الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  أزمة الدولة في العالم العربي

أزمة الدولة في العالم العربي

أزمة الدولة في العالم العربي

صلاح الدين الجورشي مفكر تونسي
انفجار ميناء بيروت على ضخامته وفظاعته يعتبر أقل إيلاما في جانبه الرمزي من تلك العريضة التي وقعها عشرات الآلاف من اللبنانيين الذين دعوا صراحة إلى عودة الانتداب الفرنسي على بلادهم لبنان. لا أعتقد بكونهم جادين في التخلي عن وطنهم، ولكن فاضت بهم الكأس، وضاقوا ذرعا بنخبتهم السياسية والإدارية والمالية، بعد أن عجزوا لسنوات طويلة عن التخلص منها وإجبارها على تغيير سلوكها وتحمل مسؤولياتها.
سمعنا من بعيد صيحاتكم وانتقل إلينا الغضب الذي عصف بكم وجعلكم تنظمون يوما أطلقتم عليه «يوم الحساب»، ونصبتم فيه «مشانق رمزية». عندما تبلغ أزمة الثقة بين الشعب ونخبته السياسية هذه الدرجة العالية من الكراهية والبشاعة يصبح كل شيء ممكن.. تنهار الدولة التي تضم مجموع المؤسسات المنظمة للشأن العام، يتلاشى الانتماء، وتتعاظم المخاطر، وتتراجع الخدمات الأساسية، ويشعر الأفراد بعدم الأمان، ويصبح الهم الرئيسي للجميع هو السعي نحو توفير الحد الأدنى من القوت لتأمين البقاء. هذا ما وصل إليه اللبنانيون حاليا وهم يتابعون بذهول التدهور السريع لعملتهم المحلية، حتى أنهم يتوقعون أن تصل قيمة الدولار لخمسة عشر ألف ليرة. إنه خراب بيوت ودخول عالم اللامعقول. في مثل هذه الوضعية يمكن أن تنهار مختلف القيم والموازين، ويصبح الأمل في العيش المشترك محدودا جدا.
لبنان مثال على أزمة الدولة في العالم العربي، هذه الدولة الهشة التي كلما تزينت وحاولت أن تبدو مقنعة بخطابها ومؤسساتها وبعض التحديث الذي حصل في هذا المجال أو ذاك، إلا وحلت أحداث ومصائب لتزيل القشرة الظاهرة وتكشف ما خفي، فإذا بالأزمة أعمق مما كنا نتوقع، فلا المؤسسات قوية كما ظننا، ولا القانون سيدا في كل الأحوال ويطبق على الجميع دون استثناء أو تمييز، ولا النزاهة معمول بها في العلاقات العامة والخاصة، ولا الحقوق مضمونة ومصانة، ولا القضاء مستقل ونظيف، ولا الصحافة حرة ومستقلة وغير مخترقة من المال الفاسد.
وفي كل مرة تحصل كارثة يستفيق الجميع ليكتشفوا من جديد أنهم يعيشون في وهم، وأن ما اعتقدوا بكونه حقيقة لم يكن سوى طبقات متراكمة من الأوهام والزيف المنمق. الجميع متورطون في بناء قصور الخيال ونسج الوعي الزائف، وإذا كانت النخب متورطة مباشرة في التخطيط لهذا البناء المغشوش، وتوفير الحماية الأيديولوجية والقانونية والدعاية له، إلا أن إنجاز المسرحية واستمرارها رغم رداءتها ما كان ليتم لولا تورط الشعوب وصمتها وانخراطها العملي في تصديق الكذبة، مقابل القليل من الفتاة، واعتقادا منها بأن غدا قد يصبح أفضل. ما حصل في لبنان يحصل في دول عربية كثيرة، الاختلاف بينها في الفارق وفي السرعة وفي الأشكال. يكفي النظر لبلدان مثل اليمن وسوريا والعراق وما يحدث في ليبيا، إنها عينات لتجارب متشابهة في الآليات والنتائج؛ بدأت بالاستبداد والخطابات «الثورية»، وانتهت بالفوضى والتقسيم والحروب الأهلية. انهارت الدول كما تنهار لعب الأطفال أو قصور الرمال التي تقام على الشواطئ.
تنطلق المغامرة بادعاء امتلاك الحقيقة، ورفع أعلام البلاد، وبناء القصر الجمهوري، وادعاء حماية الوحدة الوطنية وصيانة ثروات البلدان، وملاحقة أعداء الثورة والدولة، لكن سرعان ما تتراكم الأخطاء والجرائم والضحايا، فيتصدع البناء وتتفكك الدولة. ويشعر المسؤولون بالخوف عندما تهتز الأرض من تحت أقدامهم؛ بعضهم يغادرون البلاد بحثا عن مكان آمن، تاركين وراءهم دولة منهارة، وقليل منهم من يصمد حتى الرمق الأخير خوفا من مصير مجهول. لكن إذا كان المسؤولون قادرين على الفرار وترك المعبد يسقط وراءهم، فإن الشعوب لا تستطيع أن تهجر أوطانها، لهذا تراها أكثر دفاعا عن الأوطان وأكثر التصاقا بالأرض، حتى لو كانت أرضا محروقة.
لا تصدقوا أن اللبنانيين على استعداد للتنازل عن وطنهم والقبول من جديد بالاستعمار الفرنسي أو غيره، لقد قادهم الغضب المؤقت من نخبتهم الحاكمة فأرادوا أن يغيظوا حكامهم، لكنهم لم يفقدوا حبهم لبلادهم وتمسكهم الشديد بكل شبر من أرضهم، والدليل أنهم كلما حاولت إسرائيل التقدم خطوة نحو الحدود اللبنانية وجدت مقاومة شرسة، وانهزمت في أكثر من مرة أمام شجاعة هذا الشعب الأبي، رغم أن قلة من الأفراد تعاونوا في مرحلة سابقة مع العدو الصهيوني، وقبلوا بأن يقاتلوا أبناء بلدهم تحت الراية الإسرائيلية؛ ظنا منهم بأنهم سيصبحون جزءا من هذا الكيان المغتصب، فماذا كان مصيرهم؟ طردهم المجتمع اللبناني من أرضه، وقاطعهم، ومنعهم من العودة عندما تعامل معهم الإسرائيليون باستعلاء شديد واحتقار أشد. ما حصل في لبنان يشبهه ما أقدم عليه بعض الشبان التونسيين الذي تمكنوا هذه الأيام من الوصول إلى جنوب إيطاليا عبر الهجرة السرية، وعندما قررت السلطات هناك ترحيلهم تجمعوا ورفعوا شعارا مؤلما جدا للتعبير عن رفضهم العودة إلى بلادهم: «خبز وماء وتونس لا»!! لا يعني ذلك أنهم ضد الوطن؛ بقدر ما هي رسالة إلى السياسيين الذين خدعوهم وتخلوا عنهم ودفعوهم دفعا نحو المجهول.
ما يحدث في لبنان يفرض الشروع في تفكير عميق من أجل وضع خطة جديدة تهدف إلى تمكين شعوب المنطقة من فرز مختلف القوى، وإعادة السلطة إليها حتى تمنع النخب من احتكار القرار ومصادرة الثروات والمعرفة من جديد.
{ عربي 21

الصفحات