الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  دائرة الهموم والهمم

دائرة الهموم والهمم

دائرة الهموم والهمم

محمد الشبراوي كاتب مصري
تختلف التحديات في حياة كل شخص باختلاف اهتماماته وهمومه، وكلما كان الإنسانُ عالي الهمة زادت همومه وتنوعت اهتماماته، إما بمحضِ إرادته وشعورهِ بالمسؤولية وإما نتيجة انعدام البدائل أو ضعف طرق أخرى يتعين خوض غمارها للتخلص من بواعث تلك الهموم.
وكلنا دون استثناء نقع في هذه دائرةِ الهموم والهمم، فإما أن تؤدي عملًا ما لا ناقةَ لك فيه ولا جمل، لكنك آثرتَ المروءةَ وأجبتَ نداءَ الحقِ والواجب، وعندها فأنتَ كمن نُودي فانتخى واستُنصِرَ به فأجاب، ومن ثَّمَ فأنتَ بين الناسِ في مكانةٍ جليلة، وقد امتن اللهُ عليكَ برزقٍ عظيم.. ألا وهو الهمة العالية.
أو أنك من أبطالِ التسويف والتأجيل والتراخي والتقوقعِ، ودفعكَ لهذا أنك قدمتَ الكثيرَ لمن تنكّرَ لك فآثرتَ الانسحابَ، أو لأنكَ لا تجدُ من يُحفِزك ويَشُدَ على يديك لتُظهِر قدراتِك الكبيرة. لا نقلل من شأن التحفيزِ وأهميته، لكن من اعتمد على زاد غيره طال جوعه، سواء أكان هذا الزاد طعامًا أم تحفيزًا وتشجيعًا.
قد تتغافلُ عن حقيقةٍ لا يدركها غيرُك، مفادها أنك لست في حاجة لتشجيعِ أحدهم أو لثناءٍ يرفعُ معنوياتك، ويتعين عليك أن تُحفِزَ نفسَكَ وأن تنهض بأمرِكَ وحدك؛ لتَحفُرَ لنفسِك مكانا بين المجدين والمجيدين والعصاميين العظماء، تحتاجُ فقط لأن تكون صاحبَ همةٍ عالية.
انظر هنالِك، إلى صحراءِ قاحلة، لا حقائبَ تدريبية ولا مدربي تنمية وبشرية.. تَجدهُ وقد التحفَ السماءَ، واستقبلَ الأمورَ الجِسامَ بصدرٍ رحيب، وابتسمَ لها دون مُكترِثٍ بأهوالها، ثم قال: «فلو كنتُ وحدي والدُنَّا صرختْ بي قِف لسِرتُ لم أبطئ ولم أقِفِ».. إنه عنترة الفوارس.
لم يعبأ بسخريةِ القبيلةِ منه، لم يضع تصنيفَهم له في حساباتِه، سعى ليحفرَ لنفسِه اسما يقف التاريخُ أمامَه باحترامٍ شديدٍ وإعجابٍ منقطعِ النظير، فكان له ما أراد؛ فإن سألتَ نفسك: ما السرُ في نجاحِ عنترة؟ سمعتَ الجوابَ من أعماقِكَ.. إنها الهمة العالية.
قد تغمغم في داخلك: أبعدت النُّجعة! أحدثك عن هموم اليوم؛ فتستدل لي بجاهلي لا يعرف من الدنيا إلا السيف والفرس، ولمَّا تحركت عاطفته أحبّ عبلة والسلام! لأسوق لك خبرًا غير جاهلي، فيه العبرة ذاتها. تناقل المتبارون في رياضة الوثب العالي طريقة تقليدية، ظلت ديدنَ كلّ ممارسي هذه الرياضة، حتى جاء ديك فوسبري.
اشتد به طموحه وسمت به همته لابتكار طريقةٍ جديدة، لم يلتفت للنقدِ الهدّام ومضى في سبيل فكرته بهمةٍ عالية، وبعد محاولات مضنية وتدريبات متواصلة حقق المعجزة، معجزة سخروا منها أولًا، حتى رأوها ماثلة بين أعينهم فانبهروا بها، فاز بالميدالية الذهبية في الأوليمبياد، أصبحت «وثبة فوسبري» مقياسَ أداء الوثب العالي.
لا يعنيكَ تصنيفُ الناسِ لك وحكمُهم عليك، الأمرُ كل الأمرِ بين جنبيك، إن امتلكتَ همةً عالية امتلكتَ الزادَ لبلوغِ أيِ هدفٍ ذي قيمة، ولا عليكَ من أقوالِهِم ما دمت تخطو نحوَ هدفِكَ الذي لا ترفع عنه عينيك.
اصحَبْ الهمةَ العالية تكن على رأسِ الجبل، ولا تتخاذل فتُنسى وأنت على قيدِ الحياة. لا تبتئس من الاختلاف عنهم؛ فالناجحون والعظماء يبنون لأنفسهِم عازِلاً يحتمون به من تثبيطِ المُثبطين، هذا العازل صمام أمان يتلخص في الهمة العالية، ومن يتهيب صعود الجبال يشقى ويندم ندامة الكُسعي.
احرص على الإفادة من فرصتك كاملة، ونوِّع اهتماماتك بما يعود عليك بالنفع، وصدق القائل (استفد في كل علمٍ تستريح له/‏‏ لا تقعدن بعلمٍ واحدٍ كسلا/‏‏ فالنحل لما حوى من كل فاكهةٍ/‏‏ جنى جوهرين الشمع والعسلا/‏‏ فالشمع للناس نورٌ يستضاء به/‏‏ الشهد يُبرئُ الأسقام والعللا).

الصفحات