الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  مئوية الدستور السوري الأول

مئوية الدستور السوري الأول

مئوية الدستور السوري الأول

بحلول مساء 24 يوليو 1920، دخلت القوات الفرنسية مشارف مدينة دمشق واحتلتها. أجهز الاحتلال الفرنسي على مشروع أول دولة عربية ديمقراطية علمانية حديثة مستقلة نشأت بعد نهاية الحرب والانتقال من العثمانية إلى ما بعدها، واستمر حكمها نحو اثنين وعشرين شهرًا. وكان من أبرز المهمات التي كُلّف بها الجنرال الفرنسي ماريانو غوابيهMariano Goybet (1861-1943)، قائد الفرقة الفرنسية التي احتلت دمشق، مداهمة مقر المؤتمر السوري العام، ومصادرة أوراقه ووثائقه.
تشكيل المؤتمر السوري العام
كان هذا المؤتمر أول هيئة تأسيسية منتخبة لوضع قانون أساسي في العالم العربي ما-بعد العثماني. وقد جرت انتخاباته خلال مايو ويونيو 1919، في سورية الداخلية، أو المنطقة الشرقية (العربية)، وفق نظام الانتخابات العثماني، على درجتين؛ من المجامع الانتخابية للدرجة الثانية (الناخبون الثانويون) السابقة لمجلس المبعوثان العثماني السابق، بسبب ضيق الوقت الذي حال دون انتخاب ناخبين ثانويين جدد، بينما تم تمثيل المناطق السورية الأخرى؛ الغربية الفرنسية (في الساحل)، والجنوبية البريطانية (في فلسطين) التي منعت السلطات العسكرية البريطانية والفرنسية انعقاد مجامعها الانتخابية السابقة، فانعقد المؤتمر بحضور تسعة وستين مندوبًا من أصل خمسة وثمانين عضوًا منتخبًا وموكّلًا يمثلون أجزاء سوريا الطبيعية. وكانت منطقة الحكومة العربية في سورية الداخلية، أو المنطقة الشرقية، بحسب تقسيمات الجنرال اللنبي العسكرية للمناطق العسكرية «المؤقتة» في سوريا، «ممثلة تمثيلًا شاملًا وانتخابيًا»، حيث انحدر أكثر من 40 في المائة من أعضاء المؤتمر من مدنها الداخلية الأربع؛ دمشق وحماة وحمص وحلب، بينما كانت المناطق السورية الأخرى؛ الجنوبية (البريطانية)، والغربية (الفرنسية)، ممثلة بواسطة التوكيلات، بموجب مضابط توكيل، بمعدل ممثل لكل 12500 من الذكور. لكن عدد أعضاء المؤتمر بدأ بالتعاظم مع انضمام أعضاء جدد إليه بطريقة «التوكيلات». وهكذا، حين عقد المؤتمر السوري دورته الأولى، فإن عدد أعضائه لم يتجاوز تسعة وستين عضوًا، من أصل خمسة وثمانين عضوًا، لكن استمرار تمثيل المناطق الأخرى بتسمية ممثليها بواسطة «التوكيلات»، رفع عدد أعضاء المؤتمر ليصل في الحصيلة إلى 107 أعضاء منتخبين وموكّلين، مثلوا كافة أنحاء سوريا الطبيعية، بما فيها فلسطين ولبنان، على نحو جعل المؤتمر نوعًا من مؤتمر قومي سوري.
تمّ استكمال تمثيل أعضاء المؤتمر بالتوكيل عن المناطق التي لم يتمكنوا فيها من إجراء انتخابات على عدة مراحل بين يونيو وديسمبر 1919، حين سينضم ممثلو لواء دير الزور، بعد ربطه بالحكومة العربية، إلى عضوية المجلس. وخلال هذه الفترة، سيبرز تحدي الاستقلاليين العرب للفرنسيين، إذ ستنتخب بيروت، في يوليو 1919، ممثليها توكيلًا. كما سيمثل محمد الخيّر العلويين توكيلًا في المؤتمر، وهو أحد أبرز وجوه عائلة الخيّر المعروفة في جبل العلويين في سوريا، الواقع، وفق تقسيم اللنبي للمناطق العسكرية، في المنطقة الغربية (الفرنسية). وكان تمثيل الخيّر أول تمثيل للعلويين السوريين في مجلس نيابي أو مجلس ذي صبغة نيابية.
انتُخب هؤلاء، من الناحية القانونية، في شروط نظامية بقدر كافٍ، على حد تعبير أدمون ربّاط، وشكلوا، وفق جورج أنطونيوس، مجلسًا تمثيليًا بالمعنى الصحيح للكلمة. وكانوا، من الناحية التمثيلية عمومًا، ممثلين طبيعيين لمناطقهم، بسبب صفاتهم الاجتماعية والثقافية؛ فقد ضم المؤتمر مجموعة متنوعة من الملاكين، ووجهاء المدن، وشيوخ البدو، وعلماء المسلمين، وبعض من تلقى علومه في المعاهد العثمانية العسكرية أو الحقوقية. كما مثّل المؤتمر في عضويته المسلمين على مختلف طوائفهم، واليهود، والمسيحيين. وكان في عضويته أكثر من عشرين نائبًا مسيحيًا، ونائب يهودي واحد عن دمشق، بينما كان ممثلو اليهود في المجامع الانتخابية الثانوية أكبر من ذلك، وكان عدد النواب المسيحيين في المؤتمر يفوق ما يستحقونه على أساس وزنهم العددي.
بقرار من المجلس الأعلى لمؤتمر الصلح، شُكّلت لجنة التحقيق الدولية التي ستقتصر في الواقع على «الهيئة الأميركية من اللجنة الدولية لشؤون الانتدابات»، والتي ستُعرف اختصارًا بلجنة كينغ – كراين، في 25 مارس 1919، لاستبيان آراء الأهالي حول شكل الحكم والدولة (المنتدبة) التي يرغبون في مساعدتها لهم، لمحاولة فض النزاع البريطاني - الفرنسي الحاد حول سوريا، والذي وصل في مارس 1919 إلى حد كاد يتحول فيه إلى قتال بالقبضات بين جورج كليمنصو Georges Clemenceau ولويد جورجGwilym Lloyd George، وتخيير كليمنصو للويد جورج المبارزة بالسيف أو بالمسدس، الأمر الذي سرّع من العمل على تشكيله انتخابيًا، ومن ثم فإن بدايات طرح تشكيل هيئة تأسيسية لوضع الدستور أو القانون الأساسي تعود إلى الأسابيع الأولى من نشأة الحكومة العربية بدمشق، وهذا ما تناساه معظم المؤرخين، وتحاول الدراسة معالجته في إطار إشكاليتها عن العلمنة بوصفها سيرورة أو عملية في مرحلة الحكومة العربية، وفي مشروع الدستور السوري الأول، وعلاقتها بالإشكاليات المجاورة لها، أو المتداخلة معها، في الشروط التي نشأت فيها.
{ المركز العربي للأبحاث

الصفحات