الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  خطة لكشف شهادات التوظيف المزورة

خطة لكشف شهادات التوظيف المزورة

خطة لكشف شهادات التوظيف المزورة

تحقيق آمنة العبيدلي
لم يعد بالإمكان الاستغناء عن التكنولوجيا فقد دخلت في مفاصل حياتنا لكنها في الوقت ذاته سلاح ذو حدين، فهي مفيدة عندما يستخدمها المؤهلون أصحاب الضمائر وضارة عندما يستخدمها عديمو الضمائر، على سبيل المثال انتشار الحواسيب الآلية على نطاق واسع مع الطابعات ذات الجودة العالية مكنت ضعاف النفوس من الحصول على شهادات دراسية وشهادات خبرة وأية وثائق يرغبونها دون وجه حق، والنتيجة كانت أن مزوري الشهادات الدراسية قد تمكنوا من الحصول على وظائف مرموقة ليسوا أهلا لها ويتسببون في كوارث قد تصل إلى درجة إزهاق الأرواح إذا عملوا في مجال الطب، وقد سبق وأعلنت وزارة الصحة منذ عدة أسابيع عن اكتشاف 23 شهادة دراسية مزورة لموظفين لديها، ومن قبل أعلنت جهات أخرى عن اكتشافها لشهادات مزورة عند مراجعة شهادات الموظفين.. ولذا أصبح من الضروري أن يكون لدى الجهات خطة محكمة تستطيع من خلالها التحقق من صحة شهادات من يتقدمون للتوظيف لديها وفي الوقت نفسه اكتشاف من يزوّرون شهادات للانتفاع بها..
«الوطن» استطلعت آراء مجموعة من خبراء تنمية بشرية وقانونيين وموظفين حول كيفية التصدي لهذه الظاهرة والقضاء عليها، وذلك لأن المزور هو شخص يأخذ حق إنسان آخر قد اجتهد في تحصيل العلم من أجل الحصول على وظيفة تناسب شهادته، كما أن هذا الأمر لو حدث في مجال الطب مثلا فيكون بمثابة تهديد لأرواح الناس.

إعداد قاعدة بيانات بأسماء الجامعات الوهمية
قال الكاتب والمدرب أحمد الحمادي إن كشف الشهادات المزورة ليس أمرا صعبا إذا تعاونت المؤسسات داخل الدولة في هذا الصدد، وتعاونت الدول كذلك مع بعضها البعض من خلال إعداد قاعدة بيانات بأسماء الجامعات الوهمية والجامعات غير المعترف بها وكذلك الجامعات التي هي عبارة عن كيانات على الانترنت فقط.
واستطرد قائلا: إن العديد من الدول والجامعات أخذت تصدر شهادات الخريجين لديها بعلامات مائية يصعب تزويرها نهائيا، ويستحيل تزوير هذه الشهادات مستقبلا.
والمفروض أن أي متقدم لوظيفة بشهادة من داخل قطر أو خارجها يجب أن تخضع المعنية شهاداته للفحص بأن تقوم الجهات المعنية بالتواصل مع الجهة التي أصدرت الشهادات للتأكد من سلامتها سواء كانت شهادات دراسية أو شهادات خبرة، لأنه انتشرت حول العالم كيانات وهمية تمنح شهادات علمية وهي جهات غير مرخصة، فعلى سبيل المثال هناك اتحادات ومراكز عربية تم إلغاؤها كان لديها معاهد أكاديمية تمنح شهادات ورغم أنها ألغيت إلا أن من معهم أختام هذه المعاهد والمراكز يتورطون في منح شهادات غير معترف بها، لذا يجب حصر هذه الكيانات وتعميمها على مؤسسات الدولة هنا في قطر.


مطلوب استراتيجية استباقية لكشف التزوير
ترى الدكتورة بثينة الأنصاري خبير التخطيط الاستراتيجي والتنمية البشرية أن موضوع الشهادات المزورة أصبح أمرا يبعث على القلق خاصة إذا كانت هذه الشهادات المزورة في مجال الطب، وتعطي المزورين فرصة العمل كأطباء أو مساعدي أطباء أو ممرضين فمن الممكن حينئذ أن يتسببوا في إزهاق الأرواح من خلال تشخيص خاطئ أو إعطاء دواء غير الدواء، فهنا تكون الكارثة، ولكن نحن على يقين بأن دولتنا يقظة وحريصة وتقف لهؤلاء بالمرصاد، بدليل أن وزارة الصحة اكتشفت 23 شهادة مزورة لمتقدمين للحصول على تراخيص مزاولة المهنة وقد أدرجتهم في القائمة السوداء.
أما من حيث القضاء نهائيا على هذه الآفة فإن العديد من الدول قد عملت على مواجهتها من خلال استراتيجية استباقية لكشف المزورين حيث تقوم هذه الاستراتيجية على عاملين أساسيين الأول إجراء مقابلة متعمقة في التخصص لمن يتقدم لأي وظيفة، وأما الثاني فمن خلال لجنة لتصديق الشهادات ومعادلتها، حيث تتولى التأكد من صحة الشهادات عبر التواصل مع السفارات أو الاتصال مباشرة بالجامعة أو الكلية الصادرة عنها، كما تقوم في السياق ذاته بالتأكد من صحة الشهادات التي تصدرها المؤسسات الوطنية من خلال العودة إلى أرشيف هذه المؤسسات.
وأنا أقول استراتيجية استباقية حتى لا يتمكن المزور من العمل، لأن كثيرا من المزورين استطاعوا العمل بالشهادات المزورة وانكشف أمرهم فيما بعد، وقد يكونون عملوا بمقتضى هذه الشهادات لسنوات طويلة، نحن نريد كشف التزوير من البداية وتعميم أسماء المزورين حتى يحذرهم الآخرون.
والجديد في هذا الموضوع أن كثيرا من الجامعات أصبحت تصمم الشهادات الصادرة عنها وتحقق لها الحماية من التزوير بواسطة علامات مائية كالتي تستخدم في العملات الورقية، وهذه طريقة مثلى لكن الأهم منها والأكثر عملية هي الاتصال بالجهات الصادر عنها الشهادات والتأكد من سلامتها.


