الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  الإتقان في العمل من قواعد الدين

الإتقان في العمل من قواعد الدين

الإتقان في العمل من قواعد الدين

استهل فضيلة الشيخ عبدالله النعمة خطبة الجمعة التي ألقاها أمس بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب بما رواه البيهقي في سننه من أن الرسول صلى الله عليه وسلم شهد جنازة، وعندما انتهى بالجنازة إلى القبر جعل عليه الصلاة والسلام يقول: سووا لحد هذا، سووا لحد هذا حتى ظن الناس انه سنة فالتفت اليهم عليه الصلاة والسلام وقال: «أما إن هذا لا ينفع الميت ولا يضره، ولكن الله يحب من العامل إذا عمل أن يحسن) وفي لفظ: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه).
وأضاف الخطيب: انظروا عباد الله كيف أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإتقان في هذا الموضع الذي لا يضر الميت سواء سقط التراب عليه أم لا، ولكنه التوجيه بالإتقان في العمل والإشارة إلى الاعتناء بالجودة والإحسان ليكون ذلك دأب المسلم، وليكون منهجا له في أعماله ودافعا إلى الإحسان والإتقان في كل فعل يقوم به سواء ابتغى به الحياة الدنيا أو أراد به الدار الآخرة.
وأوضح الشيخ عبدالله النعمة ان الاتقان في العمل، وإحسانه قاعدة كبرى من قواعد الدين يقيم عليها الإسلام بناءه كله عبادة وعملا وسلوكا، سياسة واقتصاد وتعاملا وتنظيما. وقال إن الاسلام لا يكتفي ان يقوم الإنسان بأداء الاعمال كلها على أية صورة، وقعت وكأنها حمل ثقيل قد أزيح عن ظهره واستراحت منه نفسه، وإنما يتطلب الاحسان والاتقان في الأداء الذي تصحبه مشاعر الإنسانية واخلاقها الرفيعه والاحساس بمعية الله تعالى في قرارة الضمير الحي والعمل من أجل خشية الله تعالى، وهذا كل مستمدا من المفهوم الشامل للإحسان والإتقان الذي جاءت به الشريعة الاسلامية في قوله تعالى:
((وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ))
وأشار إلى ان هذا هو ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه حين سأله جبريل عليه السلام عن الاحسان فقال عليه الصلاة والسلام«أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ» ولفت الخطيب إلى ان العبادات قائمة على قاعدة الاحسان حيث يعبد المرء ربه بإخلاص ومتابعة على وفق ما شرعه الله تبارك تعالى وبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، وهو القائل كما جاء عند البخاري في وصف صلاة النبي «صلوا كما رأيتموني أصلي» وكذلك ما روى مسلم في الحج عن رسول الله صلى الله وسلم «خذوا عني مناسككم» وفي سائر امور الشرع كما روى مسلم في صحيحه انه عليه الصلاة والسلام قال «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
ونوه الخطيب إلى انه في ثنايا حديثه صلى الله عليه وسلم للمسلم في صلاته كما جاء في الصحيحين انه عليه الصلاة والسلام قال للرجل مرارا «ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع الرجل فصلى كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء في المرة الثالثة فسلم على النبي عليه الصلاة والسلام فقال له النبي: ارجع فصل فإنك لم تصل فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني، فقال له النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». وقال الخطيب إن في ذلك توجيها للمسلم، بأن من لم يتقن عملا من أعماله، ويحسنه فكأنما لم يعمله من الأصل فضلا عما يناله من العقاب في الآخرة.
وشدد الشيخ عبدالله النعمة على ان اتقان العمل واحسانه ليس مقصورا على أمور العبادة فقط بل يتعدى ذلك إلى كل عملا يعمله في حياته خاصا كان أو عاما، عبادة أو عادة يتعلق بالدنيا أو بالاخرة، مشيرا إلى انه من الدين الذي يدين به المرء لله تبارك وتعالى، لافتا إلى قوله تبارك وتعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ».
وأشار إلى ان الإتقان والإحسان في العمل هو سبب لمحبة الله جل وعلا ومرضاته، وطريق للفلاح والنجاة وهو نتيجة من نتائج حسن النية وحسن المراقبة لله وهو مطلب رباني ومنهج نبوي، وسمة أساسية من سمات التربية في الشخصية المسلمة.
بناء الحضارات بالعمل
وأكد ان الاتقان في العمل ظاهرة حضارية تؤدي إلى رقي الأمم وبناء الحضارات وعمارة الكون وإثراء الحياة بالنجاح والتطوير.
وأكد ان من أعظم الاسباب التي ادت إلى تأخر المسلمين وتخلفهم هو غياب صفة الاتقان في اعمالهم وعدم الأخذ بمهارات الجودة والاتقان في ميادين الثقافة والعلوم والصناعة والتجارة، مشيرا إلى انتشار صفات الفوضى والتسيب وفقدان النظام بينهم والإهمال والخديعة حتى انعكس ذلك على مجتمعات المسلمين وأثر في كثير من نواحي حياتهم وأعمالهم.
وضرب الشيخ عبدالله النعمة بمن ينقرون صلاتهم نقر الغراب، والطالب الذي لا يكاد يفهم شيئا مما يقال له وهو يدرس السنوات فلا يجيد لغة ولا خطا مضيفا، ان المدرس كذلك الذي لا يتقن تدريسه ورب الأسرة الغاش لأسرته، والطبيب الذي يعبث بأرواح الناس وحياتهم، وقس على ذلك فئات المجتمع الأخرى وكل واحد يلقي باللائمة على الآخر، وإذا سئل عن تقصيره وفشله تنصل من المسؤولية وكأن الأمر لا يعنيه.
وتطرق الخطيب إلى ما يعين المرء على إتقان العمل فأشار إلى هو ان يتعلم قبل ان يعمله، مشيرا إلى أن العلم قبل العمل من أعظم أسباب الإتقان، وأن يعمل بأمانة وإخلاص، ومراقبة الله والحرص على محاسبة النفس قبل أن يحاسب فيكون هو الرقيب والواعظ أثناء العمل.

الصفحات