الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  ديمقراطية الولايات المتحدة.. أزمـة عــابــرة أم بـدايـة تراجع ؟

ديمقراطية الولايات المتحدة.. أزمـة عــابــرة أم بـدايـة تراجع ؟

ديمقراطية الولايات المتحدة..   أزمـة عــابــرة أم بـدايـة تراجع ؟

كتب أكرم الفرجابي
اهتزت صورة أميركا الراعية للديمقراطية المدافعة عن الحريات وحقوق الإنسان حول العالم، في مخيلة مواطنيها ومواطني العالم بعد واقعة اقتحام مقر الكونغرس من قبل مؤيدي الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب، أثناء مصادقة المجلس على نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز بها جو بايدن، واحتلوه وعاثوا فيه فسادا لساعات قبل أن ينسحبوا تاركين أعضاءه ومشاهدي الفضائيات عبر العالم تحت وقع صدمة كبرى.
على غرار أحداث 11 سبتمبر 2001 سيسجل تاريخ الولايات المتحدة 6 يناير 2021، الذي لم يكن يتصور أحد أن تجرؤ جماعات يمينية متطرفة، ترفض نتيجة الانتخابات ولا تريد غير الرئيس ترامب رئيسا لولاية ثانية، على اقتحام مقر الكونغرس بطريقة لا تراها إلا في دول تحكمها أنظمة استبدادية، تؤثثها نخب تكره الديمقراطية وتعشق السلطة المطلقة، لا مكان فيها لمنطق التداول على السلطة واحترام صوت الناخب وإرادته.
ناقشت الوطن مع عدد من الخبراء والمحللين أثر أحداث اقتحام مبنى الكونغرس الأميركي من قِبَل أنصار الرئيس الأميركي المنتهية ولايته على مسار الديمقراطية الأميركية، بعد أن صوت مجلس النواب الأميركي لصالح تمرير مشروع قرار لعزل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب من منصبه عبر التعديل 25 بالدستور، حيث صوت لصالح مشروع القرار 223 مقابل رفض 205 في حين نال مشروع القرار تأييد صوت جمهوري واحد من بين المصوتين، السؤال الذي يطرح نفسه الآن كيف ستتمكن أميركا من استعادة صورتها التي اهتزت أمام العالم الديمقراطي الحر، ومن سيكون قادرا على إقناع هذا العالم، بأن حكايات «ترامب» والانتخابات ليست سوى فاصلة صغيرة في تاريخ ديمقراطيتها العظيمة؟
درس للديمقراطية
يدافع السياسي والأكاديمي د. تيسير الرداوي عن الديمقراطية الأميركية ويرى أنها قادرة على تجاوز أزمتها ومعالجة مرضها، مؤكداً أنها ستعود إلى مبادئها ووجهها الديمقراطي الذي كانت عليه قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض، باعتبار أنه لا يمكن أن تكون الولايات المتحدة قائده للعالم بغير هذا الوجه الديمقراطي، لافتاً إلى أن «ظاهرة ترامب» لن تكون مثل ظاهرة هتلر وموسوليني، خصوصاً في ظل تعامل العقلاء من الأميركيين معها بحكمة وحذر، مبيناً أنها ستذكر كفقاعة تتلاشى مع الزمن وستكون درساً مفيداً للديمقراطية العظيمة، على الرغم من أن جميع الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسود العالم، سيئة وبعيدة عن المثالية إلا أن النظام الديمقراطي الغربي كما يقال أقل الأنظمة سوءاً، وغالباً ما تكون الديمقراطية مفعلة هناك خوفاً من الوقوع في براثن الديكتاتورية.
على الجانب الآخر، يرى الدكتور خليل العناني، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في جامعة جونز هوبكنز الأميركية، أن الولايات المتحدة تواجه مأزقا كبيرا فيما يخص صورتها الخارجية وذلك بفعل الأضرار الكبيرة التي تسبب بها الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب. ولهذا فإن إدارة بايدن ستكون أمام تحدي كيفية إصلاح هذه الصورة ليس على مستوى الخطاب فقط وإنما أيضا الممارسة ومن خلال سياسات وخطط عملية. ولعل مساعي عزل الرئيس ترامب قد تساعد ولو قليلا في تحسين صورة الديمقراطية الأميركية واستعادة الثقة في مؤسساتها خاصة المؤسسة التشريعية وقدرتها على كبح جماح السلطة التنفيذية ممثلة في ترامب والبيت الأبيض.
