الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  المشـهـد الانتـخـابي العراقـي

المشـهـد الانتـخـابي العراقـي

المشـهـد الانتـخـابي العراقـي

لم يكن إعلان تأجيل الانتخابات المبكرة من قبل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، إلى يوم 10 أكتوبر 2021 القادم، حدثًا مفاجئًا، فكل المعطيات الأولية كانت تشير إلى استحالة إجرائها في الموعد الذي أعلنه الكاظمي سابقًا في 6 يونيو 2021، لأسباب عدة منها غياب البنية التحتية الرصينة لقيامها، وتأخر عملية التمويل المالي، وعدم اكتمال تشكيل المحكمة الاتحادية، وعدم رغبة القوى السياسية الفاعلة في إجرائها في الموعد السابق، لاسيما مع ارتباط هذا الموعد بحل مجلس النواب لنفسه، وبالتالي كل هذه الأسباب مجتمعة أدت في النهاية إلى تأجيلها.
أولًا: البيئة الانتخابية ما بعد تأجيل الانتخابات
تقوم البيئة الانتخابية في العراق على ستة عناصر أساسية، هي: البيئة التشريعية، وهذه مهمة مجلس النواب، والثاني: الإدارة الانتخابية، وتقع المهمة الأكبر فيها على عاتق المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، والعنصر الثالث: توفير بيئة آمنة من المفترض أن تضمن للمرشحين والناخبين والأحزاب والمشتغلين في الإدارة الانتخابية بكل مفاصلها والمراقبين المحليين والدوليين أن لا يختبروا أي شعور أو هاجس بالخوف أو الرعب أو التهديد، بما يسمح في النهاية للناخب بالذهاب إلى التصويت بمحض إرادته الحرة من دون إكراه أو ترهيب، وهذه مهمة الحكومة. والرابع: العنصر القضائي الذي تقع عليه مهمة النظر في الطعون المقدمة، وهذه تتوافر عبر الهيئة القضائية الموجودة ضمن تشكيلات المفوضية، فضلًا عن المحكمة الاتحادية التي لابد من مصادقتها على نتائج الانتخابات كي يتم اعتمادها. أما العنصر الخامس فهو المرشح (مستقلًّا أو حزبيًّا) والناخب، ثم يأتي العنصر الأخير المكمِّل وهو الرقابة على الانتخابات، وهي مهمة الأحزاب من خلال مراقبيها فضلًا عن منظمات المجتمع المدني والأطراف الدولية.
1. العنصر التشريعي: على الرغم من تصويت البرلمان العراقي على القانون الانتخابي، إلا إنه تضمَّن عدة إشكالات جوهرية وشكلية تصل إلى (32) إشكالًا، وهو أمر معيب وغريب في الوقت نفسه يضع العملية الانتخابية في محل شك وجدل، لعل من أهمها عدم إقراره للبطاقة البايومترية (الإحيائية) طويلة الأجل بوصفها الوثيقة الوحيدة المسموح بها للتصويت وسماحه بالتصويت بالبطاقة الإلكترونية قصيرة الأمد والقابلة للتزوير مع ادعاءات عدة من أحزاب ومراقبين بفقدان الملايين منها وذهابها إلى الأحزاب مع إمكانية استخدامها لأغراض التزوير، فضلًا عن إسناد مهمة تقسيم الدوائر الانتخابية إلى البرلمان وهو ما يقود إلى ظاهرة تعارض المصالح التي تحققت بالفعل بعد ذلك.
2. الإدارة الانتخابية: تقع مهمة الإدارة الانتخابية على عاتق المفوضية العليا المستقلة للانتخابات من حيث إعداد اللوائح والأنظمة والإجراءات والتعليمات وقواعد السلوك وكل ما يتعلق بالعملية الانتخابية.
ولقد تشكلت المفوضية العليا المستقلة الانتخابية الجديدة من قضاة، بعد انتقادات كبيرة وُجِّهت للمفوضيات السابقة بأن أعمالها وتشكيلاتها قد ارتبطت برغبات ومصالح القوى السياسية الفاعلة وهي لم تكن مستقلة سوى في الاسم، لاسيما أن تشكيلاتها السابقة خضعت لتقاسم حزبي صارم.
