الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  العدالــــة لا تتجـــزّأ

العدالــــة لا تتجـــزّأ

العدالــــة لا تتجـــزّأ

رفقة العمية
في رسالة وجهتها إلى الفلسطينيين خلال التحضير لفعاليات أسبوع مقاومة الأبارتهايد والاستعمار الإسرائيلي هذا العام، والذي يُعقد سنوياً في مئات من المدن حول العالم للتضامن مع الشعب الفلسطيني، قالت المناضلة الشيوعية الأميركية السوداء أنجيلا دايفيز: «مع اتحاد مُضطهِدينا، أصبح من الواضح بشكل متزايد أن جميع نضالاتنا من أجل الحرية مترابطة، وأنه لن يكون أحدنا حرّاً حتى نكون جميعاً أحراراً».
تأتي هذه الرسالة ضمن عدة رسائل تضامنية مع فلسطين من قيادات الشعوب المستعمَرة والمجموعات المُهمّشة، وقد تجسّد ذلك بشكل واضح على سبيل المثال في مؤتمر دربن المناهض للعنصرية في جنوب إفريقيا في سنة 2001 حيث كانت الفرصة تاريخية لجمع ممثلي المجموعات المضطهَدة والمهمّشة في العالم مثل السود والفلسطينيين وطائفة الداليت في الهند وحركة عمّال بلا أراضٍ في البرازيل وممثلات عن النساء باعتبارهن ضحية العنف و/‏‏‏أو التمييز الجندري.
وشهدت شوارع دربن خلال هذا المؤتمر مسيرات مؤيدة للقضية الفلسطينية هي الأكبر منذ نهاية حقبة الأبارتهايد في جنوب أفريقيا في سنة 1994.
ويظهر جلياً في هذا السياق تبنّي المضطهَدين قضايا مضطهَدين آخرين اجتمعوا معاً على نشد العدالة الشاملة لجميع من يسعى لها بغض النظر عن الاشتراك في الثقافات والقوميات أو حتى هُوية المضطهِد، بينما اجتمع المضطهدِون وساندوا بعضهم واستخدموا أدوات القهر نفسها ضدّ ضحاياهم، ويتجسد ذلك بوضوح في العلاقة الوطيدة التي جمعت نظام الأبارتهايد الجنوب أفريقي البائد والنظام الصهيوني الحاكم في فلسطين المحتلة والإمبريالية الأميركية من تعاونٍ أمني وتحالفٍ استراتيجي وتبادل خبرات عسكرية أمنية وقمعية تستهدف السكان الأصليين في كل من جنوب أفريقيا وفلسطين والأميركيين السود، بل إن الأميركيين والفلسطينيين والعرب في أميركا يواجهون مضايقات ومحاولات تخريب واتهامات قانونية بمعاداة السامية إذا شاركوا في نشاطات تدعم الشعب الفلسطيني وتندّد بالصهيونية.
وتشهد الولايات المتحدة الأميركية هذه الأيام هذا العام نشاطات احتجاجية واسعة تطالب بالعدالة العِرقية تتصدّرها حركة «حياة السّود مهمّة» بعدما بلغ الغضب أوَجّه جرّاء حادثة قتل المواطن الأميركي من أصول أفريقية جورج فلويد على يد شرطي أبيض في ولاية مينيابولس.
وعلى الرغم من إقرار المساواة العرقية في الدستور الأميركي، فلا يزال السود ضحية العنصرية إذ تعيش أغلبيتهم حياة اقتصادية قاسية تنعكس على الجانب الاجتماعي والسلمي، وهذا نتاجُ التاريخ الطويل من السياسات العنصرية الاستعلائية والكولونيالية البيضاء، وما رافقها من تمييز وقهر واضطهادِ وإقصاء واستعباد وحرمان من الفرص، وليس بسبب لونهم أو سماتهم البيولوجية كما تنظّر لها الفوقية البيضاء، وحتى الحركات الليبرالية التي تهدف إلى ما يمكن تسميته العدالة السلبية من دون فهم أصل الصراع وتفكيكه وردّه إلى جذوره في تاريخ العبودية وتجارة العبيد من جهة، وتأسيس الولايات المتحدة الأميركية الحديثة على أنقاض الشعب الأصلاني الذي تمت إبادته على أيدي المهاجرين الأوروبيين البيض من جهة أُخرى، وهذا ما كان يُنظّر له مالكوم إكس أحد أبرز مناهضي العنصرية ضد السّود في أميركا.
وإذا كان السود سواء في جنوب أفريقيا أو في الولايات المتحدة الأميركية ضحية الفصل العنصري والتمييز بسبب عرقهم، لأسباب دينيّة وإثنية وقومية، فإن الشعب الفلسطيني الأصلاني واجه السياسات العنصرية الممأسسة التي تمارسها إسرائيل عليه والتي تجلّت في أكثر من 60 «قانونا أساسيا» كان آخرها قانون القومية الذي ينصّ على أن دولة إسرائيل هي دولة اليهود فقط ولغتها الرسمية هي اللغة العبرية، وبالتالي فإن المسلمين والمسيحيين من الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل لا يتمتعون بحقوق متساوية في المواطنة مع اليهود.
حتى إنه ومن قبل سنّ قانون القومية، أقرّ تقرير الإسكوا (لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا) سنة 2017 أن التعريف القانوني للأبارتهايد ينطبق حرفياَ على السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة 1948 و1967 والقدس الشرقية.