سابقة خطيرة
من جانبه يصف الأكاديمي والمحلل السياسي د. كمال حميدو ما حصل من قِبَل أنصار الرئيس الأميركي المنتهية ولايته بأنه يشكل سابقة خطيرة في الولايات المتحدة والمجتمعات الغربية، التي كانت وإلى وقت قريب يضرب بها المثل في التحضر، واحترام سيادة الشعب والانتقال السلمي للحكم بين مختلف الأحزاب السياسية، كما أن تلك الهجمة التي لم نعرف لها نظيرا في المجتمعات الغربية لا في عنفها ولا في همجيتها، على واحد من أعرق صروح الديمقراطية في العالم، لتعد ليس فقط ضربة قوية للديمقراطية الأميركية، بل مثالا سيئا للبلدان والشعوب التي تتوق وتسعى لإرساء أسس ديمقراطية في التداول على السلطة فيها.
ويضيف د. حميدو قائلاً: السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ما مدى تأثير ما حدث في تلك الليلة على أميركا، والعالم الحر، والديمقراطية في العالم؟ إن ما يمكن الجزم به والخشية منه هو أن الظاهرة الترامبية ستبقى متجذرة في المجتمع الأميركي، لأنها باتت المشعل الذي يحمل آمال جزء من المجتمع الأميركي الريفي المحافظ، والذي لم يستسغ أبدا فكرة المجتمع الأميركي المتنوع في لونه وفي ثقافته وفي دينه. كما يمكننا الخشية من أن الأيديولوجية الترامبية التي تتقاطع في بعض غاياتها وفي بعض أهدافها مع بعض التيارات الدينية المسيحية المحافظة، ومع بعض التوجهات اليمينية المتطرفة، ثم مع بعض اللوبيات ومراكز السلطة غير الدستورية في أميركا، ستجد لها جذورا رصينة داخل الحزب الجمهوري، وفي المجتمع الأميركي، يتغذى منها التيار الشعبوي، بما قد يضع الانسجام والوئام المجتمعي الأميركي على المحك. فقد أبان ما تبع مقتل جورج فلويد من أحداث، الشرخ الكبير القائم في المجتمع الأميركي بين أميركا المنغلقة التي تريد أن تبقى بيضاء نقية من جهة، وأميركا المنفتحة التي تؤمن بالتنوع والدمج بين الأعراق والأديان من جهة أخرى.
إن ما حدث، ليس فقط خلال الاعتداء على مجلس النواب بل وخلال كامل العهدة الرئاسية لدونالد ترامب، لمن شأنه أن يسهم في إحياء النزعة القومية في أميركا، مع احتمالية عودة شرخ مماثل في العقول، لذلك الذي كان قائما بين الجنوبيين والشماليين خلال الحرب الأهلية الأميركية.
صدمة للعالم
ويؤكد د. كمال حميدو أن عملية استعراض القوة التي دعا إليها الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دوناد ترامب، أمام وداخل رمز من رموز الديمقراطية في أميركا والعالم، ستشكل سابقة خطيرة في الحياة السياسية الأميركية والغربية، مع تداعيات سلبية كثيرة متوقعة هنا وهناك في مختلف أرجاء العالم. فما سهر واستفاق عليه العالم في ليلة اقتحام الكونغرس من أحداث عنف في الولايات المتحدة، والتي لم نكن نعهدها سوى في ما كان يسمى إعلاميا «بجمهوريات الموز» الإفريقية قد صدمت العالم، وستبقى دون أدنى شك وصمة في تاريخ الحياة السياسية الأميركية. فقد ترافقت تلك المظاهرات التي دعا إليها الرئيس الأميركي بنفسه بعنف جسدي، وعنف مادي، وعنف رمزي مارسه أنصار ترامب على الكونغرس الأميركي، خلال ما كان سيصبح انقلابا مدنيا لو أن نائب الرئيس الأميركي وبعض النواب تفاعلوا مع مطالب ترامب الداعية لتوظيف الحشود الشعبية لقلب ما أقرته صناديق الاقتراع.
