الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  العالم بحاجة لـ «14» مليار جرعة

العالم بحاجة لـ «14» مليار جرعة

العالم بحاجة لـ «14» مليار جرعة

محمد الجعبري
أكد الدكتور علي سلطان، أستاذ علم الأحياء الدقيقة وعلم المناعة في «وايل كورنيل للطب»، أنه في زمن جائحة كورونا وفي حالة اعتماد اللقاح الفعال من منظمة الصحة العالمية، فإن العالم يحتاج إلى إنتاج أعداد ضخمة جدًا لتطعيم البشرية. ولكي نستطيع تطعيم جميع سكان العالم والبالغ عددهم نحو 7 مليارات، فإننا في حاجة إلى 14 مليار جرعة إذا ما تحدثنا عن جرعتين لكلّ شخص على سبيل المثال.
وأوضح أن اللقاح هو بمثابة مادة يتم استخدامها عادة بهدف تحفيز مناعة الجسم البشري لإنتاج أجسام مضادة من أجل التصدّي للميكروب المرضي المسبب للمرض، يمكن حقن اللقاح في العضلة الدالية أو تحت الجلد أو يمكن تناوله عن طريق الفم. عند دخول اللقاح جسم الإنسان، يقوم المُكّون المضاد للقاح بتحفيز جهاز المناعة للتعرف على الفيروسات أو البكتيريا على أنها جسم معتدٍ، فيبدأ بإنتاج الأجسام المضادة والخلايا المناعية وتذكّرها في المستقبل.
ويمكن للمواد التي يتكوّن منها اللقاح أن تكون طبيعية أو من مواد محضّرة بشكل صناعي. فمثلًا في حالة لقاح التهاب الكبد الوبائي من (فئة ب)، تم أخذ بروتينات مغلفة من الفيروس وتركيب اللقاح بشكل صناعي من خلال إضافة عناصر مقوية لزيادة فعالية مادة اللقاح، إمّا أن تكون مكوّنات اللقاح طبيعية، حيث يتم أخذ البكتيريا أو الفيروس أو الكائن الطفيلي نفسه بدرجة ضعيفة، ولكنها تحمل بما فيه الكفاية القدرة على تحفيز الجهاز المناعي لفرز الأجسام المضادة المطلوبة للتصدّي لهذا الفيروس.
وأشار سلطان إلى أن اكتشاف اللقاح وتطويره عبر مراحل زمنية مختلفة وطويلة تستغرق بين بين 10 و15 عامًا، ومن أسرع اللقاحات التي تم اكتشافها وتطويرها هو اللقاح المخصص لمرض النكاف وهو مرض فيروسي معدٍ يهاجم الغدد النكفية، واستغرق فقط 5 أعوام، ويمكن القول إن الباحثين في هذه الحالة كانوا محظوظين بتطوير اللقاح خلال هذه المدة الزمنية القصيرة، لأن هذا الفيروس من نوعية واحدة وغير قابل للتحول، إذا أخذنا مثل فيروس «كوفيد - 19» حاليًا، هناك أنباء أن اللقاح سيستغرق اكتشافه وتطويره نحو عام إلى عامين، وهذا تحدٍ كبير جدًا. وعن مراحل اكتشاف اللقاحات أكد أن المرحلة الأولى هي استكشافية تتضمن أبحاثا معمليـــــة أســـاســــية، وأحيــــــانًـــا نستــــخدم النمذجـــــة الحـسابية لنحدّد عدد الحواتم أو المستضدات التي ممكـــــن اســــتخـــدامها كلقــــاح مرشــــح وهذه العمليــة تكــــــون في المعمــــل الأســـاســـي، والمرحـــــلة الثـــانـــــــية هي المرحلة ما قبل السريريــة، وتـكــــون أيضًا في المعــمل، وتتضمن مثلًا زراعة الخلايا أو أنـــسجة معيــــــــــنة وتجـــــارب على حيوانات نموذجية كالفئران والشمبانزي، ولا بدّ أن تجرب على الحيوانات في المعمل من أجل التأكد أولًا من سلامة اللقاح الذي لا يؤذي الحيوان والإنسان، وثانيًا التأكد من قدرة اللقاح على تحفيز الاستجابة المناعية، وثالثًا دراسة عدد الجرعات المطلوبة من أجل الحصول على الوقاية الفعالة المطلوبة، وفي حال ظهور نتائج مبشرة، يقدّم الباحثون طلب البدء في التجارب السريرية.
وفي كل مركز أو معهد بحثي هناك جهة مسؤولة عن استلام نتائج الباحثين في المعامل المتعلقة باكتشاف اللقاح ونتائج البحوث؛ ثم هناك مجلس مستقل يشرف على التجارب السريرية. فمثلًا في دولة قطر، تعدّ وزارة الصحة العامة هي المسؤولة، في الولايات المتحدة الأميركية هناك هيئة الغذاء والدواء، في أوروبا هناك وكالة الأدوية الأوروبية، في كل دولة هناك هيئة معينة تصدر الموافقة على التجارب السريرية على الإنسان.
