الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  لئلا تنقطع المروءة !

لئلا تنقطع المروءة !

سليمان قبيلات كاتب أردني
يقول مرة بن ذهل لابنه شرحبيل: لا تعد على مسامع الناس ما قلته لي لئلا تنقطع المروءة بين العرب!
كان الزعيم البكري، ينهر ابنه عن منطق الاستهانة بقيمة إغاثة الملهوف، أو لي ذراع معنى هذه القيمة لتحقيق غرض تنهى عنه العرب، فلا يحق بلوغه على طريقة الغاية تبرر الوسيلة؛ إذ استجاب شرحبيل لإغواء أخيه جساس له بسرقة حصان الزير سالم، مع بدء حرب البسوس بين تغلب وبكر.
احتال شرحبيل على الزير سالم، بدعوى اعتزاله الحرب، فجاءه مستجيرا منه إليه. حتى أن المهلهل أبدى إعجابه بمنطق شرحبيل وهو يمثل بين يديه طالبا السلامة الشخصية، من حرب الثأر والانتقام التي طاولت عقودا أربعة، على ما يؤكد المؤرخون. أجار المهلهل الملهوف الذي امتطى قيمة المروءة لسرقة حصان الزير الجامح.
المنطق الذي حكم عقل مرة بن ذهل وهو المنكوب بحرب الزير، لم يحد عن صراط القيم التي صاغتها أمة كان يبدو أن تشكلها النهائي يوشك على البروز إلى ساحة التاريخ. أسرفت نجد وهي تمنح التاريخ قيم العرب، وإن لم يغادروا صيغة القبيلة، بصفتها مظلة سياسية وجغرافية؛ أي كأنما تقوم مقام الدولة في حراسة الوجود العربي من الغزو الخارجي.
بهذه المنظومة الأخلاقية، بلغت القبيلة العربية، الإسلام، الذي جاءها بفكر الدولة المركزية، منقذة الكل العربي، من غلواء الفردية والهوية المحلية، ومن العدوان الخارجي المتمثل بامبراطوريتي فارس والروم والأحباش كذلك. لقد اكتشف العرب بالإسلام، كم كانوا مغيبين عن المسرح العالمي، وكم كانت أرضهم نهبا لطمع الجيران، فضلا عن انتظام علاقتهم الداخلية على أسس قانونية جديدة لبت ما تدعو إليه قيمهم.
لم تدع القبيلة العربية مجالا لخصوماتها وتنافسها مع سواها من القبائل، أن تنحرف عن السوية الإنسانية التي أبدعت قيما صارت بمثابة أعراف وقوانين تضبط إيقاع حياتها، على الرغم من الحروب والصراعات القبلية وكذلك الحروب على مصادر الرزق والنفوذ.
لقد استثمر بناة الدولة العربية الإسلامية في هذا المحمول الغني في النفس العربية، فكان ممكنا لهم أن يبلغوا أهداف الدولة الجديدة، ورسالة الإسلام في تجاوز الأسباب صغيرها وكبيرها التي كانت تفجر الحروب والاقتتال. صحيح أن هذه الصراعات لم تتوقف كليا، إذ هذا لا يتحقق إلا في عملية تاريخية، تهضم الاجتماع العربي في مجموع ينبذ نهائيا أسباب الفرقة والصراع التي كانت مهيمنة قبل الإسلام.
وقد شهد تاريخ الدولتين الأموية والعباسية، انحيازات قبلية للتيارات المناوئة للدولة، وهنا لا بد من ذكر انخراط بني هلال النجدييين في خدمة الحركة القرمطية التي كادت لدولة العباسيين، الذين أفسحوا فرصة لتسلل فئات غير عربية الهوى إلى السلطة، فتستبد في الرأي والممارسة السياسية، ضد العنصر العربي الذي كان يعتقد أن الدولة القائمة دولته.
يعي المتتبع لتاريخ القبيلة العربية، أنها أسهمت إيجابا وسلبا في خط بناء الدولة المركزية، لكنَه لا يستطيع أن يغفل أن نفوذ العنصر غير العربي، الذي وجد في قصور الرؤية السياسية لدى مركز السلطة، منفذا لتحقيق هدف التفتيت وبث سوس التخريب الداخلي، وهو ما أتى أوكله في تقسيم الدولة إلى إقطاعات بين الأسر الأجنبية التي استحوذت لاحقا على كل مرافق السلطة فهدمتها نهائيا.
تلك الأسر، وإن كانت مسلمة، فإن غالبيتها لم ترعوِ وهي تقدم على تفتيت الإمبراطورية العربية، وباسم الإسلام عادة، إذ هي لا تعرف معنى القيم التي صاغتها القبيلة العربية خلال تحولاتها التاريخية صوب فهم الدولة والانخراط نهائيا في خدمة مشروعها الحضاري. كان مرة بن ذهل، يضع قانونا للعرب في قولته تلك، وقد التزمته غالبيتهم، في حين أن العنصر الأجنبي المتسلل إلى قلب الحكم، لم يكن ليتردد في أن يضرب بكل القيم التي آمنت بها العرب وقادتها إلى بناء الدولة.

الصفحات