ويشير د. حميدو إلى أن المخيف في الأمر هو أن النهج الترامبي في ممارسته للحكم يعتبر نموذجا حيا عن إمكانية أن تتحول الأنظمة الديمقراطية إلى أنظمة شبه شمولية في غفلة من الزمن، خاصة إن اجتمعت المصالح السياسية مع المصالح الاقتصادية، ثم تتقاطع تلك المصالح مع غايات تسعى لتحقيقها لوبيات غير دستورية تضخ المال والتأثير من الخارج والداخل لتحقيق مآرب استراتيجية لدول أو لجماعات نافذة، مؤكداً أن ما حصل في أميركا يستدعي في تحليلنا أن تقوم الدولة الأميركية بإجراء مراجعات دستورية وقانونية تعيد النظر من خلالها في منظومة انتخابية ضاربة في القدم، باتت لا تناسب الزمن الذي نعيش فيه ولا تتناسب مع عقلياته. فنظام الناخبين الكبار أبان لاديمقراطيته بطبيعته، من حيث إنه يتيح الوصول للسلطة لمن حاز على عدد أقل من الأصوات الشعبية، تماما كما حصل مع جورج بوش الإبن ضد المترشح الديمقراطي آل جور.
وقال د. حميدو ما نراه كذلك ونخشاه هو أن الظاهرة الترامبية ستتكرر في العالم الحر، متوقعاً في السنوات القادمة صعود موجة قومية تلعب على وتر النقاء «الهوياتي» والخوف من الآخر المختلف. ومن شأن ذلك أن يخلق سياقا مشابها للسياق الشمولي الذي أوصل هتلر للحكم وما رافق ذلك من تداعيات نعرفها جميعا، موضحاً أن صناعة هكذا سياقات ليست بالأمر المعقد على مخابر التلاعب بالعقول، وقد يكون ما عشناه مع تجربة ترامب مجرد مقدمات لحالات مماثلة في دول ليبرالية أخرى، وذلك بظهور زعماء قد ينسفون بكاريزماهم القيم العليا للديمقراطية ويجعلونها قيما ثانوية أمام أولويات القوت اليومي والعيش الكريم، غير أن صمام الأمان ومبعث الأمل، يكمن في الهبة السياسية، الإعلامية والشعبية التي أجهضت مخططات ومساعي ترامب، محليا ودوليا، بمساعدة عظيمة (لا ننسى ذلك) من السياق العام الذي كان في صف الديمقراطية هذه المرة، لكن إلى متى سيظل كذلك؟
الأحداث الراهنة
في المقابل يشير الدكتور التجاني عبد القادر، أستاذ الفكر السياسي - مركز ابن خلدون جامعة قطر، إلى إن الاضطراب السياسي الهائل الذي يجرى الآن في الولايات المتحدة جعل كثيرا من المراقبين يتساءلون عن مدى «قوة» النظام الأميركي، وما إذا كانت الأحداث الراهنة تمثل بداية انهياره، أم أننا سنشهد صورة من صور الانتصار الديمقراطي؟ وهل يمثل الرئيس ترامب والمجموعات اليمينية المتطرفة تيارا شعبويا يمكن أن يحل مكان الحزب الجمهوري، أم أن ما نشهده لا يعدو أن يكون موجة من موجات الغضب التي سرعان ما تمتصها الأجهزة الأمنية والعدلية، ثم تعود المياه إلى مجاريها؟ هذه الأسئلة وكثير غيرها لم ترد إلا لأن نموذج «الديمقراطية الأميركية» يتمتع ببريق خاص يجعل الأنظار ترنو إليه.
فما هو هذا النموذج؟ وإلى أي مدى يمكنه الصمود والاستمرار؟
يقول د. التجاني: لا شك أن تجربة الديمقراطية الأميركية تستحق أن توصف بأنها تجربة «متميزة» عن النظم الديمقراطية الغربية الحديثة، وليس ذلك للتركيبة السكانية المتنوعة التي يتشكل منها المجتمع، أو للمساحة الجغرافية الهائلة التي تشكل قاعدة صلبة للاقتصاد وحسب، وإنما للصيغة الدستورية التي وضعها الآباء المؤسسون. فهي صيغة تبتعد عن الديمقراطية الشعبية المباشرة، وعن النظم الملكية، والنظم المركزية القابضة. وصارت السلطة تتوزع جغرافيا على خمسين ولاية، لكل واحدة حكومتها، كما صارت تتوزع أفقيا بين رئاسة الجمهورية ومجلسي التشريع وهيئة مستقلة القضاء العالي. وبهذه الطريقة فإن النظام كله يقوم على حفظ التوازن بين هذه السلطات الثلاث، ويضاف إلى ذلك أن الثقل السياسي لا يوجد في رأس النظام (الذي يتغير كل حين) وإنما يوجد في القاعدة الاجتماعية والجغرافية، كما أن الولاء لا يكون للأشخاص وإنما يكون للدستور، مما يحفظ قدرا كبيرا من الاستقرار، ويضمن التداول السلمي للسلطة.