وبالرغم من ذلك، وُجِّهت إلى المفوضية الحالية انتقادات عدة من قبل قوى سياسية أو مهتمين بالشأن الانتخابي، منها الضبابية في تحديد موعد الانتخابات ومدى دستورية ذلك، وعدم الشفافية، وقلَّة المعلومات المطروحة، والاضطراب المتعلق بتقديم الأسماء والتحالفات السياسية، والقضايا المتعلقة بتعيينات مديري المكاتب.
3. توفير البيئة الآمنة للانتخابات: وهي من أهم نقاط الضعف في العملية الانتخابية، نظرًا لانتشار السلاح المنفلت من دون معالجة حقيقية من قبل الحكومة وهو ما يسمح بتوقع بتدخل هذا السلاح في التأثير على الانتخابات، ولقد مثَّل انتشار فصائل سرايا السلام في بغداد ومحافظات أخرى في الثامن من فبراير نموذجًا لحجم انتشار السلاح، وتوقع ما يمكن أن يفعله في التأثير على مسار الانتخابات أو نتائجها.
وقد أعلن عبد الحسين الهنداوي، مستشار رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي لشؤون الانتخابات، أن الأخير أمر بتشكيل اللجنة الأمنية الانتخابية لغرض تنظيم الجانب الأمني لها، مع إعداد مخازن آمنة للصناديق الانتخابية، بيد أن هذه الإجراءات لن تكون كافية لتوفير البيئة الآمنة نظرًا لامتدادات ونفوذ القوى الحزبية والفصائل المسلحة وكذلك المكونات الاجتماعية وشبكات المصالح.
ويواجه تحديد الحكومة لمواعيد الانتخابات عقبة دستورية، فرئيس مجلس الوزراء له الحق في تحديد الانتخابات الدورية بعد التشاور مع المفوضية، أما مسألة تحديد موعد الانتخابات المبكرة فهي حق حصري لرئيس الجمهورية وفقًا للمادة (64) من الدستور العراقي، ومن ثم فإن موعد رئيس مجلس الوزراء هو موعد سياسي غير ملزم، فيما يعد الموعد الذي يحدده رئيس الجمهورية للانتخابات المبكرة بعد حل البرلمان لنفسه هو موعد دستوري ملزم.
4. عنصر القضاء: يعد تعطل عمل المحكمة الاتحادية بالنظر لعدم تشريع قانون خاص بها في البرلمان لغاية الآن، أحد أهم العقبات أمام إجراء الانتخابات المبكرة. فقد أدى غياب عضوين فيها إلى عدم اكتمال النصاب الذي يعد شرطًا أساسيًّا لنفاذ قراراتها مع فقدان المعالجة التشريعية لهذه المعضلة بسبب الخلافات حول شكل هذه المعالجة من جهة، وعدم رغبة بعض القوى السياسية في الوصول أصلًا إلى تفاهمات حول طريقة إنهاء هذه المعضلة لغرض تعطيل إجراء الانتخابات المبكرة، وبالتالي فإن استمرار هذه الحالة يعني من بين ما يعنيه استحالة إجراء الانتخابات المبكرة لأن الدستور يفرض مصادقة المحكمة الاتحادية على الانتخابات التشريعية كجزء من عناصر اكتمالها.
5. المرشح والناخب: فرض قانون الانتخابات الجديد نظامًا جديدًا في الاقتراع هو نظام الأغلبية والترشيح الفردي بدلًا من النظام النسبي والدوائر الانتخابية المتعددة داخل المحافظة الواحدة عوضًا عن الدائرة الواحدة، وهو بالتأكيد سيدفع بمزيد من الأفراد والأحزاب إلى الترشح في الانتخابات.
من جهة أخرى، قد تشهد الانتخابات المقبلة عزوفًا متوقعًا عن المشاركة لأسباب، منها: عدم إيمان الناخبين بقدرة الصندوق على إحداث التغيير بسبب تجارب الانتخابات السابقة التي كانت تنتج نفس الطبقة السياسية في كل مرة، وكذلك ظاهرة التزوير التي أصبحت سمة ملازمة للانتخابات في العراق، مع عدم وجود بيئة آمنة للتصويت والدعاية الانتخابية من قبل المرشحين غير المحسوبين على قوى النفوذ التقليدية في البلاد. إن توقعات العزوف الشعبي عن المشاركة في الانتخابات ستستمر، طالما ظل الاعتقاد السائد بأن نتائج الانتخابات هي منتج سياسي أكثر مما هي تنافس انتخابي حقيقي.
