الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  رســــــــــــــوخ الديمقراطية الأميركية

رســــــــــــــوخ الديمقراطية الأميركية

رســــــــــــــوخ الديمقراطية الأميركية

اقتحام أنصار ترامب مبنى الكونغرس انتهى بفشل محاولة الانقلاب التي تركت العالم في حالة ذهول من هذا السقوط المدوي لصورة الدولة الأقوى في العالم، لكن ماذا عن تأثير ما حدث على الصورة الذهنية للإمبراطورية الأميركية على المدى الطويل؟
ترامب لا يمتلك خبرة الانقلابات
فريق من المراقبين داخل وخارج الولايات المتحدة يرى أن ما حدث يوم الأربعاء 6 يناير، من اقتحام أنصار ترامب مبنى الكونغرس ومشاهد الفوضى والعنف التي صاحبت ذلك الاقتحام الذي كان يهدف إلى تعطيل تصديق الكونغرس على فوز جو بايدن، وفشل تلك المحاولة واستئناف جلسة التصديق وانتهائها كما كان متوقعاً، دليل على رسوخ الديمقراطية الأميركية وتفردها.
وقال توم ماكتاغ الكاتب البريطاني في مجلة The Atlantic الأميركية، أن أصحاب هذا الرأي من دبلوماسيين ومسؤولين وسياسيين بريطانيين وأميركيين وأوروبيين، يرون أن ما حدث يمثل القطيعة الأخيرة بين ترامب وقادة الجمهوريين، وربما كان هذا جيداً، لأنَّه يعني أنَّ أميركا، على المدى الطويل، ستكون قادرة على تصحيح مسار سفينتها.
لكن فريقاً آخر يرى العكس، إذ خلص كثير من الدبلوماسيين الأوروبيين بالفعل إلى أنَّه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة، وأُعجِب البعض في بريطانيا بخطاب جو بايدن، الذي يمثل تذكيراً بحال الهدوء القديم في مجلس الشيوخ، لكنَّ الأغلبية ببساطة لا تدري.
ووصف ماكتاغ ما حدث بأنه محاولة انقلابية رديئة، مثَّلت نهاية ملائمة لفترة ترامب الرئاسية، إذ لم يكن الأمر صادماً مثلما هو الحال مع المحاولات الانقلابية الفاشلة والناجحة في المناطق الأخرى حول العالم والتي تكون محاولات جادة ومدروسة ودقيقة.
أمَّا محاولة ترامب فبدت، من بعيد على الأقل، هرجة غضب تسبَّب بها رجل واهم يشعر بالمرارة، وكانت أقرب إلى كونها واحداً من مقاطع الفيديو تلك التي تُرسَل إليك وتُظهِر شجارٍاً نشب في غرفة برلمان مغمور بمكانٍ ما، ويكون العنوان الفرعي لها دائماً: انظروا إلى هذا المكان المجنون.
أما بقية العالم فمعتاد على مشاهدة الأفلام والمسلسلات الضخمة التي تُصوِّر القوة الهائلة للإمبراطورية الأميركية وقادتها وعملائها وهم يصارعون ضمائرهم، لكنَّهم لا ينسون أبداً أنَّ لديهم ضمائر. وأمريكا هذه، على كل عِلَّاتها، عادةً ما تكون طيبة بطبيعتها، ودائماً ما تكون قوية، بحسب مقال ماكتاغ.
هل ما زال رئيس أميركا هو الأقوى؟
لكنَّ تصديق ذلك بات أصعب، الآن. قضى دونالد ترامب 4 سنوات باعتباره أقوى رجل في العالم، لكنَّه لا يملك أي إنجاز يتباهى به من حقبته هذه. فلم يستطع الانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فضلاً عن أن يسبق منافسيه بثلاث خطوات، ولم يكن هناك أي شيء رائع أو مُربِك أو معقد أو ذكي بشأن غوغائه وثورة غضبهم. ما أذهل العالم هو مجموعة من الأشخاص الغاضبين يرتدون بعض الأزياء، كما لو أنَّ اجتماع سكان إحدى القرى قد اتخذ منحىً سيئاً، ونجحوا بطريقةٍ ما في شق طريقهم وتجاوُز الشرطة، بعدما شجَّعهم القائد الأعلى لمثيري عواطف الغوغاء.
هل فقدت أميركا عظمتها؟
