الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  لبيــد البليـد!

لبيــد البليـد!

سليمان قبيلات كاتب اردني
أطلقت الزهراء أخت كليب بن وائل التغلبي، غداة إهانتها على يد زوجها لبيد الغساني عامل ملك كندا، سيلا من الموثبات، التي اختتمتها قائلة إن هذا المجنون الذي أسميه لبيد البليد، لا يدري، أي نيران فتحها على نفسه، حين لطمني، مستهينا بالزهراء المرأة وقومها!
والموثبات، أقوال نثرية أو شعرية، تكرسها المرأة التي تستغيث لنصرتها بوجه حيف يطاولها، أو ينال منها، وكانت أشهر هذه الموثبات، ما ورد على لسان ليلى العفيفة، وهي تلملم أوجاعها وتستصرخ من اسرها الفارسي، ابن عمها البراق بن روحان التغلبي، منشدة «ليت للبراق عينا فترى..».
سار كليب إلى عامل الملك فقتله، إذ لم يهدأ له بال حتى أردى من أهان اخته التي امتنعت عن الناس ولم ترسم ابتسامة على وجهها حتى تلقت خبر مقتل لبيد.
تلك قصة، من مأثورات العرب وهم يراكمون تراثا زاخرا بالمروءة والكبرياء، الصفتين اللتين صارتا لازمتين للاجتماع العام في فضائه القبلي. ظلت الأحداث تتوالى والحياة تفيض بما فيها من مفاجآت حتى انبثقت عن هاتين الصفتين، صفة الكرامة العامة التي تتعدى حدود القبيلة إلى الفضاء العربي العام.
كانت حملة ابرهة الاشرم الحبشي على مكة المكرمة لهدم كعبتها المشرفة، إيذانا بولوج القبائل العربية عتبة جديدة نوعية من فهم الكرامة، غدا هذا المفهوم مرتبطا بصَون المقدس العام الذي يشغل الدواخل الفردية والجمعية لكل أهل الجزيرة العربية.
وعلى الرغم من أن انقساما شهدته القبائل العربية، بين تأييد الحملة ورفضها والحياد حيالها، الا ان معسكر الرفض المرتبط بالفعل كان أكثر تأثيرا في مسار الحدث الاستثنائي الذي لم تعرفه الأرض العربية من قبل، لقد أطلق الأشرم بعدوانيته على أقدس ما قدست العرب ماردا من قمقمه، اسمه الأمة العربية التي كانت هذه الغزوة بمثابة مفجر الصاعق في سيرورة اكتمال الأمة، وهو ما انتهى إلى الإسلام العظيم. لم تكن حادثة لطم وجه الزهراء بنت ربيعة، حادثة عابرة في مسار التاريخ، بل أصلت لما بعدها، إذ بها وما تلاها أدركت نخبة القبائل العربية أن الانقسام الخطير بين القحطانية والعدنانية، لن يوفر الا موطئ قدام للغازي الأجنبي.
فبالدعوة المحمدية، أعلنت مكة عن نفسها قلبا للعرب وموطنا للروح التي أطلقت العنان للأمة التي بنت دولتها الإمبراطورية العظيمة.
كان لبيد الغساني بليدا، وهو يلطم امرأة، لكنه لم يخطر له أن فعلته تلك كانت إيذانا بتاريخ جديد في تحول مفهوم الكرامة والمروءة من اساره الفردي إلى الجمعي. كانت تلك اللطمة لحظة افتراق تاريخية، لم تتوقف الأمة بعدها عن اكتشاف جوانب قوتها التي خلخلت المشهد السياسي العالمي، إذ ذاك!!.

الصفحات