الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  الدواجن البشرية

الدواجن البشرية

هناك قلوب يسكنها الحزن كالمقابر، ونفوس حرة لا تجاور سوى الأعياد.
وهناك عقول تأنف سوى ارتداء دثر الخيبة، وأخرى لا ترضى سوى ببشت الحكمة رداء
هناك أفئدة اعتنقت تخليد الضيق في الصدور وأرواح احترفت الشقاء.
ثمة ضمائر أضمرت نشر الخير في بقاع الأرض.. وللطير ينثرون القمح في السماء.
ومن أفدح ما يصاب به المرء هو فجيعته في عدم تحقيق أهدافه، فكم هائل من البشر يأتي ويروح دونما أدنى بحث عن كنوز الذات، فجل آماله أن يأكل من خشاش الدنيا، بل ويتفاخر باضمحلال طموحاته، يريد إقناعنا أنه زاهد بتفوق
والناس قد يفهمون بالأثر النفسي ما لا يدركون بحواسهم، وأقسى ما يستطيع إنسان أن يعيه هو يقينه انه مهما أنفق من عمره إلا أن قدراته لن تكافئ طموحاته وأن إمكاناته لن تسعف أهدافه، هنالك يتهول بؤس الإنسان بل يتغول حينما يفجع بالإخفاق في بلوغ مرامه.
فندر من الأهل من تأهل في التنقيب عن مواهب أبنائه. فجهود الآباء تجاه أبنائهم لا تتعدى إحاطتهم بالرعاية «السوبر فائقة» والتي قلما تسفر إلا عن شخصيات منمطة، أما تاريخ الناجحين فيشهد على أنهم حادوا عن السطر ورفضوا الإنصياع لحياة النمط المثالي التي يستيقظون فيها باكراً وينامون كالداجن قبيل العشاء.
البعض يقبل لأي نوع من الحياة ولو دون مقدار مشبع من الحرية، الكرامة أو الشرف.
ما يعني أنهم على استعداد لقبول كل شيء وأي شيء أو أي نصف شيء أو ربع شيء أو حتى اللا شيء.
فهم مؤهلون للخداع وللكاتب محمد عادل شرح لهذا التواطؤ ضد الذات وكيف يبتلع الإنسان الطعم في العلاقات الإنسانية فيقول:
بعض العلاقات العاطفية ينطبق عليها مفهوم الرجل الأبيض والعبد، بعض الملاك البيض كانوا يوفرون للعبيد امتيازات معينة كغرفة جيدة للنوم وأكل طيب إلى حد ما، ومشكلة تلك الامتيازات أنها منعت تحرر العبيد من المالك الأبيض لعقود طويلة لأنها أخرت الثورة وجعلت بعض العبيد راضين بحالهم لخشيتهم من خسارة امتيازاتهم المحدودة.
نفس الشيء ينطبق علي العلاقات الإنسانية في العصر الحالي وإن خلا من العبيد، فثمة علاقات مؤذية تماما، لكنها لا تخلو من امتيازات، كلمات حب وسط وابل من الانتقاد، هدية لطيفة بعد قسوة غير مبررة، اعتذارات متتالية بعد إيذاء لا يتوقف، لمحة اهتمام وسط تجاهل مسيطر ونظرة رضا بين نوبات لا نهائية من الغضب.
مشكلة تلك الامتيازات أنها خادعة، تؤخر إدراكنا بسم العلاقة وبضرورة التخلص منها، تتلاعب ببصيرتنا وتستهزء بحدسنا تجبرنا على الاستمرار طلبا لأمل العلاقة الصحية المنشودة. أمل لن يتحقق، فالمالك لن يرفق بالعبد إلا بالقدر الذي يمنعه من التمرد والرحيل.
تلك العلاقات متفشية في محيطتنا، ليس مع من نحسبهم أصدقاء فحسب، بل من هم مدونون أهل..
ولكن فقط النوابغ من أوتوا القدرة على الانفكاك من علاقات سامة فرضت لأنه فقط من يسيد عقله يدرك انه من الحرية تتيح للانسان كريمة وان العبودية تفرض اوضاعا تعسة وإن غلف الاستغلال بورق سوليفان
فإن لم يجد الكرامة بين محيطه فهم ليسوا أهلا له.
فالنوابغ لم تتوفر لهم اقدار من الحرية فحاربوا للحصول عليها، ودفعوا ثميناً لها،هذه الحرية أتاحت لهم فرصة البحث عن ذواتهم وعما يريدون هم لا الأقارب من الحياة وأي طريق يسلكون، كما سمحت لهم باقتراف الأخطاء وتصويبها ثم المزيد من الأخطاء التي تنجب صوابات نتيجة زخم التجارب.
كن مع نفسك وأنصف حالك.. تحرر فتسكنك السعادة كما الأعياد.
داليا الحديدي
كاتبة مصرية

الصفحات