الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  حكومة «كفاءات» أم «وحدة وطنية»؟

حكومة «كفاءات» أم «وحدة وطنية»؟

حكومة «كفاءات» أم «وحدة وطنية»؟

منذ اللحظة الأولى لاستقالة حكومة دياب بدأ اسم رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في التداول على الساحة، يطرح الرجل شروطه الأساسية، لا جبران باسيل، ولا مشاركة مباشرة لحزب الله وضمان الموافقة السعودية لتوليه المنصب.
فيما باسيل يصر على المشاركة في الحكومة المقبلة رغم كل الظروف والتحديات، بالإضافة إلى منح البرلمان له صلاحيات استثنائية تخوله لعب دور أوسع بعد أن حصل ميشال عون على صلاحيات مخالفة للدستور بحسب أوساط الحريري.
الخلاف الأميركي – الفرنسي.. ليبيا في لبنان
طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مجموعة خطوات تمهد لاستعادة المجتمع الدولي بلبنان وأبرزها استقالة حكومة حسان دياب والإتيان بحكومة إنقاذ وطني تشارك بها كل الأطراف بما فيها حزب الله ولكن بطريقة غير مباشرة.
وتقول مصادر خاصة لعربي بوست إن الطرح الفرنسي كان يقتضي أن يشكل الحريري حكومة وحدة وطنية دون مشاركة الوزير جبران باسيل بكونه يستفز العديد من الأطراف في المعارضة السياسية والشعبية.
لكن الطرح الأميركي لا يريد حكومة يشارك فيها أي طرف سياسي، ويشمل الطرح الأميركي أن يتولى السفير والقاضي نواف سلام والذي شغل منصب سفير ومندوب لبنان الدائم في الأمم المتحدة والقاضي اللبناني في المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري والذي يحظى بدعم أميركي وسعودي، حكومة مستقلين وكفاءات وعدم السماح بمشاركة حزب الله لا بطريقة مباشرة ولا غير مباشرة بالإضافة للتيار الوطني الحر.
الرغبة الأميركية اصطدمت بمعارضة فرنسية فبحسب مصدر دبلوماسي فإن باريس ممتعضة من واشنطن على دعمها لتركيا في ليبيا ولن تسمح بأن تفقد حضورها في لبنان بكونها الطرف الغربي الوحيد الذي يحظى باحترام الأطراف السياسية بما فيها حزب الله، إذن فإن باريس متمسكة بطرح حكومة الإنقاذ برئاسة الحريري.
اجتماع ليلي ووعود صباحية
عقب استقالة دياب زار بري كل من الوزير جبران باسيل والمعاون السياسي لأمين عام حزب الله حسين خليل، واتفق الحاضرون على أن لا حكومة حيادية كما تطالب بها واشنطن وأن ‏لا انتخابات «مبكرة وأن أولوية الأطراف لحكومة وحدة وطنية.
لكن باسيل تحفظ على رفض الحكومة الحيادية وأنها ستبقى قيد النقاش، أجرى بري جملة اتصالات بعد الاجتماع ومن ثم تواصل مع سعد الحريري، لإبلاغه بأن أي تمثيل في الحكومة يمكن أن يكون قابلاً للنقاش وأن تسمية وزراء غير سياسيين مطروحة، فيما يتم العمل على صيغة لتجنّب عرقلة باسيل وعون، وترك الحديث حول الصلاحيات الاستثنائية إلى مرحلة لاحقة بعد الاتفاق على الشروط.
باسيل ونواف سلام والتغيير الغريب
حين طرح الشارع اسم نواف سلام لتولي حكومة ما بعد تظاهرات 17 أكتوبر، رفض حينها باسيل الطرح واعتبره فرضاً فجاً على السيادة، لكن ومع طرح اسم سلام تلقف باسيل الاسم وأبدى إمكانية للذهاب في تسمية الرجل بكونه يحظى بدعم أميركي وسعودي.
وبحسب مصادر مقربة لباسيل فإن الأخير يسعى في تسمية سلام لعدة أسباب أبرزها إعادة تعويم نفسه أمريكياً، وعربياً أنه يعارض حزب الله في خياراته وقطع الطريق على تسمية الحريري فباسيل وبحسب المصدر مازال ممتعضاً من الحريري بعد فك التحالف بينهما، كما يسعى باسيل بتسمية بالضغط على حزب الله للحصول على حصة أكبر في الحكومة القادمة.