لذا، فإن ظاهرة عزوف الناخب تعد أهم العقبات التي تخلق أزمة تمثيل حقيقي وفجوة بين الممثلين السياسيين والجمهور بصفة عامة، لكن عزوف الناخبين عن المشاركة لن يمنع بطبيعة الحال إجراء الانتخابات واعتماد نتائجها، كما حصل مع انتخابات العام 2018، التي وُجِّهت لها اتهامات واسعة وجدية بالتزوير، وشهدت مشاركة ضعيفة للغاية.
وقد يكون من المفيد الإشارة إلى أنواع السلوك التصويتي للناخبين التي ستكون سائدة في هذه الانتخابات من حيث تأثيرها إلى:
أ. السلوك التصويتي المتأثر بالمال السياسي.
ب. السلوك التصويتي المتأثر بالعشائرية (الصوت العشائري).
ج. السلوك التصويتي الواقع تحت تأثير السلاح المنفلت.
هـ. السلوك التصويتي الموجه حزبيًّا.
و. السلوك التصويتي المحلي أو المناطقي.
ز. السلوك التصويتي المتأثر بحراك تشرين.
ح. السلوك التصويتي العابر للهوية (الوطني).
6. الرقابة: يُقصَد بالرقابة تلك الإجراءات الموضوعية التي يقوم بها المكلفون بمتابعة العملية الانتخابية للوقوف على مدى صحتها ونزاهتها وسلامة الخطوات ومواءمتها للقواعد الدستورية والشرعة الدولية لمعايير الانتخابات النزيهة، والتحقق من احتمالية حدوث انتهاكات أو مخالفات خلال إجراء العملية الانتخابية في كافة مراحلها لاسيما يوم الاقتراع.
وتنقسم أنواع المراقبة في العراق إلى ثلاثة أنواع: الأول هو المراقبون الحزبيون الذين يراعون مصالح أحزابهم وهي مراقبة متبادلة. والثاني: مراقبة منظمات المجتمع المدني ومنها المنظمات المختصة بمراقبة الانتخابات مثل شبكة عين العراق وتموز للتنمية الاجتماعية وشبكة شمس لمراقبة الانتخابات. والثالث: الرقابة الدولية التي تتضمن إرسال مراقبين من منظمات إقليمية مثل الجامعة العربية، والاتحاد الأوروبي أو المنظمات الدولية كالأمم المتحدة أو من منظمات مجتمع مدني دولية.
ثانيًا: الأحزاب والاستعداد للانتخابات المبكرة
كشفت عملية الاستجابة البطيئة للأحزاب السياسية إزاء الانتخابات المبكرة عن إدراكها التام لعدم إجرائها في موعدها سواء الأول الذي كان مقررًا في يونيو الماضي، أو حتى موعدها الثاني الذي ما زال قائمًا في أكتوبر المقبل. وقد تبدَّى ذلك من خلال اضطرار المفوضية العليا المستقلة للانتخابات إلى تمديد فترة تقديم وتسجيل التحالفات السياسية في دائرة شؤون الأحزاب لإجراء عملية تسجيل التحالفات السياسية وتقديم أسماء المرشحين لأكثر من مرة، وقد تضطر المفوضية فيما بعد إلى تمديد آخر، وهو حتمي إن تأجلت الانتخابات مرة أخرى.
وليس من قبيل الاستطراد هنا أن نكرر ما هو معروف من أن الحديث عن التحالفات السياسية يقع معظمه في فضاء الافتراض لأن الانتخابات ما زالت بعيدة ولم تحسم القوى السياسية شكل مشاركتها، كما أن مهلة تمديد فترة تسجيل التحالفات قد تتواصل. ومن جهة أخرى، فإن الترشيح الفردي ربما لا يشجع القوى السياسية كثيرًا على الدخول في تحالفات كبرى، طالما أنها لن تستفيد كثيرًا من هذه التحالفات الموسعة.
