الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  الجدل الثالث والتأسيس الفلسفي لمعارف ديكونياليه

الجدل الثالث والتأسيس الفلسفي لمعارف ديكونياليه

الجدل الثالث والتأسيس الفلسفي لمعارف ديكونياليه

إبراهيم الحيمر طالب فلسلفة في جامعة نواكشوط وناشط ثقافي
إن المتتبع للمسار الذي مرت به الفلسفة في السياق العربي الإسلامي وهو في مسعى لقراءة التحولات الكبرى التي عرفتها الفلسفة العربية الإسلامية لا يمكن أن لا ينال إهتمامه القسط الوافر من الجدل الذي دار بين باحثين كبار معاصرين حول استئناف القول الفلسفي الإسلامي الذي أوقفه الجابري عند ابن رشد.
ولم ير له استئناف إلى يومنا هذا، لكن هنري كوربن خالف الجابري حين أعلن استئناف ذلك القول مع الفلسفة الإشراقية ولم يكن كوربن الوحيد الذي خالف الجابري، بل رأى كل من أبو يعرب المرزوقي وعبد الحكيم أجهر أن الفلسفة العربية الإسلامية ظهر إبداعها مع ابن تيمية ولم تكن هذه الآراء لتكون آخر ما توصل إليه بهذا الشأن.
وذلك يظهر بجلاء حين أعلن أنصار طه عبد الرحمن أن الفلسفة الائتمانية، هي الكفيلة بنزع التبعية والتقليد وضخ الإبداع والتجديد وليس وائل حلاق ببعيد عن هذا الموقف حين أبرز إعجابه الكبير بعبد الرحمن في كتابه الفريد: إصلاح الحداثة: الأخلاق والإنسان الجديد في فلسفة طه عبد الرحمن، لكن هذا الكتاب يستطيع قارئه أن يلاحظ بسهولة من الذي يعنيه لحلاق وهو لا يخفي الغرض منه.
ففلسفة طه عبد الرحمن الأخلاقية تتناسب كثيرا في بنيتها ومنهجها مع مشروع حلاق الذي أعلن عنه في كتبه الثلاث: الشريعة، الدولة المستحيلة، قصور الاستشراق، وهذا الأخير سيكون موضوع هذا المقال باعتباره يمثل حجر زاوية إلى جانب استشراق إدوارد سعيد «لمناقشتنا لسفر مهنا الحبيل» وائل حلاق وإدوارد سعيد جدل ثالث.
فكيف بالإمكان مقاربة هذه المناقشة لاستيفاء الغرض المتمثل في تشكل قراءة لخلفيات الموضوع وجدله ؟
- قراءة في التأسيس الفلسفي لمعارف ديكولونياليه:
عام 1963 كتب المثقف المصري أنور عبد الملك مقاله المعنون بـ «الاستشراق في أزمة» محاولا قراءة الخطاب الإستسراقي من منطلقات نظرية يسارية عالم ثالثية استهدفت النزعة الإثنوغرافية في الدراسة الفيلولوجية للتراث الإسلامي التي كرست التراتبية، التي صنفت الشرق البدائي وفق نظرة دونية عدائية تكرس الاستعمار وتؤسس له.
لم تكن هذه المقالة سوى بداية لما هو أهم وأكبر في مجال نقد الخطاب الاستشراقي وكولونياليته وتجلى ذلك في الزلزال الذي أحدثه كتاب الإستشراق الذي عُدّ ثورة على الخطاب الاستشراقي حين أفرز سعيد عن العلاقة العضوية بين المعرفة والسلطة، من خلال مقاربة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في تحليل الخطاب.
وربما أفلح سعيد في تعرية الخطاب الاستشراقي مما أثار حفيظة رأس برنارد لويس الذي تهجم على صاحب «الاستشراق» هجوما لاذعا لم يتحر فيه أسس النقد العلمي، لكن صيت سعيد وكتابه جعله يتربع على عرش تأسيس مابات يعرف بالدراسات المابعد كولونياليه التي جعلت كتابه مصدر إلهام لشعوب وثقافات أخرى عانت من نير الاستعمار ومخلفاته المدمرة.
بالرغم من أن كتاب سعيد صدر في وقت انتهى فيه الاستشراق بشكل فعلي لتتحول الدراسات الإسلامية في الغرب إلى المناهج التأويلية والإجتماعية المعاصرة، التي أسسها المنعرج اللغوي الكبير الذي أفضى إلى اللسانيات البنيوية والفلسفات التحليلية.
لم يسلم إدوارد سعيد من النقد، فبالإضافة إلى ما أشار إليه محمد أركون حين قال بأن سعيد لم يركز دراساته سوى على أنصاف المستشرقين الذين لا يعبرون عن حقيقة لقلة باعهم المعرفي ولافتقارهم للأدوات المنهجية وأيضا ناقش صادق جلال العظم كتاب سعيد في كتابه «الاستشراق والإستشراق معكوسا» ليوجه له نقدا علميا مركزا.