وقد نجح هذا النموذج من حيث إنه استطاع أن يحقق قدرا كبيرا من السلم الاجتماعي لفترت طويلة بين شعوب متباينة الأعراق والأديان والثقافات، كما نجح من حيث إنه استطاع أن يوفر لأعداد كبيرة من العمال والأقليات العرقية والأجيال المهاجرة فرصا واسعة للمشاركة في العملية السياسية وفى الحياة الكريمة. ولكن من مفارقات التاريخ العجيبة أن ما حققه النموذج من نجاح في الجوانب الاقتصادية قد عجز عن تحقيقه في خانة العدالة الاجتماعية، وما أتاح من حرية سياسية للملونين والمهاجرين قد أثار حفيظة السكان البيض، وما أبدع من توازن بين السلطات الثلاث لم يردع السلطة التنفيذية من الاستكبار، ولم يمنع الرئيس من أن يتحول إلى ديكتاتور وأن ينقلب على النظام. على أنه من السابق لأوانه أن يقال إن النظام قد آل إلى السقوط، أو أنه سيعجز عن اصلاح نفسه.
النظام الديمقراطي
من جهته يقول الدكتور سيدي أحمد ولد الأمير، الباحث بمركز الجزيرة للدراسات، لقد أصيب النظام الديمقراطي بجرح نازف من الصعب على بايدن التغلب عليه بسرعة، وسيجد هو وفريقه تحديا جسيما في تقديم أميركا على أنها محرك المجتمعات الديمقراطية وقلبها النابض، بل إن الجميع - من غربيين وغيرهم - سيظل وقتا طويلا ينظر إلى أميركا نظرة شك وتساؤل، خصوصا إذا عادت لمنهجها في التبشير بقيم الديمقراطية والترويج لها. فما وقع خارج وداخل الكابيتول صورة قاتمة ومشينة يصعب محوها من الذاكرة.
وحول قراءته للمشهد الديمقراطي للولايات المتحدة بعد واقعة اقتحام الكونغرس، يرى د. ولد الأمير من المحتمل أن يكون التوجه العام في أميركا وخصوصا لدى الحزب الديمقراطي هو تحميل ترامب كل ما وقع، وإظهاره - سواء تمت محاكمته من طرف الكونغرس أم لم تتم - أنه هو من أساء استخدام المؤسسات وداس على الديمقراطية وقسم أميركا إلى معسكرين، وأن النظام الديمقراطي وتطبيقها الصحيح ليس المسؤول عن الأمر، بل هو الاستخدام السيئ الذي يتحمله ترامب وحده.
امتصاص الصدمة
وتبقى الأنظار متجهة نحو المؤسسات الأميركية ومدى قدرتها على التماسك وضبط إيقاع المشهد السياسي وتكريس كون أميركا بمؤسساتها الصامدة أكبر وأقوى من رجل واحد، ويراهن الدكتور سيدي أحمد ولد الأمير على عامل الوقت، قائلاً: ربما مع الوقت سيتغلب صمود الديمقراطية الأميركية وقدرتها على امتصاص الصدمة المزلزلة، خصوصا أن المؤشرات الراهنة تدل على نية قوية في تجاوز ما حدث؛ حيث استطاعت المؤسسات الأميركية إخماد الفوضى التي خلقها أنصار ترامب، وتمت المصادقة على فوز بايدن في الكونغرس. كما رفض نائبه، مايك بنس الذي حاول ترامب تجنيده لقلب نتائج الانتخابات، والمضي في اللعبة وقد مارس دوره في المصادقة على الانتخابات، وسوف يحضر تنصيف بايدن يوم الأربعاء 20 يناير الجاري، وكلها مؤشرات تصب في سعي الطبقة السياسية الأميركية في الحزبين الجمهوري والديمقراطي تجاوز ما حدث بأقل التكاليف.