لكن مع هذا، يمكن أن نستشف بعضًا من النوايا إزاء التحالفات الانتخابية:
1. المشهد الانتخابي الشيعي
يتجه المشهد السياسي الشيعي إلى تعميق التشظي، أكثر مما شهد في انتخابات العام 2018، وقد لا يستطيع العامل الإيراني السيطرة عليه وتوحيده. في انتخابات ذلك العام، انقسمت الكتل الشيعية بين تحالف الفتح القريب من إيران بقيادة هادي العامري ونوري المالكي وقيس الخزعلي وفالح الفياض من جهة، وتحالف النصر بقيادة حيدر العبادي وعمار الحكيم ومقتدى الصدر من جهة أخرى، لكن هذا المشهد تغير الآن، إذ بينما يحاول تحالف الفتح الدخول في قائمة واحدة في الانتخابات القادمة، فإن تحالف النصر فقد كثيرًا من زخمه، لاسيما بعدما أعلن التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر عن نيته الدخول في الانتخابات القادمة بقائمة منفردة لوحده آملًا ومتطلعًا إلى الحصول على 100 مقعد وإلى منصب رئيس مجلس الوزراء.
لكن مشكلة القوى الشيعية التقليدية، تُجاوِز حالة الانقسام المتوقعة وربما الطبيعية، إلى خسارتها جزء مهم من جمهورها المفترض بعد ظهور قوى جديدة، لا تقدم نفسها بالضرورة على أنها قوى شيعية، لكن بيئتها الطبيعية وسط الناخبين الشيعة بشكل خاص. وأبرز هذه القوى كل من رئيس الوزراء الحالي، مصطفى الكاظمي، والحزب الجديد (المرحلة) الذي قد يكون مرتبطًا به، والقوة الثانية هي الأحزاب المتولدة عن احتجاجات تشرين الشعبية وعدد من الناشطين فيها.
من جانبه، دخل الكاظمي طرفًا جديدًا في المشهد الانتخابي، وهو لم يعلن بعد نية مشاركته في الانتخابات التشريعية، وينفي تبعية حزب (المرحلة) له، إلا أن طبيعة مؤسسي الحزب المقربين منه توحي بعكس ذلك. وفي حال خاض الكاظمي الانتخابات فمن غير المعروف إن كان سيعتمد مرجعية طائفية شيعية لتياره السياسي، أم إنه سيقدم نفسه بإطار وطني عام يضم كافة المكونات الطائفية وربما العرقية أيضًا.
وكانت صورة مصطفى الكاظمي في الشارع تعرضت للتصدع لأسباب عدة منها عدم قدرته على معالجة ملف الميليشيات على النحو الذي طالبت به احتجاجات تشرين، وكذلك المصاعب الاقتصادية التي واجهها وأهمها تأخر صرف رواتب الموظفين ووقوفه في دائرة اللون الرمادي لكثير من القضايا، ناهيك عن تغير الإدارة الأميركية الداعمة له، واحتمالية عودة التفاهمات الثلاثية في عهد بايدن بين (النجف وطهران وواشنطن) لاختيار رئيس وزراء توافقي يستجيب لشروط هذه الأطراف الثلاث.
أما الطرف الآخر، وهو حراك تشرين وبعض قادته من الناشطين فهم سيمثِّلون تحديًا مهمًّا للقوى السياسية الشيعية التقليدية، لاسيما وسط الناخبين الشباب، لكن نجاح هذه القوى سيبقى مرهونًا بقدرتها على توفير الموارد المالية ومواجهة التحديات الأمنية، لاسيما وسط تكهنات بأن تحاول الأحزاب التقليدية بشتى الطرق كبح طموح القوى الشبابية عن طريق الأدوات والموارد والمال السياسي والسلاح والجمهور الحزبي الموجه أو النفعي المستفيد منها، وكذلك النفوذ في كثير من مفاصل مفوضية الانتخابات التي تمتلكها وربما عن طريق التأثير في مجرى الانتخابات أو التلاعب بنتائجها.
والقوة الثالثة المرشحة للدخول كطرف قوي في الوسط الشيعي، هي القوى التي أنشأتها حديثًا الميليشيات الشيعية لاسيما (الولائية) منها القريبة من إيران، لتكون بمنزلة أجنحة سياسية لها، وهذه القوى تحاول مزاحمة الأحزاب الشيعية الحاكمة وتقديم نفسها كبديل، مستندة إلى تأثيرها وسطوتها ونفوذها العسكري والمالي، وهذه الميليشيات مهتمة بتحقيق مكاسب في الانتخابات، كي تسيطر على القرار السياسي، كمرحلة أساسية لتعزيز نفوذها الأمني.
