الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  حتى لا يضيع القرض الحسن في زماننا

حتى لا يضيع القرض الحسن في زماننا

حتى لا يضيع القرض الحسن في زماننا

عدنان حميدان كاتب أردني
مع ظروف العسر واليسر التي تتناوب على كثيرين في حياتنا، تتراوح أحوال الناس بين دائن ومدين أو كليهما، فبَعضنا مدين عاجز عن سداد ما عليه، وهو في نفس الوقت دائن عاجز عن تحصيل ما هُو له. وهناك من فتح يديه لإعانة غيره بتقديم القروض الحسنة لهم ولكن نكثوا عهودهم معه وماطلوا في سداد ما هُو مستحق عليهم، رغم قدرة كثيرين منهم على السداد، الأمر الذي دفع دائنين كثرا لإغلاق ذلك الباب رغم ما فيه من أجر وخير، وعليه فقد حُرم معسرون وغارمون من مفتاح باب كان به تخفيف عنهم وعون في محنتهم، وقد ضاقت عليهم الدنيا بعد أن بُسطت لهم.
ماذا لو علمنا أن الفقهاء صنّفوا الدَين تحت باب التبرعات وليس ما يعرف بالبيع من معاوضات؟ وذلك استنادا إلى ما جاء في الهدي النبوي الشريف من حث عليه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إن السَّلَف يجري مجرى شطر الصدقة». وقد ورد أن بعض العلماء يفضل القرض على الصدقة؛ لأن الصدقة يأخذها المحتاج وغيره، أما القرض فلا يطلبه إلا من احتاج إليه.
وقد ورَد عن بُريدة بن الحُصَيْب الأسلميِّ رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن أنظَر معسرا فله كل يومٍ مثله صدقةٌ، فقلت: يا رسول الله، سمعتك تقول: مَن أنظر مُعسرا فله كل يومٍ مثليه صدقةٌ، قال له: كل يومٍ مثله صدقة قبل أن يحل الدَّين، فإذا حل فأَنظَر فله كل يومٍ مثليه صدقةٌ».
ولكن في الوقت ذاته وضع الفقهاء قيدين لا بد من توافرهما لدى المدين قبل إقدامه على طلب القرض الحسن؛ أولهما وجود الحاجة الفعلية وليس مجرد الرغبة بالتوسع والتنعم، وثانيهما غلبة الظن بالقدرة على الوفاء، فلا يجوز أن تستدين من شخص وفِي داخلك يقين بعدم قدرتك على السداد مستقبلا، حيث يدخل طلبك حينها في باب الكذب والاحتيال، وقد اعتبره النبي الكريم سرقة؛ فعن صهيب الخير رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل تداين دينا وهو مجمع ألا يوفيه إياه لقي الله سارقا».
وقد جاء في الحديث أيضا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: مات رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه ووضعناه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه، فجاء معنا فتخطى خطى ثم قال: «لعل على صاحبكم دينا؟» قالوا: نعم ديناران، فتخلف وقال: «صلوا على صاحبكم»، فقال له رجل منا يقال له أبو قتادة: يا رسول الله هما عليّ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هما عليك وفي مالك، والميت منها بريء؟»، فقال: نعم، فصلى عليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي أبا قتادة يقول: «ما صنعت الديناران؟» حتى كان آخر ذلك أن قال: قد قضيتهما يا رسول الله، فقال: «الآن حين بردت عليه جلده».
ولكن الدائن معني بإمهال المدين إذا كان معسرا وعدم إحراجه والضغط عليه، لقوله تعالى: «وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ»، ولا تجوز مطالبته بالدين ما دام معسرا.
ولا يعني أن يكون المرء معسرا أن يتسول في الشارع، فقد يظهر أمام الناس بحالة جيدة «تحسبهم أغنياء من التعفف»، ولكن هُو بالكاد يوفر احتياجات عائلته. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: «من يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة». وعن كعب بن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله».
وأي منزلة أشرف وأعظم من ذلك؟ وعليه، يا لهناء من أعطاه الله مالا فجعل به سهما أو صندوقا لسد حاجة المعسرين وفك كربهم، مبتغيا الأجر من الله تعالى بغض النظر عن سوء تجاربه مع كثيرين منهم، فمعاملاته هنا وما يقدمه من قروض مالية حسنة هي في أصلها مع الخالق جل في علاه لا معهم، وأجره منه تبارك وتعالى لا منهم.

الصفحات