وبما أن هناك أضرارا كبرى لحقت بصورة أميركا وبتماسك وانسجام مجتمعها وبسمعتها بين الدول خلال فترة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، يعتقد د. ولد الأمير أن أكبر معضلة سيواجهها الرئيس جو بادين وفريقه هي ترميم الخلل الذي خلفه السلوك الأخير الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، والذي ألحق ضررا بالغا بصورة الديمقراطية عموما والديمقراطية الأميركية خصوصا التي كان مثالا يحتذى ونموذجا يستلهم بالنسبة للكثيرين.
ويضيف د. ولد الأمير قائلاً: لقد ورث الرئيس المنتخب بايدن وضعاً توصيفه الدقيق هو: الشك في مصداقية النموذج الأميركي، لأن ما حدث في أميركا وهي حاملة لواء النموذج الديمقراطي الغربي وظهيره الحصين قد يحدث في أي مكان غربي آخر. لقد شكل اقتحام الكابيتول هيل يوم الأربعاء 6 يناير 2021 ضربة موجعة لصورة أميركا الديمقراطية، ولكن من المحتمل أن تساعد سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلس النواب وانتصاره في مجلس الشيوخ بعد فوزه في ولاية جورجيا، على ترميم الاختلالات السياسية التي عصفت بالبلاد جراء مواقف ترامب وأنصاره.
مؤشر الديمقراطية
من ناحيته يؤكد الدكتور شفيق شقير، الباحث بمركز الجزيرة للدراسات، إن صورة الديمقراطية في الولايات المتحدة ليست بخير، فهي في تراجع خاصة منذ عام 2016 أي قبل مجيء ترامب ومعه بالطبع إلى يومنا هذا. إذا ما عدنا إلى مؤشر الديمقراطية في العالم عام 2017 الذي تصدره الوحدة المتخصصة في الإيكونومست، الديمقراطية في أميركا «معيبة»، ولم يكن ينقصها إلا الشعبوية التي جاءت بترامب وتعززت معه. فأميركا تشهد انقساما واستقطابا شديدا، وتفاوتا طبقيا إضافة إلى حالة العسكرة التي ربما من نتائجها ما حصل في الكابيتول مؤخرا، واستوجب ردود أفعال (خائفة أو محذرة أو مستطلعة) من دول وقادة رأي على الديمقراطية في أميركا. ولكن وفق نفس المؤشر لعام 2019 وصدرت نتائجه 2020، فإن الديمقراطية أيضا في تراجع عالميا وليس في أميركا فقط. وبالنسبة للعرب فإن تعامل الغرب مع الثورات العربية بموجتيها، 2011 و2019، يؤشر على تراجع الغرب عموما وأميركا خصوصا عن التزامها بالديمقراطية وإيمانها بها كقيمة عالمية. والمفارقة أنه بحسب المؤشر العربي 2019/‏2020 (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) فإن الأغلبية ترفض السلطوية وتتجه نحو الديمقراطية، حيث يرى 74 % أن النظام الديمقراطي هو الأشد ملاءمة لبلدانهم. والحال هذه فإن أميركا معنية أولا بإعادة الثقة إلى العالم أنها تعلي من شأن الديمقراطية كمعيار عالمي وأنها مستعدة أحيانا لتقديمها على بعض مصالحها التي يمكن أصلا استعادتها، من ذلك مثلا رفض الأنظمة المستبدة أو عدم التعاون معها أو التمكين لها على الأقل، وإحياء الدبلوماسية الشعبية التي يهمها أن تأخذ آراء الشعوب بالحسبان، لأن آراء وقرارات الأنظمة ليست بالضرورة تعبر عن تطلعات الشعوب أو على الأقل هناك شرائح أخرى وأحيانا واسعة لها آراء مغايرة. وعدم الانحياز المطلق للاحتلال في فلسطين أو للمشاريع التوسعية في المنطقة.
