الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  صناعة التفاهة

صناعة التفاهة

صناعة التفاهة

محمود إبراهيم سعد
هل حقًّا تحولت التفاهة من مزحة إلى صناعة؟! لقد ابتُلينا في الآونة الأخيرة بمشاهير يجتهدون ليل نهار ؛ لصناعة التفاهات والسخافات من خلال بعض الأعمال التي يقومون بتصويرها ونشرها للعوام من الناس، مستخدمين في ذلك مختلف وسائل التواصل الاجتماعي الإلكترونية؛ فهؤلاء يستخدمون تكنولوجيا الاتصال والتواصل المختلفة في بث سمومهم ونشر سيئ أفكارهم وتفاهتهم من خلال هذه الأعمال التي تدخل بيوتنا دون استئذان منا!، وقد ذاع صيت بعض هؤلاء الأشخاص ممن تفرغوا لصناعة التفاهة وتسطيح المواضيع والمفاهيم المختلفة، في الوقت الذي كان يفترض أن يصل فيه الإنسان إلى أعلى مراتب التقدم والتطور الفكري والحضاري في ظل التطور التكنولوجي والعلمي الذي شهدته البشرية مؤخرًا. والسؤال المهم الآن: ما السر وراء انتشار تلك السخافات والتفاهات المصورة والمسموعة والمنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة؟
الإجابة ببساطة شديدة هي أنَّ هذه الأعمال والفيديوهات المصورة أصبحت بمثابة تجارة سهلة ومربحة للغاية، وأضحت اليوم من بين أهم مصادر الدخل والثراء الفاحش وأسباب الشهرة بالنسبة للعديد من الأشخاص عبر العالم، وتحولت حرفيا إلى حرفة مريحة ومربحة جدًا؛ فهذه الصناعة لا تحتاج سوى محتوى تافه وساخر وخفيف وعديم الفائدة، ثم يقدم للجمهور ليتناولوه بشراهة من خلال عمليات الإعجاب به أو التعليق عليه دون وعي منهم بما يجنيه بعد ذلك صناع تلك التفاهة الساخرة من مكاسب مادية كبيرة جدااااا، بالإضافة لتحقيق أصحابها شهرة واسعة دون كلل أو تعب على الإطلاق.
ولذا نجد أرباب تلك الصناعة يظهرون علينا ليل نهار بفيديوهاتهم وأعمالهم المرئية والمسموعة التي يقدمون من خلالها أمورا ما أنزل الله بها من سلطان، وهي أمور غير مفيدة بالمرة، بل قد نجد أن بعضها قد يخدش الحياء أيضا ؛ فتارة نجد هؤلاء يشرحون لنا بطريقة سخيفة تفاصيل تفاصيل أيام حياتهم ويعرفوننا بأدق لحظاتها، ويستعرضون لنا خصوصياتهم التي لا شأن لنا بها من الأساس، وتارة نجدهم يعلقون على كثير من الأحداث والقضايا دون علم أو وعي منهم، فالمهم بالنسبة لهم هو زيادة أعداد المشاهدات والتعليقات والإعجاب بما يقومون بنشره ؛ لأن ذلك هو أساس الربح المادي الذي يحصلون عليه، ولذا نجدهم يظهرون علينا ليل نهار ويطلعوننا على حياتهم وكأنهم أصبحوا مركز الكون، وبدونهم تتوقف الحياة ويهلك البشر!!
ولعلنا نلاحظ إدمان بعض الأفراد لمشاهدة ومتابعة تلك الأعمال وترقبهم لظهورها عبر قنوات التواصل الاجتماعي المختلفة، وهذا هو سر قوة أرباب تلك الصناعة وسر تواجدهم على الساحة؛ فكلما زاد عدد المتابعين وزاد عدد الاشتراكات في تلك القنوات التافهة وزادت التعليقات و«اللايكات والشير» كلما زاد حماس وجهد هؤلاء لصناعة محتوى أتفه من الذي قبله، وهذا ما خلق منافسة شديدة بين رواد هذه الصناعة حيث أصبح أتفه محتوى يصنع قاعدة جماهيرية وشعبية كبيرة من خلال حجم المشاركات والمشاهدات التي تعدت المليونيات.
إن الخلل الحقيقي لا يكمن في هؤلاء، بل يكمن في الجمهور الذي يشجع ويدعم هذا النوع من الصناعة، ويحتضنها ويؤيدها ويروج لها، وبذلك يصبح لهؤلاء اليد الكبرى والحصة الأعظم في الانتشار، على حساب صنف آخر من الناس يجدون صعوبة بالغة في جذب الجمهور إليهم رغم أن المحتويات العلمية والعملية التي يقدمونها أنفع وأهم بكثير لنا مما يقدمه غيرهم على نفس هذه القنوات مثلا.
ولعلنا نلاحظ أن هذا التشجيع أو التغني بصناعة تلك التفاهات والمواضيع الساخرة زاد عن حده بصورة كبيرة تجعلنا نقول: إننا نتجه نحو مستنقع الجهل وهدم الحضارة وتقويض العلم والثقافة والأخلاق، وهي أمور حتما ستؤدي لانهيار المجتمع وجرف الجميع إلى مستنقع التفاهة والسخافات، الأمر الذي سيؤثر حتما على تربية أطفالنا ويعيق عملية إعدادهم كي يكونوا جيلا عالما متعلما فاهما وواعيا وقادرا على مواجهة تحديات المستقبل المختلفة. ولذا أقول لهؤلاء: لقد صنعتم فقاعات زائفة فارغة المحتوى عقيمة الأثر، وظننتم أنفسكم مؤثرين فظلمتم وظلمتم؛ فاستقيموا يرحمكم الله!