لجنة تتحقق من المصداقية قبل التعيين
ترى الدكتورة لطيفة المغيصيب الأستاذ بكلية العلوم والتربية جامعة قطر أن تكاتف المجتمع للتصدي لهذا السلوك الدخيل علينا والبعيد عن تعاليم ديننا الذي ينهى عن التزوير والغش بكافة انواعه، وتلعب الأسرة في ذلك دوراً كبيراً إذ يجب أن تحرص على تنشئة أبنائها على الصدق والأمانة وعدم الغش، وكذلك يجب على المدارس والجامعات بث تلك القيم في المناهج والتشديد في عقوبة من يغش أو ينسب شيئاً له وهو لم يقم بعمله، وكذلك التوعية المجتمعية من خلال وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
وأخيراً لابد أن يكون هناك لجنة للتحقق من مصداقية الشهادات قبل التعيين وعدم التهاون في ذلك، فالضرر متعدد عندما يتوظف شخص بشهادةٍ لم يحصل عليها، ففيها مساواة له بالذي اجتهد ليحصل على تلك الشهادة، وفيها راتب يحصل عليه نتيجة تعيينه بهذه الشهادة، وكذلك ضرر للمجتمع إذ قد يتعين في مجالٍ لا يفقه فيه ولم يدرس عنه وقد يُصدِر قرارات خاطئة تضر بالبشر لاسيما وإن كانت في تخصصات حساسة كالطب والهندسة.


جريمة يعاقب عليها القانون
قال المحامي جذنان الهاجري إن هذه الظاهرة حسبما أراها جديدة في المجتمع القطري، وهي جريمة يعاقب عليها القانون لأنها جريمة تزوير في محررات رسمية، ومن السهل اكتشافها من خلال الجهات المنوطة بمعادلة الشهادات، وهناك طرق أخرى كثيرة يمكن من خلالها التمييز بين الشهادة المزورة والشهادة السليمة، وفي حال اكتشاف أمر المزور يجب إحالته للمحاكمة كي يأخذ القانون مجراه وتكون المحاكمة رادعا له ولغيره، لأن هؤلاء ضعاف النفوس يسببون أضرارا للمجتمع خصوصا إذا كان في مجال الطب أو قطاع الأشغال فالأول يسبب أضرارا جسيمة للمرضى والثاني يسبب أضرارا جسيمة في البنية التحتية وبالتالي يتسبب في حوادث سير مميتة.


لا بد من ضبطية قضائية فاعلة
قال الدكتور سحيم الصيعري: انتشرت ظاهرة الشهادات المزورة وليست قليلة كما يزعم البعض، وأعتقد لو أن كل وزارة ومؤسسة في الدولة قامت بفحص شهادات موظفيها فحصا دقيقا سنكتشف عددا كبيرا من المزورين الذين يتبوؤون مناصب هامة، وأفضل طريقة لكشف التزوير التواصل مع الجامعات التي صدرت عنها الشهادات فكل جامعة لديها أرشيف وسجلات بأسماء الخريجين، ويجب أن تكون هناك ضبطية قضائية فاعلة وتحويلهم للمساءلة القانونية، ومن الناحية الشرعية فإن تزوير المؤهل العلمي غير جائز بالدليل القاطع لأنه غش صريح، إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا»، لا سيما أن هذا الموهل ستترتب عليه مزايا مادية ومعنوية وبعض المؤهلات يترتب عليها مخاطرة كبيرة بصحة الناس وسلامتهم كالطبيب الذي يعالج الناس والمهندس الذي يبني منازلهم، كما أن التزوير يتنافى مع احترام الشخص لذاته، فالشخص الذي يحترم ذاته لن يسمح لنفسه بأن يُنادى بلقب علمي معين وهو ليس كذلك، فأخلاق الإنسان وتربيته ونشأته لن تسمح له بارتكاب مثل هذا الخطأ، كما أتمنى أن يتم تفعيل دور الجمعيات المتخصصة في فحص المؤهلات كجمعية المهندسين والجهات المختصة في الطب وغيرها من الجهات في جميع التخصصات في هذا الأمر.

الصفحات