ويوضح أستاذ علم الأحياء الدقيقة والمناعة في الجامعة الشريكة لمؤسسة قطر قائلًا: في المرحلة الأولى من التجارب السريرية يتم التأكيد من سلامة اللقاح عبر إعطاء الجرعة المناسبة لعينة محدودة من الأفراد الأصحاء (20 إلى 100 فرد) على أن تكون كفاءتهم المناعية عالية؛ المرحلة الثانية تُعرف بتوسيع الأمان من حيث عدد الذين يأخذون اللقاح بين (200 -1000 فرد)، وممكن تقسيمهم إلى مجموعات من حيث التركيبة السكانية، أو الفئات العمرية، -ولا بد من الإشارة إلى أنه في هذه المراحل، كلّ من يأخذ اللقاح لا بدّ وأن يكون متطوعًا وموافقًا ومُلّمًا بأهداف اللقاح المعطى له والعوارض المتوقعة وغيرها من التفاصيل. أما المرحلة الثالثة هي مرحلة اختبار فعالية اللقاح، والتي يتم تعريفها على أنها النسبة المئوية التي يتم من خلالها تقليل معدل حدوث المرض في المجموعات المحصنة التي تم إعطائها باللقاح مقارنة بالمجموعات التي تم إعطاؤها الدواء الوهمي، وغالبًا ما تكون النسبة المرغوب بها 70 % فما فوق.
وكشف أنه خلال الفترة التي نمرّ بها حاليًا على مستوى اللـــقاح المنتظر لـ «كوفيد - 19»، تعتبر نحو 8-9 لقاحات والتي تم الإعـــــــــــــلان عـــــــــــن تطويرها قد دخــــلت بالفعـــــل المـــــرحلة الـــــــثالثة وهي مرحلة التأكد من فعاليتها في التجارب السريرية، كما هو الحال في اللقاح التي أعلنت عنه روسيا، وأميركا، والصين؛ إذ يمكن للسلطات التنظيمية المعنية إعطاء الإذن للباحثين باختزال المراحل الزمنية بسبب حالات الطوارئ خلال الجائحة عبر الجمع بين المرحلتين الأولى والثانية من التجارب السريرية للتسريع في عملية تطوير اللقاح.
ولا بــــــد أن يمر اللقاح بمرحلتين إضافيتين مهمتين جدًا عادة ما تكونان بعد المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، وهي مرحلة نشر البحوث في المجلات العلمية ومراجعتها والتحقق من بيانات اللقاح ومراقبة سلامته. ومن ثم المرحلة الأخرى التي تليها وهي مراقبة تصنيع اللقاح وتسويقه للتأكد من فعاليته بين ملايين البشر في العالم، قبل استخدامه في المجموعات السكانية المستهدفة لأن التكوينات الجينية تختلف بين السكان في البلدان، وعليه لا بد من التأكد على أن نسبة الفعالية ما زالت كما هي ولم تتراجع. وأكد أستاذ علم الأحياء بطلية طب وايل كورنيل على ضرورة العمل على نشر عادل وسريع للقاحات وتوفير معدّات الرعاية الصحية ولوازمها من أجل التحكم في جائحة «كوفيد - 19»، مشيرًا إلى أن قمة التحالف العالمي للقاحات والتحصين لحماية الأطفال في الدول الفقيرة، التي عقدت في يونيو 2020، بمشاركة أكثر من 50 بلدًا و35 رئيس دولة وحكومة، وضعت هذا الهدف نصب عينيها، وقد شاركت دولة قطر آنذاك في هذه القمة وتعهدت بتقديم بقيمة 20 مليون دولار في إطار هذه الجهود العالمية. إلا أن العديد من الدول لم تشارك في هذا المؤتمر، ما يمكن وصفه «المقلق جدًا»، بالإضافة إلى سبب آخر يدعو للقلق وهو يكمن في حقيقة أن شركات الأدوية والتكنولوجيا الحيوية الرائدة في مجال إنتاج الأدوية واللقاحات، يخططون لإعطاء الأولوية لبعض البلدان عندما يتعلق الأمر بتوزيع لقاح «كوفيد - 19».
وأوضح أن الفيروس هو نفسه سواء في الصين، الهند، البرازيل، روسيا، أميركا، بريطانيا، ألمانيا، الشرق الأوسط، وإفريقيا، وفي جميع أنحاء العالم، لقد رأينا طفرات في الفيروس، وقد نشهد المزيد من الطفرات لهذا الفيروس، ولكن حتى الآن لا يمكننا القول ما إذا كان هذا سيؤثر على لقاح «كوفيد - 19» في المستقبل أم لا، فاللقاح هو نفسه في نهاية المطاف، ما قد يختلف بين دولة منتجة وأخرى، هي طرق الإنتاج والتقنية المعتمدة، لكن الهدف واحد وهي أن الأجسام المضادة والخلايا المناعية التي ينتجها جهاز المناعة لدى الإنسان ستكون نفسها لمحاربة الفيروس. الفيروس واحد، والأجسام المضادة واحدة، لماذا الاختلاف إذاً بين عولمة اللقاح وقوميته؟ لابد من التأكيد على أهمية الأخلاق المقترنة بالعلم بعيدًا عن المصالح السياسية والنزاعات بين الدول واستخدام اللقاحات كأداة ضغط على الدول الفقيرة، وعلى دور الباحثين والعلماء كقوى ضاغطة على القرارات السياسية، ويقول: قومية اللقاحات لها جوانب ضــــارة جدًا، وعلى الخبراء في علم الأوبئــــة والفيروسات، وخبراء اقتصاديــــات الصحة، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، وغيرهم من الباحثين المختصين، أخذ زمام المبادرة وعدم ترك القرار للسياسيين، ووضع استراتيجيات قائمة على العلم وتوزيع اللقاح بطريقة آمنة وفعالة، عبر آليات التمويل المبتكرة وأن يتم توحيد جهود المنظمات الحكومية وغـــــــــيــــر الحكــــــــومـــــــــــية والــــــعمل معًا، فنــــحن لسنــــــــا أعــــداء بعضــــنا البعض، عدّونا واحد وهو الفيروس.

الصفحات