زيارة هيل
تتحدث مصادر حزب الله أنه وفي مقابل القرار الدولي، هناك قرار في لبنان بثوابت واضحة أن الحزب لن يقبل بنواف سلام، وأن حكومة حيادية كما تطرحها واشنطن لن تمر وأن الحزب ملتزم بحكومة وحدة وطنية برئاسة الحريري أو من يسميه، فالحزب وبحسب أوساطه حريص على الحريري وأعطاه ضمانات بعدم الخوض في لعبة الأسماء سوى بالتنسيق معه وعلى وقع شروط حزب الله، سيزورالمبعوث الأميركي ديفيد هيل بيروت اليوم حاملاً معه ملفات حساسة كترسيم الحدود، والمحكمة الدولية وصواريخ حزب الله، وحول الحكومة تقول مصادر دبلوماسية خاصة لعربي بوست إن هيل سيبلغ المعنيين أنه ملتزم بنواف سلام وأن أي معرقل للحكومة ستشمله عقوبات أميركية موجعة.
لعبة التسمية
حسمت الأطراف أن لا انتخابات مبكرة برلمانية، لكن ومع لعبة الأسماء لتشكيل الحكومة فإن الأوساط السياسية تؤكد أن القوى ستصطف بين مؤيد لتسمية الحريري وأخرى لسلام، فالتيار الوطني الحر والقوات وبعض النواب المستقلين متمسكون بالخيار الأميركي بتسمية سلام، فيما حزب الله وحركة أمل والاشتراكي يدعمون الحريري، وبانتظار موقف الحريري من القبول والرفض والخضوع للخيار الأميركي.
وترى أوساط مقربة من الحريري أن كتلة المستقبل رهينة قرار الحريري وتموضعه في المرحلة المقبلة، فالحريري يقود تياراً متشظياً وساحة سنية متصارعة، لاسيما أنه متوجس من شقيقه بهاء الناشط مؤخراً في ساحة المستقبل، ويعيش هاجس الدعم التركي للجماعة الإسلامية، وهذه المعطيات ستؤثر بحسب مقربين على موقفه. على صفة القانون الانتخابي الذي سيكون حديث الحكومة القادمة كان الرئيس نبيه بري قد عقد اجتماعاً لكتلة حركة أمل التي دعت السلطات القضائية المختصة التي أنيط بها التحقيق في تفجير المرفأ، للعمل من أجل الوصول إلى الحقيقة كاملة وإنزال القصاص في كل من يثبت تورطه، سواء كان مسبباً أو مقصراً أو مهملاً أو متواطئاً في أي موقع كان.
وطالبت الكتلة بالإسراع في تشكيل حكومة جامعة وإقرار قانون للانتخابات النيابية على أساس لبنان دائرة واحدة خارج القيد الطائفي، وإنشاء مجلس للشيوخ.
وترى أوساط بري أن نقاش قانون الانتخاب سيأخذ حيزاً مهماً من مجريات التفاوض حتى في خضم المفاوضات على تشكيل الحكومة الجديدة، وحسب المعطيات فإن التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية يفضلون البقاء على القانون الحالي، بينما هناك توافق بين بري وحزب الله وجنبلاط والحريري على تغيير هذا القانون.
في المحصلة، ورغم كل المحاولات والمبادرات الدولية لتخفيف حدة الطائفية والتحزبية التي تحكم لبنان، إلا أن طرح رئيس جديد للوزراء لا يزال يحمل نفس الفكرة، فكل فصيل يؤيد من يتوافق معه، وكل دولة ترعى من يخدم أجندتها، بغض الطرف عن الصالح العام لمن يخدم الشعب اللبناني.
نبرة تشاؤم
ويرى إيلي عقيقي (مهندس معماري، 27 سنة) أن استقالة الحكومة لا شيء، إذ إن الحكومة السابقة استقالت، فعادت الطبقة السياسية وأنتجت حكومة على مزاجها، والإشارة هنا لحكومة سعد الحريري التي استقالت في أعقاب الاحتجاجات الشعبية منذ 17 أكتوبر (ثورة تشرين، بحسب قادة الحراك).
