الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  اليرموك.. وأبو خليل عيلبوني

اليرموك.. وأبو خليل عيلبوني

علي بدوان كاتب فلسطيني
لايزال شعبنا الفلسطيني في كل مواقعه على امتداد أرض فلسطين وفي الشتات، يعيش أوجاع قضيته الوطنية، في سفر الصمود والثبات، قاطعاً العقود المتتالية من الصبر العظيم، ومن محنة البقاء، حافراً طريقه بأظافره في دنيا العرب، وفي عالم مازالت تسوده شريعة (حق القوة) في مواجهة (قوة الحق).
محنة فلسطينيي سوريا، محنة مخيمات وتجمعات شعبنا الفلسطيني فوق الأرض السورية، وخاصة في: اليرموك... كانت ومازالت قاسية جداً، ومازال قلب الشعب الفلسطيني ينبض ويخفق بالحياة، ويدق على وقع صخب الدنيا في عالمٍ يموج ويضطرب، وسيبقى كذلك مادامت هناك مضغة في رحم أمٍ فلسطينية.
نستذكر المرحوم العم أبو خليل عيلبوني الفلسطيني حتى نخاع العظم، والرمز الصارخ من رموز أجيال النكبة بين أبناء اليرموك وأهله، المسيحي المؤمن بالإخاء والمحبة وعدالة قضية شعبه.
ونستذكر مع العم المرحوم أبو خليل، أبناءه وبناته الذين كانوا على الدوام من نشطاء العمل الوطني في مخيم اليرموك، ومنهم: المرحوم كميل عيلبوني الناشط الألمعي في كشافة فلسطين وحركة فتح. وميلاد عيلبوني الرسام والخطاط والفنان الذي ملأ شوارع اليرموك بلوحاته الجدارية، وكان آخرها لوحة (فلسطين اليوم لاغداً)، ومدرس الرياضيات ميخائيل، وناصيف، وخليل، وعبد الله.
نستذكر العديد من العائلات الفلسطينية المسيحية في مخيم اليرموك: عائلة عيلبوني من مدينة طبرية، عائلة حتله من مدينة اللد، وعائلة الطرزي من غزة، من مدينة اللد، وعائلة قبطي من مدينة يافا، وعائلة مريش من مدينة عكا، وعائلة خشيبون من طبرية...
الجميع عاشوا في مخيم اليرموك، بوحدة وطنية حرارتها عالية، وحدة تَجمّع ولاتُفرق، توّحد ولاتُشتت. فكانت محبتهم تدوي في قلوب الجميع. وكما تُشير الأخت ناديا عيلبوني «العم أبو محمود رحمه الله.. أراه وهو يطرق باب بيتنا حاملاً معه شجرة عيد الميلاد..تفتح أمي الباب ويطل أبي من ورائها، يلقي تحية الصباح وهو يمد يده بشجرة الصنوبر الصغيرة إلى أمي: كل عام وأنتوا بخير خيتا أم خليل.. كل عام وأنت بخير خيّا أبو خليل..هاكم شجرة الميلاد...ذهبت مع مطلع الفجر، مع أخوي أبو السعيد لمزرعته خصيصا لجلبها لكم..عيد مبارك..انشالله العيد الجاي بطبرية وعيلبون...!!»,
وفي مقطع آخر من مادة منشورة كتبتها ناديا تقول «اليوم الذي جاء فيه الكاهن إلى بيتنا ليبلغنا بأن الكنيسة ستعطينا بيتا لنكون بقرب ابناء الطائفة وابناء الكنيسة، والبيت هو في باب مصلى (حارة التيامنة) التي تسكنها غالبية مسيحية. أبي لم يعط موافقته. وطلب من الكاهن مهلة للتفكير، وما أن خرج الكاهن، حتى هز أبي رأسه معلنا رفضه للفكرة. قال ابي بالحرف الواحد، وماذا أنا في باب مصلى..مجرد إنسان نكرة ومجهول مع أناس لا يجمعني معهم شيئا سوى الدين، لا عمي ما بدي، أنا هون بين أهلي وناسي، بفهم عليهم وبفهموا علي، بعرف وجعهم وبعرفوا وجعي. إذا قلت أخ يا راسي بلاقي الكل حوالي. أما أخي ناصيف فقد صفق باب البيت خارجاً وهو يردد بحزم وغضب قائلا: مين قاله للخوري انو احنا بدنا ننتقل؟ اسمعوا.. أنا سمكة والمخيم بالنسبة إلى هو المي، وشوفوا شو بصير بالسمكة لما تطلع من المي. وعندما جاء دور أمي للحديث قالت: لا بدنا نروح ولا بدنا نيجي، هادا هو مطرحنا من هلأ لنرجع لبلادنا، انا بصراحة بقدرش بدون ام العبد وام محمد وام محمود هدول هني أهلي يلي الله عوضني فيهم عن أهلي البعاد».
عندما توفي العم أبو خليل تم تشييعه في مخيم اليرموك بجنازة مهيبة، قال فيها المطران «ليت رعيتي أَحبتني كما أَحبَبَ اهل اليرموك أبو خليل».
ملاحظة: دارت الأيام، لأعلم أن ابن خالتي في فلسطين، في مدينة حيفا الدكتور (ماجد الخمرة) قد تزوج عام 1985 (عبلة زريق) وأسس معها عائلة فلسطينية داخل عمق الوطن المحتل في حيفا في حي وادي النسناس، ولم تكن عبلة سوى ابنة أخت أم خليل عيلبوني، التي بقيت في فلسطين بعد النكبة، فتصاهر الداخل والشتات.
بقلم: علي بدوان

الصفحات