وقال د. شقير إن تعامل واشنطن مع الشعوب العربية وتطلعاتها كما سواها من الشعوب، بمنطق الخائف من «حريتهم» أو من عواقب «الديمقراطية» إذا ما أتيحت لهم، ستنعكس سلبا على القيم الديمقراطية على ترابها وستضعف الثقة والإيمان بها، والتطرف في العالم يتغذى من بعضه بعضا. أما داخليا فبالطبع فإن أميركا معنية بمعالجة انقسامها الداخلي، ومحاصرة الشعبوية واليمين المتطرف، وإعادة صياغة قيم المجتمع بما يتفوق على ما تتيحه التكنولوجيا من مساوئ وأهمها الأخبار والقيم الزائفة، وعليها أن تثبت لشعبها أولا أنها تستحق لأن تكون مركز الديمقراطية في العالم -لأنها تنهض وفق هذا الشرط- وليس متصرفا بها وفق مصالحها.
مرحلة التطرف
بدوره يرى الدكتور ماجد الأنصاري، رئيس أكاديمية قطر الدولية للدراسات الأمنية، أن ما حدث في الولايات المتحدة الأميركية هو عرض من مرض، والمرض هو التراجع التدريجي لدولة المؤسسات الذي استمر لعقود ماضية من خلال التغير في القواعد السياسية بشكل عام، ليس فقط مرتبطا بقضايا أو مطالب حزبية بل مرتبط كذلك بتشكيل العقل الوعي الجماعي في الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن هناك حالة من التطرف المزدوج أو التطرف المتبادل في أميركا اليوم، بين اليسار المتطرف المنعزل في أبراجه العاجية والذي يناقش أفكار مجرده ويتنصل من الوقائع والحقائق واحتياجات الناس على الأرض، واليمين المتطرف الذي يتبنى نظرية المؤامرة ويفرض واقعا يتبنى أطروحات عنصرية.
وقال د. الأنصاري بين هذين يضيع الوسط الأميركي بشكل كبير، هناك الآن الضغط على الطبقة الوسطى فكرياً واقتصاديا، واليوم نرى رجال الوسط في السياسة الأميركية أصبحوا إما مطالبين بأن يجنحوا تجاه أحد الطرفين أو يختفوا من الحياة السياسية في الولايات المتحدة، لذلك أتوقع في المرحلة القادمة ليس في الحقيقة تحسنا في هذه الصورة أو تغيرا لها، ولكن نحن مقبلون على مرحلة أكثر تطرفا في الحياة السياسية الأميركية أقل وعياً وأكثر ارتباطا بتلك القيم المتطرفة سواء أن اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف.
بُعد إمبريالي
ويقول البروفسور خالد الحروب، أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة نورثويسترن قطر، لا أعتقد أن أميركا ديمقراطيتها عظيمة، من ناحية تاريخية هناك جوانب ناجحة ومقدرة في الديمقراطية الأميركية لكن ليست عظيمة، لأنها قائمة دائماً على بعد إمبريالي مثل الديمقراطيات الغربية الأوروبية داخلياً تنظم شؤون مجتمعاتها بطريقة ناجحة لكن على حساب الشعوب والدول الأخرى، في هناك علاقة دائما عضوية بين نجاح هذه الديمقراطيات داخليا لأنها قائمة على نهب موارد من الخارج، عملية نهب تاريخية على مدى قرنين من الخارج بحيث وفرت موارد وثروات داخلية خففت من حدة التنافس الداخلي ما ساهم في إنجاح هذه الديمقراطية بإنجاح المعادرلة الاجتماعية والسياسية الداخلية، لذلك دائما في المقولات التي لها علاقة بالديمقراطية ونجاح النموذج الديمقراطي يجب أن يكون المستوى الإقتصادي على الأقل معقول، لأن الاقتصاد الناجح أو الدخل الناجح الطبقة الوسطى العريضة ذات الدخل المعقول هي التي تشكل الأساس الحقيقي لنجاح الديمقراطية، هذا لا يتحقق في كثير من الدول الفقيرة حيث هنالك صراع حاد على الموارد بسبب ندرتها.