بينما تقول غيتا مشيك (24 سنة، مشاركة في معظم الاحتجاجات)، إن استقالة حسّان دياب، كانت معروفة ومتوقعة، وهذا السبب هو الذي أدى إلى زيادة الزخم والضغط على مجلس النواب في الأيام السابقة. وقال عقيقي للأناضول: نريد سلطة بكاملها، تكون جديدة وتمثلنا، بدءاً من الرئاسات الثلاثة: الجمهورية، والحكومة، والبرلمان، ويشير عقيقي إلى أنه يتوجّب محاسبة جميع المسؤولين الحاليين والسابقين، على ما حصل في المرفأ، وعلى ملفات الفساد الأخرى المستشرية في لبنان، مضيفاً: نريد قانون انتخابي عصري وعادل.
استقالة الحكومة انتصار للثورة.. ولكن
وترى ليال سبلاني (24 سنة، متخرجة حقوق) أنّ استقالة حسان دياب تلبي طموحات الثوار، وقالت للأناضول: هؤلاء الوزراء هم الأقل مسؤولية، عما حصل في المرفأ، وعن الانهيار الذي أصاب لبنان بشكل عام، مضيفة أن المشكلة الأكبر هي في مجلس النواب ورئاسة الجمهورية، موضحة أن هاتين السلطتين، لا تلبيان طموحات المواطنين، فهم مجرمو حرب أهلية ويقودون البلد، حسب وصفها.
لذلك تقول ليال إن الهدف الكبير هو محاسبة رئيس الجمهورية (ميشال عون)، ورئيس مجلس النواب (نبيه بري) والنواب، وجميع رؤساء الحكومات السابقين.
والإثنين، أكد نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي، في تصريح صحفي، أنّ هناك جلسة ستعقد (اليوم)، وستكون لنقاش الجريمة المتمادية بحق العاصمة والشعب، والتجاهل الكبير لعناصر هذه الجريمة.
«كلن يعني كلن»
محمد شما (26 سنة، موظف مصرف)، ابن مدينة طرابلس الذي يقصد بيروت بين حين والآخر للاعتصام، يرى أنّ هذه الاستقالة جاءت متأخّرة، ويقول للأناضول: استقالة حسان دياب، كان يجب أن تحصل ليلة الانفجار، أو في اليوم التالي على أبعد تقدير.
ويشير إلى أنّ هذه الاستقالة لم تأتِ استجابة لطلب الثوار، بل لأن السلطة السياسية لم تعد تريدها، وبالتالي سقوطها متفق عليه، ويشدد شمّا، على شعار «كلن يعني كلن»، ويلفت إلى ضرورة إسقاط رئيس الجمهورية والمجلس النيابي.
أما لوران يونس (32 سنة، مهندس ميكانيكا)، فيرى أنّ حكومة دياب كانت حكومة سياسية بحتة، ولم تكن حكومة تكنوقراط، وهذه الحكومة، بحسب لوران، فشلت في العديد من الملفات، كضبط سعر صرف الليرة، والتعامل مع أزمة كورونا، لافتاً إلى أنّ المطالب الشعبية واضحة، وهي تشكيل حكومة خالية من التمثيل السياسي، إعداد قانون انتخابي جديد، محاكمة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة من خلال قضاء مستقل، ويشير إلى أنه ضد إسقاط المجلس النيابي، لأن ذلك سيؤدي إلى انتخابات نيابية على القانون السابق، وستعود الطبقة والوجوه نفسها، حسب رأيه.
القادم يبدو مجهولاً
ويرى محللون أن استقالة حكومة دياب التي كانت قد تشكّلت في 11 فبراير الماضي جاءت نتيجة سوء تعاطيها مع التفجير، بالإضافة إلى غياب إدارة ومعالجة المشكلات الاقتصاديّة التي تعاني منها البلاد، وقال الكاتب والمحلل السياسي، علي حمادة، إنّ خطاب استقالة حكومة دياب هو نموذج متجدّد من النماذج التي سبق وقدّمها في محطاتٍ عدّة خلال ولايته كرئيس حكومة.
