الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  ريـــــــاح الـتـغـــيــير

ريـــــــاح الـتـغـــيــير

ريـــــــاح الـتـغـــيــير

بإجماع سياسي معلن ترى النخبة اللبنانية أن الحكومة لم تستطع إيجاد حلول جدية للأزمة المالية والاقتصادية التي يعيشها لبنان في ظل انهيار متسارع لكل شيء، هذه الحكومة التي تشكلت عقب ثورة اللبنانيين في 17 أكتوبر من العام الماضي تناقش حتى الآن ملفات ثانوية غير أساسية للمواطن اللبناني.
بيد أن الحكومة الحالية خسرت كثيراً من مقومات الاستمرار وتعيش على تمسك حزب الله بها ورعايته لاستمرارها وطمأنة حسان دياب بأنه باقٍ في المرحلة الحالية وأن الحزب كما تقول قياداته لن يضحي به رغم كل الظروف قبل إنجاز اتفاق إقليمي وإنضاج توافق مع الأطراف على شكل المرحلة القادمة في ظل التربص الأميركي بالحزب -على حد وصفهم- ما يعني أن حزب الله بات وحيداً في معركة الحفاظ على حكومة اختارها وشكلها مع حلفائه.
معركة «كرول» وأسرار الدولة
ووفق معلومات من مصدر حكومي مطلع، فإن معركة بدأت والتي شهدتها الحكومة منذ أيام بسبب السعي لإبرام تعاقد مع شركة التدقيق العالمية «كرول» لتدقيق ومراجعة حسابات وميزانيات مصرف لبنان الداخلية والخارجية، وهو ما رفضه وزير المالية غازي وزني خشية تسرب معلومات حساسة لإسرائيل، حسبما أكد مقربون من وزني لـ «عربي بوست».
فيما تقول مصادر في المعارضة إن رفض توقيع العقد مع «كرول» يعود لأسباب مرتبطة بحسابات سياسية خاصة مع تزايد الرغبة في تغيير الحكومة، وتحديداً لدى حركة أمل وتيار المردة اللذين يدفعان بقوة في هذا الاتجاه إلا أن حزب الله دائماً يشدد على أن الحكومة باقية ولا مكان لحكومة بديلة في الوقت الحالي.
من جهة أخرى ومن أمام مجلس الوزراء بدا حسان دياب متماسكاً وحاسماً حين قال: «اخترنا مواجهة التحديات وسنواصل مواجهتها»، ثم تحدث عن رد واضح وصريح وشفاف وتحديد للمسؤوليات ووجود خيارات عديدة.
وأول هذه الردود كان اللقاء الذي عقده مع السفير الصيني في السرايا الحكومي، بمشاركة وفد وزاري لبناني ضم وزراء الصناعة والاقتصاد والطاقة والسياحة والبيئة والأشغال والنقل، وقال دياب إن هذا الاجتماع سيستكمل مع وزير الطاقة للبحث في كيفية مساعدة الصين في بناء معامل كهرباء في لبنان، مؤكداً أن العلاقة بين دولة ودولة ولا مجال للحديث عن الصفقات، حيث تأتي تصريحاته هذه بعدما تحدث أمين عام حزب الله حسن نصر الله عن ضرورة الانفتاح على الشرق بما فيهم الصين وإيران.
عودة الحريري
وفي الكواليس، يسعى جزء من الأطراف السياسية اللبنانية لإعادة سعد الحريري لرئاسة الحكومة كرئيس لحكومة إنقاذ سياسية تعيد إبراز الطبقة السياسية التقليدية بعد فشلها في إدارة البلد.
ويخوض هذه التجربة رئيس المجلس النيابي نبيه بري ومعه نائبه إيلي الفرزلي المقرب من حزب الله والذي أعلن منذ يومين أن الحل لاستعادة الثقة الدولية بلبنان هو عودة الحريري للمشهد السياسي، وأن الحريري يتمتع بعلاقات قوية مع دول المنطقة والمجتمع الدولي.
كما أن الفرزلي يمارس ترويجاً لفكرة التغيير الحكومي، وهذه المرة من بيت الحريري تحديداً فيعلن بصريح العبارة: الحريري مدخل رئيسي للمّ الشمل اللبناني، في حين ينصح دياب للعمل على الإفساح لقدوم حكومة بديلة.