الاختلالات الداخلية
وأضاف د. الحروب في حديثه قائلاً: لذلك اتحفظ على عبارة الديمقراطية الأميركية العظيمة، صحيح بما فعله ترامب حدثت هنالك اهتزازات أولاً بسبب الاختلالات الداخلية في داخل الولايات المتحدة والتي بدأت تشهد نضوب الموارد التي ربما نهبت من السابق وبدأت تنضب تدريجيا فأصبحنا نرى شقوقا إثنية وصراعا بين السود والبيض وشقوقا سياسية وأيديولوجية وغيرها، ظهور ترامب جاء في هذه اللحظة لحظة زيادة التصدعات والشقوق المختلفة، لا أقول إن أميركا سوف تنهار غدا أو بعد غد، لكن هنالك انهيارات جزئية هنا وهناك، ترامب هو أحد تمظهراتها وأحد تمثلات هذه التصدعات الأميركية، وتصدعات أيضا حتى المؤسسة الحاكمة، والشيء المدهش أن ترامب لم يكن يمثل نفسه، تقريبا أكثر من 80 % من الذين انتخبوه 70 مليونا مازالوا يعتقدون أن الانتخابات مزورة، وأكثر من 60 سيناتورا في مجلس الشيوخ أيضا يعتقدون أن الانتخابات مزورة، فمعنى ذلك أنك أمام ليس فاصلة عابرة أنت أمام إنهيار ثقافي سياسي في قلب المؤسسة الأميركية الحاكمة، ذلك الاهتزاز الذي حصل للصورة الأميركية التي في جانب كبير منها مُصنع إعلامياً، لا أعتقد أنه سوف ينتهي بشكل سريع بل يؤسس ربما تعميق لهذه الصورة في مستقبل الأيام.
الدكتور عبد الفتاح ماضي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإسكندرية ومنسق مشروع التحول الديمقراطي بالمركز العربي للأبحاث، يرى أن صورة أميركا بلا شك مع صعود ترامب، لكن للأسف سياسات أميركا تجاه المنطقة العربية لم تكن جيدة قبل ترامب، وكانت تفضل المصالح التجارية والاستراتيجية على دعم الحريات والحقوق ووقف الصراعات والحروب. سيكون عمل بايدن مضاعفا، فليس المطلوب أن يعود بأميركا إلى ما قبل ترامب فقط. يوجد هنا ثلاثة أبعاد أتصور أن على الإدارة الجديدة أخذها في الاعتبار:
الأول: وضع سياسة خارجية جديدة تجاه المنطقة، قوامها أولا: التخلي عن المعايير المزدوجة، ودعم القوى التي تدعو إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان ووقف صور الدعم المختلفة للحكومات التي تقمع شعوبها، ثانيا: وقف المساعدات وتدفق الأسلحة الأميركية إلى مناطق الصراع ودعم الجهود المحلية والدولية الرامية إلى وضع معالجات للصراعات في اليمن وليبيا وسوريا ومصر، تقوم على أساس المصالحة الشاملة والديمقراطية وحكم المؤسسات المنتخبة، وثالثا وقف الدعم الأميركي اللامحدود للدولة الإسرائيلية ودعم حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني على أساس القرارات الدولية التي تُجرّم الاحتلال والعنصرية والاستيطان.
الثاني: وضع خطة شاملة لتصحيح الصور النمطية التي تنتشر في الكثير من وسائل الإعلام الأميركية، بل وفي بعض المناهج التعليمية في المدارس والجامعات، حول العرب والإسلام. فقد دأبت الإدارات الأميركية على مطالبة العرب بتغيير المناهج ووقف الانتقادات في الإعلام العربي، دون أن تنظر إلى وضعها الداخلي في هذا المقام.
الثالث: في مرحلة ما من المهم تعزيز سبل الحوار بين الساسة والمفكرين الأميركيين وبين الساسة والمفكرين العرب، والتفكير مليا في وضع عهد ميثاق أميركي-عربي حول الحريات وحكم القانون والسيادة الوطنية، يكون غرار «العهد الديمقراطي للأميركتين» لعام 2001، و«اتفاقيات هلسنكي» الصادرة عن مؤتمر الأمن والتعاون (1975)، على أن يأخذ في الحسبان القضايا الملحة في المنطقة كقضية الحريات والمشكلة الفلسطينية ومشكلة الإرهاب، ويلتزم بوحدة أقاليم الدول، والتسوية السلمية للمنازعات، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وصيانة حق الشعوب في تقرير مصيرها، والتقيد بالتزامات القانون الدولي.

الصفحات