ولسنا هنا في صدد ترجيح طرح سعيد أو نقد العظم له والغريب أن ميشيل فوكو في كتابه «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» أشار لضرورة إنصاف الشرق بكتابة تاريخ إرتباطه بالغرب بعيدا عن تجاذبات الخطاب الإستسراقي ويظهر نزوع مفكرين من أبناء المدرسة الاستشراقية نحو تمجيد الشرق وإظهاره حقيقته في كتابات كل من ماكسيم رودنسون ورينيه غينون، والأول أيد سعيد كثيرا في ماذهب في كتابه «جاذبية الإسلام».
في محاولة مميزة قام بها الأستاذ الكبير مهنا الحبيل لاستدعاء جدل ثالث بين سعيد وحلاق، استطاع أن يبرز القيمة الحقيقية لكتاب «قصور الإستشراق» الذي عمد صاحبه وبقوة إلى إسترجاع نص سعيد ووضعه في ميزان الفحص والنقد، فحَسَب حلاق نص سعيد على أهميته وقيمته لم يستطع أن ينزل إلى البنى الفكرية التحتية المحركة للخطاب الاستشراقي فكلما اقترب سعيد من هذه البنى إذا به يعود أدراجه مفضلا الاختباء وراء نقد الخطاب السياسي.
وبذلك حسب حلاق لم ينفك سعيد من أيديولوجيته الحداثية التي شكلت الخطاب الإستشراقي وكولونياليته ككل وإستخدم الكثير من البناء النظري في نقده للعلم الحداثي كما سماه على سبيل المثال النطاقات المركزية لكارل شميت كذلك تنقيح نظرية الخطاب عند ميشيل فوكو عندما ذكر مثال المستشرق الفرنسي ليكون كتابه واقفا موقف الناقد من الحداثة وكولونياليتها، معتبرا أن الإسلام والمنتمين إليه لابد لهم من الإجابة عن أسئلة العصر من داخل الأخلاق الإسلامية.
لكن مهنا الحبيل وهو يناقش حلاق وسعيد استطاع أن يضطلع بدور التأسيس لأمور أبرزها في النقاط التالية:
- فلسفة أخلاقية تنشد الإجابة عن سؤال النهضة، وكان ذلك باختراق توترات النصين لتصويبها وفقا لرؤية الجدل الثالث
- إن بناء خطاب ديكولونيالي من منطلقات علمية تستند على علم التاريخ وعلم الإجتماع التاريخي أمر بالغ الصعوبة وهو مانجح فيه الأستاذ مهنا الحبيل حين استرجع فيه دور الثقافة في تحقيق الشرط التاريخي وحين أبرز نظرة شاملة قاربت مشكل الأسرة، ولربما يكون مهنا الحبيل بنى زاوية من الخطاب الديكولونيالي غابت عن مفكرين مثل طه عبد الرحمن وأبو يعرب المرزوقي وهما من رواد نزع الإستعمار عن المعارف.
- لم تقتصر مقاربة مهنا الحبيل على نقد الغرب وكولونياليته بل أبرزت القيم التي بالإمكان استحضارها من الغرب لإنعاش دور ثقافتنا الريادي، دون أن يكون ذلك مقللا من نقد الخطاب الاستشراقي وفظاعاته ولا مقللا من قيمة ثقافتنا وهي شاملة لمقومات النهوض كذلك كان النقد الذاتي حاضرا بجولة نقدية تاريخية مبرزة وشديدة الأهمية.
- أفلح الأستاذ الكبير مهنا الحبيل في تحييد مزاعم فوكو وسعيد، من خلال حسن استخدام حلاق وغينون ولم يكن ذلك بعدم إنصاف الأولين معرفيا وكذلك كانت هذه العملية النظرية الناجحة دون تقليد حلاق وغينون بل كانت بنقدهما وحسن استخدامها.
- لم تكن الفلسفة الفلسفة المعاصرة شيئا سوى التحليل والتأويل والتقويض والتفكيك، وهذا ما أدركه الأستاذ الحبيل حين أدخله جدله الثالث
لجدل حلاق وسعيد، مراعيا السمات الأساسية للبناء الفلسفي المعاصر.
الخاتمة: لقد حاولت في هذا المقال أن أبرز تمهيدا مركزا يستطيع من خلاله القارئ إدراك القيمة النظرية لكتاب «وائل حلاق وإدوارد سعيد جدل ثالث» ومنطلقاته المركزية، وبالرغم من إدراكي قلة الحيلة المعرفية لتصور الأسرار المعرفية الكامنة بين دفات الكتاب لكن لم أدخر جهدا لأنقل للقارئ ما أبرزه هذا الكتاب من تأسيس وتفعيل للدور الحيوي للفكر الإسلامي في اكتشاف مشكلات العالم الأخلاقية ومقاربتها انطلاقا من رسالة الإسلام القوي القادر على الإجابة عن أسئلة العصر، وبناء مرتكزات فلسفية أخلاقية إسلامية صلبة لمواجهة الكوارث الأخلاقية التي تصيب الإنسان المعاصر.