في حين يلمح سعد الحريري للمرة الأولى منذ تقديم استقالته إلى شروط وضعها في عهدة المبادرين كي يقبل بالعودة إلى الحكومة، اذاً هو، بحسب الداعمين للحكومة «على عكس ما كان سائداً طوال الفترة الماضية، مستعد لإزاحة دياب والجلوس مكانه».
ما لم يقله الحريري عن شروط عودته، فهي وفق مصادر مقربة منه تشكيل حكومة من 12 وزيراً وخالية من حزب الله والتيار الوطني الحر وتضع نصب عينيها أهدافاً واضحة أبرزها إصلاحات سريعة للقطاع المالي واستعادة ثقة المجتمع.
ويستدرك الحريري بين مقربيه ليقول إنه لن يعود للسراي الحكومي في عهد ميشال عون طالما أن صهره يحكم البلد، في إشارة لجبران باسيل، وأنه لن يكون أداة في صراع حزب الله مع المنظومة الدولية، لأنه يرى -أي الحريري- أن الأميركان يخوضون معركة مصيرية ضد إيران وجماعاتها في المنطقة.
ضرورة تغيير الحكومة
جاءت الدعوة واضحة لإسقاط حكومة دياب في كلام عضو تكتل لبنان القوي «التيار الوطني الحر» النائب آلان عون الذي في تصريح لصحيفة النهار اللبنانية، أن سرعة الانهيار أسرع من وتيرة عمل الحكومة، وأنه إذا لم تستطع الحكومة كبح الانهيار المالي وفرملته، فمن الطبيعي أنها ستنهار.
ويرى مراقبون أن هذا الكلام يشي بشيء واحد أن التيار الوطني الحر والذي خاض معركة لإثبات حضوره في الحكومة بات أكبر المتضررين منها، ويريد استبدالها لأنها باتت عبئاً عليه وعلى عهد ميشال عون.
فيما تقول مصادر أخرى متابعة لـ «عربي بوست»: مساء الثلاثاء الماضي وبعد جلسة مجلس الوزراء التي تخللتها اعتراضات كثيرة، من وزراء محسوبين على التيار الوطني الحرّ، معترضين على الأداء الحكومي توجه عدد منهم إلى منزل رئيس التيار الوطني جبران باسيل، وضم نائبة رئيس الحكومة زينة عكر، وزيرة العدل ماري كلود نجم، وزير الطاقة ريمون غجر، وزير الشؤون الاجتماعية رمزي مشرفية، وزير الداخلية محمد فهمي، وزيرة الشباب والرياضة فارتيني أوهانيان.
وقالت المصادر إن الهدف من اللقاء هو الضغط على الحكومة، والاستمرار في عملية التبرؤ منها، لأنها باتت في موقع التحدي مع واشنطن بعد سلسلة قرارات أبرزها التعيينات المالية التي تم استثناء محمد بعاصيري منها على عكس الطلب الأميركي بإبقائه نائباً لحاكم المصرف المركزي.
فيما تتحدث مصادر خاصة لـ «عربي بوست» أن باسيل وبعد لقاء الوزراء به سارع بالذهاب لرئيس الجمهورية ميشال عون طلب منه العمل على تغيير الحكومة والضغط على دياب للاستقالة بزعم أن حكومته باتت ورقة محروقة وتضر بعهد عون المتبقي منه سنتين.
مساع لعودة ميقاتي رئيساً للحكومة
أفادت مصادر سياسية خاصة لـ «عربي بوست» بأن الرئيس ميشيل عون بدأ بسحب يده من حكومة دياب، متحدثاً عن ضرورة تشكيل حكومة جديدة لا تكون كـ «دراجة هوائية» تقع عند كل هبة ريح حولها.
وتأتي هذه التصريحات في ظل سعي رئيس الجمهورية ميشيل عون للبحث عن مخارج تمكنه من تحسين صورة عهده في سنواته الأخيرة، وتمنح صهره أوكسجيناً سياسياً جديداً على مستوى العلاقات الدولية، تمهيداً لإعادة إبرازه كمرشح جاد لرئاسة الجمهورية، إذ يعمل عون على أكثر من جبهة لاستعادة زمام الأمور، ومخاطبة الجهات الدبلوماسية الغربية بلغة المنفذ لإرادتهم في لبنان.
