الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  مخيم اليرموك زمان.. شيء من الحاضر

مخيم اليرموك زمان.. شيء من الحاضر

علي بدوان كاتب فلسطيني عضو اتحاد الكتاب العرب
تَهل كل فترة على مخيم اليرموك من كل عام زخارف يومية ذات طابع اجتماعي ومعيشي، يُشكِّلُ امتداداً لحياة الفلسطينيين على أرض الوطن، ومن بين تلك الزخارف الجميلة الإسراع بتحضير المؤن الموسمية من عموم المنتوجات الزراعية التي تزخر بها بلاد الشام عموماً، وفلسطين خصوصاً. في عادات طيبة وذات بُعدٍ اقتصادي متوارثة من أيام فلسطين، وخصوصاً من قبل أبناء العائلات الفلسطينية التي تعود لأصول فلاحية وبدوية.. ومدنية. من قرى وبلدات ومدن عموم فلسطين، من قرى الجليل وسهل الحولة إلى آخر نقطة في منطقة النقب. كما هي عادة متوارثة عند أبناء المدن الفلسطينية.
من تلك المواسم الجميلة، ما نشهده من موسم تحضير مادة المكدوس، والتي تتفرد بها عموم بلاد الشام، في دمشق وفلسطين على وجه الخصوص من بين عموم المنطقة. والمكدوس مخزون عالي القيمة الغذائية، مُحبب تناوله في أيام الشتاء، ويتكون بشكل رئيسي من الباذنجان المحشو بالجوز والفلفل الأحمر الحار بعد تقطيعه، حيث يضاف اليه زيت الزيتون بعد إنضاجه بعملية تُتقنها نساء دمشق وعموم فلسطين. وفي الصيف أيضاً، يأتي موسم تحضير (ماء البندورة) ليتم استخدامه طوال أيام العام بعملية الطهي للعديد من المأكولات. حيث تجري عملية غلي عصير البندورة في القدور على نار الحطب بين الحارات الفرعية في اليرموك، وإن استعاضت العديد من النسوة عن تلك العملية بوضع العصير داخل قدور مغطاة بشاشٍ رقيق وتركه تحت نار شمس الصيف الحارة على أسطح المنازل. أما تحضير البامياء، وغيرها من مؤن الخضراوات، فيتم أيضاً بطرقٍ مشابهة، بالرغم من دخول عملية (التفريز) على خط حفظ المؤن، وهي عملية غير محببة وغير مستساغة لدى الناس بسبب من فقدان المادة لسعراتها الحرارية، كما في فقدانها مذاقها. أما موسم الملوخية، فالحديث عنه طويل، حيث تملأ عيدان الملوخية حارات شوارع اليرموك الفرعية في موسم تخزين هذه المادة، وقد اشتهر بها أهالي بلدة صفورية، قضاء الناصرة عن غيرهم من أهالي اليرموك، وإن كان الجميع على السواء بالنسبة للملوخية التي يعشقها أغلب اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وقد علموا الدمشقيين طريقة طهيها (ناعمة) وليس كورق كما يطبخها الشوام الدمشقيون.
أما مواسم تحضير المربيات، فتستمر طوال العام، حيث لكل مربى موسم، فالمشمش في نهاية الربيع، أما العنب فموسم تصنيعه بالصيف، حيث يُحضر على شكل حبات صامد أو على شكلٍ مهروس، أو كما يقال بالعامية الفلسطينية: ممروط. وفي هذا السياق، وقبل قيام أسواق الخضرة الكبيرة والواسعة، ومنها سوق الخضار المركزي في اليرموك، والذي يضاهي أكبر سوق للخضار بدمشق، ومعظم قاصديه من خارج اليرموك، اشتهر عددٍ كبير من البائعين للخضار والمنتوجات في اليرموك، منهم سويرح سويرح (أبو عادل الخماخم) وقد نال هذا اللقب العفوي بسببٍ من كميات الخضار الهائلة، وبالأطنان، التي كان يُنزلها أمام محله التجاري، والتي كانت تملأ شارع الجاعونة باليرموك.
إن العديد من البائعين المتجولين، أيام زمان اليرموك، الذي عشنا فيه (على القلة والبساطة) كما يقال، وقبل التحول التجاري الكبير وانتشار الأسواق، ذهبوا وتركوا وراءهم ذكريات طيبة وجميلة عن سيرة شعبٍ مكافح، ذاق أهوال النكبة وتداعياتها في دياسبورا المنافي والشتات، ومازال إلى الآن تحت وطأة نتائج النكبة وليلها الطويل. من هؤلاء البائعين، كان الزغموت وهو من أهالي قرية الصفصاف قضاء صفد وكان متخصصاً ببيع الأسماك، وخاصة منها سمك السلطان إبراهيم (بحزه الذهبي) والذي يعشقه الفلسطينيون، وسمك المشط الطبراني. ومن بين البائعين أيضاً شخص من عائلة باكير الطيراوية، والمتخصص بالتجوال بين الحارات لبيع الأدوات المنزلية التي يحملها بطريقة معينة بواسطة عصا تمتد على كتفيه، وبصوته الأجش المنطلق بلهجة طيراوية (قُحة).. تلك صور جميلة من يرموك زمان، ستبقى باقية في الوجدان، فهي من سيرة هذا الشعب.

الصفحات