الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  الموت .. وهمـــــاً

الموت .. وهمـــــاً

منال عمر عبده
كاتبة سودانية
احتجز أحد العمال في داخل ثلاجة لتبريد اللحوم في أحد المصانع ولم يستطع أن يخرج نتيجة إغلاق الباب من الخارج وقد حاول العامل طلب الاستغاثة لكنه لم يفلح في ذلك وسيطر الذعر على العامل أكثر عندما تذكر أن هناك يومين عطلة لن يأتي فيهما العاملون إلى المصنع وعرف انه سوف يلقى حتفه داخل الثلاجة من البرودة، توقف تفكيره عن العمل وسيطر عليه شبح الموت وفعلا بعد يومين وجد العامل ميتا داخل الثلاجة برغم أن الثلاجة كانت مفصولة من الكهرباء قبل فترة...
إن التفكير السلبي يسبب حالة من عدم الاتزان وهو التوجه نحو الوهم السلبي بحدوث بشيء معين...
الوهم هو كل تفكير أو تخيل لا يوجد له أصل أو دليل ومع ذلك يقنع صاحبه بوجوده، هذا الوهم يتسبب في ضعف العزيمة والإحباط نتيجة وضع المرء لجبال وهمية تفصله عن مواصلة حياته والنجاح فيها، وقد يصل التفكير في الوهم إلى الموت كما حدث مع العامل، أو المـــــــــــرض اذا أقنع نفسه بما يمكن أن يصيبه بسوء....
إن التفكير السلبي هو نوع من أنواع الوهم، إذ يتوهم الشخص أن كل شيء سيكون على أسوأ حال والمشكلات لن تزول فهذه النظرة التشاؤمية تنغرس في داحل الإنسان فتحوله لمرض نفسي يملأ صاحبه بالاكتئاب والإحباط والقلق فينزع من نفسه الطمأنينة والسكينة....
إن أعمال الناس تأتي نتيجة لما في نفوسهم من المعتقدات والأفكار لذا قيل (إن الناس أسرى بأفكارهم ومعتقداتهم) إن الوهم ضرب من الاعتقاد بمعنى أن الإنسان إذا توهم أمرا من الأمور في الحياة دفعه هذا الوهم لاتخاذ مواقف معينة وسلوك محدد ويتفق نصا وروحا مع ما يمليه هذا الوهم، فمن الوهم صار عقيدة بالنسبة اليه ولو لفترة مؤقتة...
إن خطر الوهم قد يجر صاحبه إلى المهالك، قد يفقد ماله، أو يذهب أهله، فكم شتت الأوهام من طاقات وبددت من جهود وعطلت من أعمال....
نجد أن من أسباب التعلق بالأوهام خداع الحواس، فحواس الإنسان مثل السمع أو البصر قد تخدعه ويتوهم شئيا غير موجود أصلا فيتوهم صوتا يسمعه أو شبحا يراه، وقد يستخدم السحرة هذه الأوهام للسيطرة على ضحاياهم...
نجد أن من الوهم قد يؤثر على مجتمع كامل مثل وجود خرافة الغولة أو النداهة التي تنتشر في المجتمعات القروية وتتناقلها الاجيال، وقد يستغلها بعض ضعاف النفوس لتحقيق مصالحهم والسيطرة على هذه المجتمعات بانتشار الخوف في النفوس، فالوهم له تداعيات كبيرة في عدم تقدم هذه المجتمعات...
نجد أن هناك الوهم بالمرض الذي يؤدي بصاحبه للهلاك، حيث يتخيل الإنسان أنه مصاب بمرض عضوي مهما أخبره الأطباء بسلامته لا يصدقهم....
كما نجد أن مصائب الحياة من الأسباب التي تعزز وجود الوهم، فمن الناس من يفقد عمله أو منزله أو عزيزا لديه يقع فريسة الوهم بعجزه عن مواصلة البحث عن أفكـــــار واقعية لمشاكله، فيقع في مستنقع الحزن والوهم...
