انفجار المرفأ يدور في حلقة مفرغة، والناس في الشارع يقطعون الطرقات، ويلعنون الحكام، وهؤلاء في أبراجهم العاجية لا يسمعون ولا يفقهون مخاطر ما وصلت إليه أوضاع البلاد والعباد!
مقابل هذا الانهيار الداخلي المريع، تشتد الضغوط الخارجية على الوضع اللبناني، وتُفاقم من تدهور أوضاعه، بعدما تحول لبنان إلى مجرد ورقة في المفاوضات المرتقبة مع واشنطن والأوروبيين حول الملف النووي الإيراني.
في ظل هذا الواقع المأساوي، وإستمرار هذا العجز والفشل الفاضحين لأهل الحكم في إدارة الأزمة المستفحلة، لا تبدو في الأفق بشائر حل قريب لهذا الانهيار المريع، الأمر الذي من شأنه أن يُضاعف معاناة هذا الشعب المعذب، والمنكوب بهذه المنظومة السياسية الحاكمة.. وكان الله بعون اللبنانيين!

الصفحات