2. المشهد الانتخابي السُّني
لا يختلف المشهد الانتخابي السني عن سابقه الشيعي في التشظي والانقسام، لكنه أقل تعقيدًا، وأكثر استقرارًا من حيث توزع الكتل الناخبة، وفرص التنبؤ باتجاهاتها التصويتية.
تتمحور القوى السياسية السنية بين عدد محدود من الأحزاب والشخصيات، مع متغيرات محدودة لكنها مؤثرة، وقد تعيد تشكيل نسب توزيع النفوذ داخل المحافظات ذات الغالبية السنية، أو دوائر القرار التشريعي والتنفيذي في بغداد.
وبسبب النظام الانتخابي الجديد، وتركيزه على التصويت الفردي، فستتنافس الأحزاب السنية على كسب الشخصيات الاجتماعية والعشائرية، ودخول هذه الشخصيات في قائمة هذا الحزب أو ذاك، لن يكون على الأغلب ذا أساس أيديولوجي، أو حتى سياسي، ولذلك، فهو نمط من التحالفات المتحولة، التي يمكن أن تتغير في أي وقت، لا سيما بعد الانتخابات.
ويمكن للمرشح المحلي في كل محافظة ذات غالبية سنية أن يحقق مفاجأة. وتأمل القوى السنية مجتمعة أن يؤول تقسيم الدوائر الانتخابية إلى زيادة حصتها في المقاعد البرلمانية من (67) مقعدًا في البرلمان الحالي إلى (80-90) مقعدًا.
وعلى عكس نظيرتها الشيعية، فإن القوى السياسية السنية، ليست ذات مرجعية دينية، باستثناء الحزب الإسلامي، الذي يعاني أصلًا من شعبية متراجعة وقد يحاول تلافي وضعه بالانضمام إلى تحالف العقد الوطني (الشيعي) بزعامة فالح الفياض.
3. المشهد الانتخابي الكردي
يبدو المشهد الانتخابي الكردي أكثر وضوحًا من سابقيه، فهو ينقسم بين الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البرزاني الذي يهيمن على مقاعد أربيل ودهوك والمقاعد الكردية في نينوى. وحزب الاتحاد االوطني الكردستاني بزعامة عائلة الطالباني والذي يهيمن على أغلب مقاعد السليمانية وأغلب المقاعد الكردية في كركوك وديالي. وتأتي في المركز الثالث حركة التغيير الكردية التي أصبحت منافسًا فعليًّا لحزب الاتحاد الوطني في السليمانية إلا أن قوته تراجعت بعد وفاة زعيمه أنوشيروان مصطفى، ثم تأتي حركة الجيل الصاعد بزعامة شيسوار عبد الواحد، ثم حزب الجماعة الإسلامية فضلًا عن حزب الاتحاد الإسلامي الكردستاني. وعلى العموم، لا يُتوقع أن تجري عملية تغيير كبيرة في المشهد الانتخابي الكردي، حيث تدخل هذه الأحزاب الانتخابات منفردة دون تكتل كما حدث في الانتخابات الماضية.
4. الأحزاب العابرة للهوية
يعد ائتلاف الوطنية بزعامة إياد علاوي هو الأكثر تمثيلًا لهذا النوع من الأحزاب أو التحالفات السياسية على مدى سنوات عدة، بيد أن شعبية الأخير تراجعت كثيرًا نظرًا لافتقاده مهارات الاتصال الجماهيري ونخبويته المفرطة، وعدم صبره، وسوء اختيارات الأشخاص قبل الانتخابات الذي يسفر عن ذهابهم عنه وتركهم له إلى كتل أخرى بعد الانتخابات، فعلي سبيل المثال لم يبق معه من بين 22 نائبًا فائزًا في الانتخابات سوى نائب واحد هو كاظم الشمري. وقد أعلن إياد علاوي عن عدم نيته الترشح إلى الانتخابات المقبلة ولربما تكون ابنته سارة، خليفة له في قيادة هذا التوجه.
ولعل من المفيد الإشارة هنا، إلى أنه وعلى الرغم من تصاعد النزعة الوطنية العراقية، إلا أننا نشهد غيابًا فعليًّا للجسد السياسي المعبِّر الحقيقي لهذا المشروع، فكثير من المشاريع التي ترفع شعار الوطنية ليست إلا تعبيرًا أو توظيفًا له من أجل مصالح ضيقة، وهم غالبًا ما يرفعون هذا الشعار من دون إيمان حقيقي به.
