الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  في مفترق طــــــــــــــــرق

في مفترق طــــــــــــــــرق

في مفترق طــــــــــــــــرق

مع تولي جو بايدن المسؤولية في البيت الأبيض وإعلانه عن «عودة أميركا»، كان من الطبيعي أن يصبح شكل العلاقات مع روسيا، وريث الاتحاد السوفياتي، أبرز التساؤلات في ظل ما يواجهه فلاديمير بوتين من مظاهرات بسبب اعتقال المعارض أليكسي نافالني.
ورغم ما تواجهه الولايات المتحدة من انقسام داخلي، وصل إلى درجة اقتحام أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب مبنى الكونغرس، في محاولة الانقلاب على نتائج الانتخابات التي فاز فيها بايدن، فإن الرئيس الجديد اتخذ بالفعل قرارات سريعة، تهدف إلى استعادة دور واشنطن القيادي على مسرح السياسة الدولية، وأُعلن من البيت الأبيض أن «أميركا قد عادت».
وعلى الجانب الآخر، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يواجه تحدياً داخلياً من نوع آخر، فقد خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين إلى شوارع العاصمة موسكو ونحو 100 مدينة روسية أخرى، يتحدون سلطته، تلبية لدعوة المعارض أليكسي نافالني، الذي عاد إلى بلاده بعد تعافيه في ألمانيا من محاولة اغتيال بالسم، اتهم بوتين نفسه بالوقوف خلفها.
لكن مدى تأثير تلك المظاهرات على سلطة بوتين الذي يحكم روسيا بقبضة من حديد منذ نحو عقدين من الزمان، أو حتى على شعبيته داخل البلاد يظل أمراً غير واضح، وفي الوقت نفسه تفيد التقارير الواردة من واشنطن أن إدارة بايدن تعتبر الصين، وليس روسيا، الدولة الأكثر تهديداً للأمن القومي والمصالح الأميركية حالياً، فماذا يعني ذلك للعلاقات بين واشنطن بايدن وموسكو بوتين؟
أوراق ضغط متبادلة بين بوتين وبايدن
يعتقد جون فيفر، مدير مشروع «السياسة الخارجية تحت المجهر» بمركز دراسات السياسة، أن تمديد معاهدة «نيو ستارت»، وهي معاهدة ضبط التسلح النووي الوحيدة سارية المفعول بين روسيا والولايات المتحدة، خبر جيد رغم أن أفق العلاقات بين البلدين يعد كئيباً، وذلك في تقرير له نشره موقع Responsible Statecraft الأميركي.
فالمعاهدة تعتبر مؤشراً على أنه بمقدور البلدين الاتفاق على انخراطٍ انتقائي، بمعنى أن تركز السنوات الأربع المقبلة على سلسلة من المفاوضات بشأن الأسلحة النووية، إذ لا تضع معاهدة نيو ستارت إلا سقفاً لأعداد الرؤوس الحربية لدى كلا الجانبين، ولا تتعامل إلا مع الأسلحة النووية الاستراتيجية، وليس التكتيكية، لذا كما يجادل ستيفن فير، بإمكان معاهدة لاحقة أن تضع سقفاً لأعداد كل الرؤوس الحربية، عند مستوى 2500 رأس نووي على سبيل المثال، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى خفض بنسبة 50 % في ترسانتي كلا الجانبين.
بل ويمكن لإدارة بايدن أن تتحرك بسرعة أكبر من خلال إعلان لسياسة عدم الاستخدام الأول للأسلحة النووية -وهو الأمر الذي دعمه بايدن من قبل- والاتفاق مع موسكو على إلغاء حالة تأهب الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، مثلما ألغى ريغان وغورباتشوف تأهب ضلع آخر من أضلاع الثالوث النووي، القاذفات الاستراتيجية، في عام 1991.
أجندة ضبط التسلح هذه مجرد جزء ضمن برنامج أكبر محتمل للانخراط الانتقائي، فبإمكان الولايات المتحدة وروسيا أن تعودا إلى تنسيقهما حول الاتفاق النووي الإيراني. وقد تستكشفان سبل التعاون بشأن التحديات العالمية، مثل التغير المناخي والجوائح، بل وقد تبدآن معاً في معالجة الآثار الضارة للعولمة الاقتصادية، وهو أحد الموضوعات التي أثارها بوتين في خطابه الأخير في المنتدى الاقتصادي العالمي، لكن للقيام بذلك سيتعين على البلدين معالجة نقاط التوتر في علاقتهما. فهما على سبيل المثال تتنافسان بشكل مباشر في ساحات معارك مختلفة بالوكالة، في أفغانستان وسوريا وليبيا، وتشعر روسيا بغضب مشروع من تمدد حلف شمال الأطلسي (الناتو) حتى عتبة بابها، وتشعر الولايات المتحدة بقلق مشروع حيال التدخلات الروسية في «خارجها القريب»، وآخرها في أوكرانيا. وقد تحبط أي من هذه القضايا التعاون بين موسكو وواشنطن، وأحد السبل الممكنة للتفاوض حول حقل الألغام هذا هو فك الارتباط بين أجندات التعاون والصراع، ولا تعني استراتيجية فك الارتباط هذه إزاحة هذه القضايا تماماً عن الطاولة، بل ببساطة ستُعالَج على طاولات أخرى.
لماذا لا يمثل نافالني تهديداً حقيقياً لبوتين؟