وبدا ذلك واضحاً من تصاريح نواب التيار الوطني الحر ورئيسه جبران باسيل، الذين تحدثوا عن انتهاء المفعول السياسية للحكومة الحالية، مشددين على أهمية تشكيل حكومة تواجه فعلاً لا قولاً التحديات المفروضة على الشارع اللبناني.
وأضافت المصادر أن الحركة التي يقوم بها باسيل تصب في هذا الاتجاه إلا أن الإشكالية تكمن في شكل هذه الحكومة وشخصية رئيسها، وأن عون لا يريد سعد الحريري رئيساً طالماً هو في بعبدا، وطالما الأخير متمسك بحكومة ليس فيها جبران باسيل.
وأوضحت أن ذلك دفع عون لإيفاد مستشاره الوزير السابق سليم جريصاتي للقاء رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي لاستطلاع مواقفه ورأيه حول إمكانية ترؤسه للحكومة القادمة، إذ يسعى عون لمسمار في نادي رؤساء الحكومة السابقين الذين يلتفون حول الحريري ويرفضون باسيل.
حيث يسعى عون لمخاطبة العرب والغرب بشخصية سنية لها وزنها الداخلي واتصالاتها العربية والدولية وهو بذلك يختصر المسافات الطوال التي يعجز حسان دياب عن اجتيازها.
إلا أن رياح عون أتت على عكس خط سير سفن ميقاتي، الذي بعد أن فنّد لجريصاتي ثغرات العهد الرئاسي وسقطاته الكبرى، حسم موقفه بأنه لا انسحاب إطلاقاً من نادي رؤساء الحكومة السابقين، وأن الموضوع يتطلب مشروعاً إنقاذياً يتفاهم عليه الجميع وتسير به كل القوى السياسية والحزبية، وأن السعي في الوقت الحالي لضرب رؤساء الحكومة السابقين سيكون مصيره الفشل، وبالتالي على من يفكّر بهذا الأمر أن يعيد النظر بتفكيره وأن يخيّط «بمسلة ثانية».
اجتماع مع حزب الله
تؤكد مصادر مقربة من حزب الله أن اجتماعاً عقد بين موفد من جانب رئيس الجمهورية ميشيل عون وهو بحسب المصادر الوزير السابق سليم جريصاتي مع ممثلين عن قيادة حزب الله، وهم الوزير السابق محمود قماطي، ورئيس وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا لمناقشة موضوع تغيير الحكومة.
وخلال اللقاء شدد موفد عون بشكل صريح على أنّ عودة الحريري لا بد وأن تكون مقرونة بعودة جبران باسيل باعتبار أنّ أي حكومة يرأسها الأول لن تكون ذات طابع تكنوقراطي، لأنّه طرف سياسي وبالتالي لا بد من مشاركة أطراف سياسية أخرى في تركيبته الحكومية.
بعاصيري مرشحاً للحكومة
من جانب مواز ومنذ أيام، أبلغ وفد صندوق النقد الدولي وفد لبنان بعد الاجتماع رقم 16 مع وفد الحكومة اللبنانية في السراي الحكومي أنه سيعلق الاجتماعات مع الوفد اللبناني.
ويقول مصدر خاص لـ «عربي بوست» إن الصندوق يرى أن الحكومة تماطل وتستنزف الوقت ولا تريد تعديل خطتها المالية التي تتعارض مع أرقام مصرف لبنان والتي يثق الصندوق بها بشكل أكبر.
وأمام هذا التطور الخطير برز اسم محمد بعاصيري ليكون مرشحاً لرئاسة الحكومة القادمة، حيث يتمتع الرجل بعلاقات دولية واسعة وخبرة اقتصادية بكونه عمل لسنوات طويلة نائباً لحاكم المصرف المركزي.
والذي سيستطيع -حسب المصادر- إقناع الجهات المانحة وعلى رأسها صندوق النقد الدولي بتيسير القروض للبنان للخروج من الأزمة، وأن السفيرة الأميركية حاولت إقناع عون بإبقاء بعاصيري نائباً لحاكم المصرف وأنها قالت له بكل صراحة «لا تعيين لبعاصيري نائباً لحاكم المصرف يعني لا دولار في لبنان».
فيما الكلمة الفصل داخلياً ستكون حكماً لحزب الله، بتوافق مع الحريري في حال قرر تسمية شخصية أخرى بدلاً عنه لترؤس الحكومة القادمة.

الصفحات