ثالثًا: القوى الناشئة (حراك تشرين) واحتمالات المنافسة
امتدت عدوى التشظي إلى حراك تشرين؛ إذ إن هناك صراعًا على احتكار التمثيل بين القوى الشبابية التي تريد الدخول في المنافسة الانتخابية من جهة، ورفض قوى أخرى فكرة الدخول في الانتخابات وعدم الإيمان بجدواها.
وقد شُكِّلت لغاية الآن ثلاثة أحزاب ادَّعت أو تبنَّت أهداف حراك تشرين، وهي حركة «امتداد» برئاسة علاء الركابي، وهو أحد قادة حراك تشرين في الناصرية، وحركة «25 أكتوبر» برئاسة طلال الحريري، والبيت العراقي برئاسة حسين الغرابي.
والتحدي الذي تواجهه هذه القوى هو تحدٍّ يشمل جميع المستويات السياسية من خلال إثبات قدرتها على التنظيم والمواجهة والحضور في المشهد الانتخابي المقبل، كما تواجه مشكلات اقتصادية إذ تواجه عقبة التمويل بمواجهة أحزاب وميليشيات لديها المال السياسي الوفير، فضلًا عن التحدي الاجتماعي؛ حيث انقسم المجتمع الشيعي بين مؤيد للاحتجاجات لاسيما وسط الشباب، وبين قوى تقليدية أبرزها القوى القبلية، التي يصطف معظمها تقليديًّا مع القوى السياسية السائدة بسبب تشابك المصالح التي تطورت خلال سنوات من حكم هذه الأحزاب.
رابعًا: الانتخابات والإشراف الدولي
استرعت رسالة الحكومة العراقية عبر وزارة الخارجية العراقية إلى مجلس الأمن بشأن الإشراف والرقابة الدولية على الانتخابات، أنظار الكثير من الفاعلين السياسيين في العراق بين مُقرٍّ بها ومؤيد لها وبين منكر ومعارض لها أو متردد فيها، وأيضًا من قبل أطراف المجتمع الدولي. وقد حصلت الحكومة العراقية على تأييد من مرجعية النجف حين أصدر مكتب المرجع الديني الشيعي، علي السيستاني، بيانًا تضمن فيه الدعوة إلى الإشراف والرقابة الدولية على الانتخابات القادمة. وهو ما سار عليه زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، في بيان مماثل آخر. في حين أعلنت قوى سياسية من الفتح ودولة القانون عن رفضها لفكرة الإشراف مفضِّلة رقابة يونامي على الانتخابات، فيما لم تُبد القوى السنية أو الكردية موقفًا واضحًا من هذه القضية.
لقد أثبتت تجارب الماضي أن الرقابة المحلية أو الدولية لم تستطع منع التزوير، بل إن الرقابة الدولية كانت بمنزلة شاهد زور على انتخابات عدة شابها تزوير كبير، وهو ما ولَّد اعتقادًا راسخًا بين الجمهور العراقي بأن الرقابة الدولية تعمل بتواطؤ مع القوى السياسية على التغاضي عن المخالفات الجسيمة التي تمارَس في العملية الانتخابية. إلا أن ثمة مقاربة جديدة من قبل المجتمع الدولي تلوح في الأفق والذي على ما يبدو أنه يشعر بقلق بالغ من تحول المسار الديمقراطي في العراق إلى نموذج من ديمقراطية الواجهة أو الاستبدادية التنافسية التي تسمح للطبقة السياسية باستخدام الأدوات الديمقراطية على نحو سيء من أجل إدامة استمرارها في الحكم والنفوذ والمال والسلطة على نحو مستبد لا يسمح لأية قوى جديدة بمزاحمتها أو منافستها.
وتتقدم فرنسا الصفوف الدولية من أجل طرح مشروع يسفر عن استصدار قرار من مجلس الأمن يتضمن إمَّا إشرافًا على الانتخابات المقبلة أو رقابة صارمة تمنع أو تقلِّل حجم التزوير لاعتقادها بأن أي تزوير قادم سيؤدي إلى عواقب وخيمة قد لا يستطيع المجتمع الدولي معالجتها.

الصفحات