بالعودة إلى فكرة إيمان المضطهدَين بعدالة قضاياهم المشتركة، فقد شهد التاريخ المعاصر تضامن السود مع القضية الفلسطينية، الذي تجلّى على سبيل المثال في بيان الفهود السود سنة 1969، إذ أعلنتْ جريدة الفهد الأسود بعنوان عريض أن الصهيونية (القومية اليهودية)+ الإمبريالية = الفاشية، واصفة (أي الفهود السود) «القومية اليهودية» بأنها أحد أوجه العمالة الإمبرياليّة. فضلاً عن صدور عدة بيانات تضامنية أميركية سوداء على مرّ السنين كالبيان الذي وقعته سنة 2015 مجموعة من الشخصيات الأكاديمية والمناضلة تنديداً بالحرب على غزة سنة 2014.
تفهم حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS) مبدأ النضال التقاطعي جيداً، بل إنها تنتهجه كركيزة أساسية في استراتيجيا عملها، وهي التي تعمل بقيادة فلسطينية وتشكّل أوسع ائتلاف في المجتمع المدني الفلسطيني منذ أن أطلقتْ نداءها إلى العالم في سنة 2005، وقد استلهَمتْ نضالاتها من تجربة جنوب أفريقيا التي نجحتْ في الضغط على العالم من أجل نزع الشرعية عن نظام الأبارتهايد الأبيض وإسقاطه، كما ألهمها بالضبط نضال الأميركيين السود ضد قوانين جيم كرو في الجنوب الأميركي كأحد أشكال النضال المدني اللاعنفي، الذي تنتهجه الحركة بناءً على فهمها طبيعة الاستعمار الاستيطاني لكلا المنظومتيْن الحاكمتيْن في الولايات المتحدة وإسرائيل، وانتهاجهما إمّا إبادة جماعية و/‏‏‏إمّا تطهيراً عرقياً ممنهجاً.
وترى بي دي إس أن الجدوى الحقيقية من النضال لا تكون إلاّ في النضال الأمميّ المشترك بين كل الحركات التحررية ضد أنظمة الاستعمار والاضطهاد جميعها بلا استثناء، وهذا ما فشل في تحقيقه المستوى الرسمي الفلسطيني الذي عوّل مُمثلَاً بالسلطة الفلسطينية التي تترأسها حركة «فتح» على الإدارة الأميركية، وهو ويحصد ثمار ذلك الآن مع تصدّر وثيقة ترامب المعروفة باسم «صفقة القرن» الساحة السياسية، واختراق الإدارة الأميركية بعض الأنظمة العربية، إلى أن وقّعت حكومة الإمارات والبحرين بالأمس القريب اتفاقاً رسمياً مع إسرائيل بحضورٍ أميركي. أمّا حكومة حركة «حماس» في غزة فقد عوّلت على بعض الدول الإسلامية التي تنظر إلى الصراع على أنه صراع ديني، وهذا ما تستفيد منه إسرائيل من خلال ترويجها لوصم الفلسطينيين بالكراهية والإرهاب. وتتبنّى بي دي إس هذا النهج من المقاومة الشعبية المشروعة الذي ثبتت نجاعته بالتجربة في جنوب أفريقيا والجنوب الأميركي كما ذكرنا وحتى الهند من جهة، ويؤرق إسرائيل من جهة أُخرى حتى أنها خصّصت وزارة كاملة لمحاربة بي دي أس بقيادة غلعاد أردان. ومن الجدير بالذكر أنه خلال كتابة هذه السطور تم الإفراج أخيراً عن منسّق حركة المقاطعة محمود النواجعة وكان قد اعتقل في سجون الاحتلال منذ 30 يوليو من دون توجيه تهمة واضحة إليه بل كل ما قيل إن القضية تتبع «لملف سرّي».
وتستهدف بي دي إس مجموعة واسعة من المنتوجات الإسرائيلية والشركات العالمية المستثمرة في إسرائيل أو المشارِكة معها على حساب اضطهاد واستغلال الشعب الفلسطيني، وتضغط عليها من أجل سحب استثماراتها أمام خيار مقاطعتها بسبب تورّطها مع نظام ملطخة أيديه بدماء الأبرياء الأمر الذي يؤثر في سمعتها عالمياً إلى أن تستجيب إسرائيل لمطالب الحركة بإنهاء احتلالها العسكري للأراضي الفلسطينية سنة 67 وعودة اللاجئين إلى ديارهم وتعويضهم وتحقيق المساواة بين جميع المواطنين في الأراضي المحتلة سنة 48 وصولاً إلى تفكيك منظومة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي بالكامل. وقد خسرت إسرائيل ملايين الشواكل بانسحاب العديد من الشركات مثل شركة فيوليا وأورانج وجي فور أس وغيرها، فضلاً عن امتناع مئات الفنانين/‏‏‏ات والأكاديميين/‏‏‏ات والفرق الرياضية من القدوم إلى إسرائيل أو إشراكها في فعاليات ونشاطات عديدة عقدت في أكثر من مكان في العالم. كما ركّزت بي دي إس جهودها على محاربة العلاقات قبل السلام وصاغت بإجماع من مؤسسات المجتمع المدني تعريفاً له مستمداً من التعريف الذي اعتُمد في جنوب افريقيا مع إضفاء خصوصية الشأن الفلسطيني عليه، لما يتضمنه ذلك من تعزيز لشرعية نظام الأبارتهايد الإسرائيلي ونكران مآسي الشعب الفلسطيني. لم يبقَ أمام الفلسطينيين اليوم إلاّ خيار تكثيف المقاومة الشعبية لما تتضمنه من فرصة المشاركة الفردية الواسعة، وتعزيز التكاتف مع حركات تحررية متضامنة مثل حراك السود، وخصوصاً مع ازدياد وتيرة العنف والفاشية في أنظمة الحكم في الولايات المتحدة والغرب، والتحرك عملياً نحو صوغ برامج تعزّز النضال الأممي المشترك.

الصفحات