الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  إذا فقدتم الذاكرة فلا تفقدوا رأسكم

إذا فقدتم الذاكرة فلا تفقدوا رأسكم

أربع سنوات مرت من عمري، حملت معها ما حملت من حزن وفرح، وحملت معها ما حملت من ألم وأمل، كنت قد عاهدت نفسي خلالها أن لا أفقد رأسي، وإن سألتني «سيدي القارئ» أين يجب أن تضع رأسك كي لا تفقده، سأهمس في أذنك أكثر من مرة: احذر أن تضعه على حضن حبيب، أذاقك العشق هوانًا والحب مرارة.
احذر يا صديقي «القارئ الصباحي» أن تسند رأسك على كتف صديق، يتحول في لحظة إلى عدو من أجل تحقيق أطماعه والتنفيس عن مشاعره المكبوتة التي كنت تتلمس نيرانها عندما تلسع مشاعرك الصافية، ولكنك كنت تتغافل فقط لأنه صديقك.
وإن فقدت ذاكرتك يا صديقي فلا تفقد رأسك، وتصدق تلك الوجوه التي أطاحت بك مرة تلو المرة، متذرعة بأن في العمل لا مكان للفشل أو التهاون، وهي في حقيقة الأمر تبتر قدراتك خوفًا من نجاحك وتميزك.
وقد تعلمت هذا المبدأ من صديقي -الحميم جدًا- الياباني، الذي لا تجمعني به سوى رسائل بلغة إنجليزية حروفها نابضة بالإرادة والكرامة، فعندما أغيب مطولاً عنه، أجد في جوالي رسائل تحوي مجموعة من جمله العميقة، وفي كل مرة يكررها لي: «لوفقدت ذاكرتك، ونسيت وجوهًا علمتك وآلمتك، تذكري أن لا تفقدي رأسك في دائرة التسامح والنسيان».
في بادئ الأمر، استلزمني الوقت الطويل لأحافظ على رأسي، فلم أكن أتنبه إلى المكان الذي أسنده له، فوجوه الجميع في حياتي كانت تبث السعادة في حياتي، لم أصدق يومًا أن بين تلك الوجوه الطيبة، والابتسامات الدافئة، سوف أفقد رأسي مراراً، وتصيبني الجروح الحارقة، التي ما زالت حتى يومي هذا تحتاج إلى التداوي والعلاج.
يقول صديقي: «كنت ما أزال في ريعان شبابي، حينما أتاني جدي وهو يخفي شيئا ما في يده، ولكنني وبسبب لهفتي المندفعة، وثقتي المتزايدة، سارعت نحوه، ومددت يدي لأشد له على يده معبرًا عن محبتي له، وراغبًا في معرفة ما يحمل لي.. في تلك اللحظة، بدأت الدماء تتدفق من يدي، وأصبت بجرح عميق، وعندما حاولت معرفة ما كان يحمل لي شد جدي يدي بقطعة قماش بالية، ومن ثم قال لي: «ليس كل من يحيط بك يستحق ثقتك، فلا تندفع نحو رغباتك، فتصاب بعمى التمييز، فلا تدرك ماذا يحمل كل واحد لك في جعبته، وإعلم أن الإنسان مخلوق محير، يتمكن من التحول في لحظات من ودود إلى حقود، ومن صديق إلى عدو». تمهل فلا تترك صفاء مشاعرك، يقودك إلى بؤرة البشر، مانحاً لنفسك فرصه الدفاعية في الدفاع عن نفسه، فأنت لا تملك روحك أو نفسك، أو حتى جسدك، كي تتعلم في اختياراتك الفاشلة في الحياة.
صديقي القارئ، إن فقدت الذاكرة فاحذر أن تفقد رأسك، ما زالت الفرص أمامك واسعة من أجل أن تمعن النظر جيدًا، ماذا يحمل في يده، حبيبك، صديقك، وأقرب الأقربين لك.