المشكلة هي أنَّ شيئاً ما خاطئ بشكل واضح للغاية، يؤمن كثيرٌ جداً من الدبلوماسيين والساسة على الضفة الأوروبية من المحيط الأطلسي الآن بأنَّ الولايات المتحدة منقسمة للغاية بحيث لا يمكنها الوقوف بمفردها في العالم فترة أطول. إنَّها مُمزَّقة جداً ومغبونة ومجرَّدة من أي قضية مُحفِّزة للوحدة.
وبدأت مراكز قوة أو نفوذ بديلة في الظهور الآن، في بكين، كما هو واضح، وكذلك في برلين وبروكسل إلى حدٍّ ما، وهاتان الأخيرتان ليستا منافستين في القوة، بل هما مملكتان تابعتان سابقتان تبدوان الآن أكثر استقراراً وأمناً وأفضل حكماً.
تدافع الولايات المتحدة، بسكانها الـ330 مليوناً، الآن عن أوروبا، بسكانها الـ450 مليوناً، وسبب ذلك إلى حدٍّ كبير هو أنَّها أغنى وأكثر استعداداً لبذل الدماء والأموال الضرورية لإدارة إمبراطورية. غير أنَّ رؤية رجل عاري الصدر واضعاً قرنين على رأسه وداهناً وجهه بالألوان يتظاهر بأنَّه قاد انقلاباً في الكونغرس، تجعل المرء يتساءل: إلى متى يمكن أن يستمر هذا؟
تخلَّت وسائل الترفيه البريطانية إلى حدٍّ كبير عن التظاهر بأنَّ قادتها ومؤسساتها -الذين كانوا هم أنفسهم ذات يوم مهيبين ومهيمنين على العالم- مليئة بالمفكرين المكيافيلليين الماكرين العازمين على السيطرة على البلاد أو العالم. عكس ذلك، يميل الاتجاه البريطاني الساخر إلى التهكم على المسؤولين باعتبارهم غير أكْفاء ولا يمتلكون سلطة حقيقية. ولا نميل إلى تصديق نظريات المؤامرة التي تفيد بأنَّ الدولة البريطانية تسيطر على حياتنا، لأنَّه من الواضح للغاية أنَّه لا يمكنها ذلك: إنَّها أقل ضعفاً من أن تستطيع السيطرة.
هذه المؤشرات تجعل مشاهد اقتحام الكونغرس في واشنطن ليست مجرد مشاهد مثيرة للشفقة، بل أيضاً مهمة، لقد ذهب شيءٌ من الهالة، حتى ولو ظلت القوة الغاشمة باقية.
تظل أميركا ورئيسها قويين للغاية، وسيبقيان كذلك. فما يزال بإمكان الرئيس الأميركي محو الحياة على سطح الأرض بكبسة زر. لكنَّ البريق زال، فلم تعد أميركا تبدو استثنائية، لقد باتت الرسوم الجدارية (الغرافيتي) تغطي الرخام الذي كان سابقاً خلواً من أي زينة في قلب ديمقراطية الإمبراطورية. ولا تبدو المؤسسات ولا استقرار النظام آمنين مثلما كانا.
الأمر الغريب هو أنَّ غرابة اللحظة تجعل من أميركا دولة عادية. فهي تصبح مجرد دولة أخرى، أغنى وأقوى من البقية، لكن أقل مما كانت. أهكذا إذن تختفي العظمة، ليس بانفجار، بل بتشوُّه الصورة والتحول إلى شيء عادي؟
المعاتيه والغوغاء الذين يمكن أن يقتحموا البرلمان موجودون في كل الديمقراطيات، وقد قاد إرهابيٌّ سيارة ودهس المارة خارج قصر ويستمينستر في 2017، واضطرت شرطة برلين إلى وقف اختراق لمبنى البرلمان «البوندستاغ» في نوفمبر، أميركا ليست استثناءً. وأوروبا ليست أفضل حالاً. هل هذا أكبر إنجازات ترامب، أن جعل الولايات المتحدة المكافئ الأخلاقي لكل بلد آخر قال إنَّها قد أصبحت كذلك لكنَّها في الواقع لم تفعل؟ ربما ليس بعد، لكنَّه مع ذلك نجح في جعل أميركا أقل عظمة.
ويرى ماكتاغ أن ترامب يشبه نوعاً ما رودريك سبود، الديكتاتور الهاوي الذي سخِر منه الأرستقراطي بيرتي ووستر في روايات الكاتب الإنجليزي بي جي وودهاوس. يقول ووستر متهكماً: «مشكلتك يا سبود هي أنَّك تعتقد نفسك شخصاً ذا قيمة لمجرد أنَّك نجحت في إقناع حفنة من البلهاء بتشويه المشهد العام في لندن من خلال التجول مرتدين سراويل سوداء قصيرة. تسمعهم يقولون (عاش سبود!) فتتصور أنَّ ذلك هو صوت الشعب»، في إشارة إلى التحية النازية الشهيرة عاش هتلر، لكنَّ المشكلة هي أنَّ سبود لا ينبغي أن يكون رئيس الولايات المتحدة.

الصفحات