هناك كثير من الاشخاص قد يكونون حساسين، فمتابعة أخبار الكوارث والحوادث والجرائم هي أسباب تحفز الوهم والخيالات المرضية في ظل ضغوط الحياة التي نعيشها، ذلك كله يعمل على تحليل ارتباط الشخص بالواقع وتعزيز الأوهام والهلوسة....
إن سلاح المعرفة هو الحل الناجع إلى الخروج من دائرة الوهم، وذلك أن الإنسان يتخلى عن التحليلات المفرطة وان يتجه إلى النشاطات الرياضية والانخراط في المجتمع والتعامل معه بسلاسة والتقرب من الله أكثر وعدم الانعزال والهروب....
أيضا من أسباب حدوث الوهم عند الإنسان قد يكون نتيجة اكتساب خبرات طفولية من الأم أو الأب في حال كان أحد الطرفين يعاني من الوهم المرضي، لذا نجد أن عملية التنشئة وتكوين شخصية الطفل لها أثر في تعزيز هذا الإحساس....
قد يكون لإحساس الإنسان بالعجز والفشل قى حياته الاسرية أو العملية أو الاجتماعية أو بسبب شعوره بالنقص وعدم ثقته بنفسه كما أن فقدان الحب والحنان والحرمان العاطفي حيث يظهر بكثرة عند كبار السن نظرا لحاجتهم الملحة للعناية وجلب الانتباه...
إن القلق النفسي والشعور الدائم بالعدوان المكبوت هو سبب من أسباب الوهم، لأنه قد يتحول إلى محاولة لمقاومة هذا الصراع، فالهروب إلى الوهم من كل هذه المشاعر يعتبر خطوة ملموسة لتحويل الصراع الداخلي غير الملموس إلى خطوات ملموسة تتمثل في أعضاء الجسم...
فنجد أن الوهم ما هو الا وسيلة للهروب للتخفيف من الضغوط والمشاكل الأسرية أو العاطفية أو المادية ونسيان ذكريات مؤلمة إلى الهرب من الفشل الذي يلاحقه نتيجه غياب الملامح والخطوط العريضة لمسارات حياتنا....
علينا مواجهة فشلنا وأن لا نهرب منه بالوهم، فمواجهة النفس والظروف الصعبة والاعتراف بكل ما هو مؤلم وان نعيش لحظاتنا من ألم وضيق لأنه مهما طال الليل لابد أن يأتي الصبح....
إحدى النظريات تقول أن تجاربنا تعتمد على توقعاتنا أي اننا إذا أقنعنا أنفسنا بأن الألم غير موجود فإن العقل سيستجيب لهذا الاعتقاد، الأمر الذي يؤدى لتخفيف الألم...
إذا كان أثر الوهم السلبي كبيرا لهذه الدرجة لدى الإنسان فلماذا لا نتحول إلى الوهم الإيجابي بأن نتخيل الأفضل ونظن الأحسن لحياتنا...
إن ما نفكر فيه تفكيرا مركزا في عقلنا الواعي ينغرس ويندمج في خبرتنا وإن ما نعتقده سيتحول إلى حقيقة عندما نمنحه مشاعر وروحا، وكلما اشتدت قوة اعتقادك ارتفعت العاطفة التي تضيفها إليها تعاظم تأثير اعتقادك....
يظل الاشخاص الذين يشعرون بالوهم الإيجابي ناجحين وسعداء لأنهم محتفظون على الدوام باتجاه نفسي مليء بالتفاؤل..
إن الوهم الإيجابي ليس محاولة لتزيف الحقائق، إنما تجاهل لمواقف الحياة الأقل متعة، إن توقع الأفضل هو الطريق لحياة أفضل، فالوهم الإيجابي هو عزيمة فولاذية لتحقيق ما تراه بعين عقلك....