قد يرى البعض أن مثل هذا الطرح لا يأخذ في الاعتبار تراجع سلطة بوتين داخل بلاده في ظل تنامي المعارضة ضده، ويتخذون من احتجاجات حركة نافالني نموذجاً، خصوصاً أنه على الرغم من قسوة شتاء روسيا وتفشي جائحة كورونا وخطر الاعتقال والسجن تجرأ عشرات الآلاف بالفعل وشاركوا في المظاهرات منذ عودة نافالني، يوم 17 يناير.
وعلى مدار الأسبوعين الماضيين، شهدت المدن الروسية خروج الآلاف، ليس فقط في موسكو، بل في أقصى الشرق الروسي، إذ شهدت مدينتا ياكوتسك (45 درجة مئوية تحت الصفر)، وكراسنويارسك (22 درجة مئوية تحت الصفر) مظاهرات كبيرة، لكن بوتين لم يتردد، واستعملت قواته الأمنية القوة لفض التظاهرات، وتم بالفعل اعتقال أكثر من 5 آلاف شخص حتى الآن.
وتُركِّز التغطية الإعلامية للاحتجاجات على نافالني، وهو أمر غير مفاجئ، فبعد تعافيه في ألمانيا من محاولة اغتيال، عاد زعيم المعارضة الروسية إلى موسكو، في 17 يناير الماضي. اعتُقِل على الفور في المطار بعد تغيير مسار طائرته، وأدَّت هذه الاعتقالات، ورغبة الحكومة في حبس نافالني أطول فترة ممكنة، إلى إشعال الجولة الأخيرة من التظاهرات في عموم البلاد. ورغم أنّ بوتين ونافالني يواجهان بعضهما البعض بطول وعرض رقعة الشطرنج الروسية، فإنهما يتشاطران بعض السمات المشتركة، فكلاهما سياسي بارع يعرف قوة المرئيات والرموز والقصص الخبرية، ويعتمدان على الإعلام للحفاظ على شعبيتهما، بوتين باستخدام وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومة، ونافالني من خلال استغلال وسائل التواصل الاجتماعي.
وكلاهما على استعداد لتعديل رسائله من أجل زيادة جاذبيته بين الروس العاديين، من خلال العودة إلى القومية. بدأ بوتين باعتباره أحد أفراد البيروقراطية السوفييتية التقليديين جداً، وكان لديه التزام تجاه كل المجموعات العرقية داخل الاتحاد السوفياتي. وحتى حين أصبح رئيساً لروسيا عام 1999، كان يرى نفسه رئيساً لبلدٍ متعدد الأعراق. مع ذلك، بدأ بوتين يتودد للروس (كعِرق)، بدلاً من الروس (المنتمين لروسيا كدولة)، لاسيما بعد عام 2014، والصراع مع أوكرانيا. وجعل الدفاع عن المنتمين للعرق الروسي في المناطق المجاورة -أوكرانيا ومولدوفا والبلطيق- أولوية لإدارته.
في غضون ذلك، بدأ نافالني باعتباره روسياً ليبرالياً تقليدياً للغاية، انضم إلى حزب «يابلوكو» الإصلاحي، لكنَّ الليبرالية لم ترُق بشكل حقيقي لغالبية الروس في أي يوم من الأيام، ولم تجذب أحزاب مثل يابلوكو إلا ناخبين قلائل، فبدأ نافالني يروج لرسائل تتسم بالشوفينية ومعاداة الأجانب.
واستغل نافالني القومية لمحو أي ذكريات لليبراليته التي لم تحظَ بشعبية، لكن كان من الصعب التنافس مع بوتين في هذا المضمار، لذا ركَّز المُعارِض على نحوٍ متزايد على فساد نظام بوتين، فنشر فضائح عن ثروة رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف، ونشر في الآونة الأخيرة مقطع فيديو لجولة في قصر ضخم على البحر الأسود، قِيل إنَّه يعود إلى الرئيس الروسي (وهو ما ينفيه بوتين).
وباستخدام هذه الانتقادات الموجهة لفساد النخبة الحاكمة، يمكن لنافالني دفع عشرات الآلاف من المحتجين الغاضبين، لا سيما الشباب، إلى الشوارع، لكن بخلاف الوضع في بيلاروسيا حالياً أو أوكرانيا في عام 2014، لا يمثل المحتجون الروس الغالبية الساحقة من المواطنين، ويبقى فلاديمير بوتين شخصية ذات شعبية نسبياً في روسيا. أما مستوى شعبية الحكومة الروسية فأقل بكثير، ما يشير إلى أنَّ بوتين نجح في تصوير نفسه على أنَّه بطريقة ما فوق السياسة اليومية.
إذ يراود الروس الرعب من الفوضى والصراع الأهلي، ولطالما فضَّلوا نهج «القبضة القوية» في السياسة الداخلية، وهو ما يفسر الولع المستمر بستالين بعد وفاته، وهو الذي بلغت مستويات شعبيته 70 % في عام 2019. ولهذا يتعين على المحتجين السير بخطى حذرة لتجنب خسارة الدعم الشعبي، وعلى المعارضة الروسية أيضاً التعامل مع الاحتمال الواضح المتمثل في أنَّ التخلص من بوتين قد يأتي بمَن هو أسوأ منه. وربما تفسر تلك المعطيات موقف روسيا الصارم من التدخلات الأوروبية والأمريكية فيما يخص قضية نافالني، وعدم الاكتراث بالتهديدات الغربية بفرض عقوبات على موسكو، التي تخضع بالفعل لعقوبات أميركية وأوروبية منذ عام 2014، بسبب ضم كريميا من أوكرانيا، لكن الواضح أيضاً أن إدارة بايدن تواجه ملفات كثيرة شائكة ومعقدة، وهو ما ليس خافياً على بوتين بالتأكيد.

الصفحات