والإشارة هنا لتحميل دياب جهات لم يحددها مسؤوليّة الفساد، وردّ حمادة بالقول إنها المرّة الثالثة التي يخاطب فيها الشعب اللبناني ويوجّه اتهامات سطحيّة، من دون تسمية، مؤكدًا أنه يتحاشى تسمية الجهات التي تحدّث عنا.
وعن تفسيره إقدام دياب على هذه الخطوة، أجاب: هناك أكثر من تفسير، الأول هو نوع من الديماغوجيّة الخطابيّة لصرف الأنظار عن فشل الحكومة بمعنى وضع اللوم على الآخرين بالفساد والعرقلة، أما التفسير الثاني، وفق المتحدث، أن خطاب الاستقالة مجرد كلام خطابي وليس عمليا، لأنّه يتوجه به إلى اللبنانيين من دون حقائق ووقائع ملموسة.
وشدّد على أن استقالة حكومة دياب التي يجمع الشعب اللبناني على تسميتها حكومة حزب الله أو تحالف حزب الله والتيار الوطني الحرّ، يعني أنها قد انهارت، وانهيارها جاء في أعقاب انهيار البلد اقتصادياً، مرفقاً مع سوء التعامل مع انفجار مرفأ بيروت.
من هو البديل لدياب؟
وفي السياق ذاته توقّع الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين أنه من الصعب معرفة من هو البديل عن حسان دياب في الوقت الحالي«، وقال للأناضول: هناك إصرار من المنتفضين على فكرة الحكومة المستقلة وهذا ما ترفضه القوى السياسية الأساسية، وربما هم الأقرب إلى فكرة حكومة الوحدة الوطنية. وحسب الأمين، فإنّ دياب لم يكن يرغب في الاستقالة والأقرب بالقول إنه أقيل، ولدى سؤاله عن من قصد دياب خلال خطاب الاستقالة بالفاسدين، ردّ الأمين: كلام دياب من دون مصداقيّة لأنّه لم يصل إلى رئاسة الحكومة من خلفيّة نضاليّة، إنما جيء به من خلال هذه المنظومة التي يعتبرها فاسدة.
واستطرد: دياب لا يسمي الفاسدين لأنه يدرك أساساً أنه وافق على دخول الحكومة من قِبل هذه المنظومة وشروطها وبموقف انقلابي على ثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر 2019)، وكشف الأمين أنّ دياب يلمّح بالأطراف السياسيّة التي يراها فاسدة وهي سعد الحريري، نبيه بري، ووليد جنبلاط (السياسي البارز).
وحول المرحلة التي يتجه إليها لبنان بعد الاستقالة، رأى الأمين أنّ الفترة المقبلة هي فترة ترقب وهي مرتبطة بعوامل عدّة بالدرجة الأولى الحكومتين الأميركيّة والفرنسيّة وأي حكومة تؤتمن على المساعدات، وأكمل: كما ترتبط بمسار الانتفاضة والتحركات في الشارع وإن كانت ستقبل بصيغة التسوية في حال تشكلت حكومة من سياسيين وناشطين، مرجحاً أن الحكومة المقبلة لن تنضج بشكل سريع.
من جهته، رأى الصحفي طوني بولس أن سقوط حكومة دياب هو انتصار لثورة 17 تشرين، لأن هذه الحكومة أتت لتغطية حزب الله والتيار الوطني الحرّ وسقوطها يعني خسارة استراتيجيّة للامتداد هذا.
وفي حديثه للأناضول، قال بولس: من الواضح أنّ الغطاء الشرعي لحزب الله بدأ يتزعزع في هذه المرحلة، وبدأت الأمور بانكسار الحكومة، وقد تستكمل لاحقاً عبر تقصير مدّة المجلس النيابي أو حتى ضغط باتجاه استقالة رئيس الجمهورية، وأضاف: عندما يتحدّث دياب عن فاسدين، هو فقط لإلقاء المسؤوليّة على عاتق غيره، رغم أنه يتحمّل جزءاً من الفساد، سواء بإدارته البلاد لمدّة 7 أشهر، أو بإدارته لملف التعيينات الإدارية.

الصفحات