الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  أبــــو الــــعـــريــــف

أبــــو الــــعـــريــــف

من عجائب الخلق أن يسر أحدهم صاحبه: ظهري يؤلمني، فيرد الصديق: بل جسدي كله يعذبني.. يأتيك مكسوراً: أنهوا عقدي.. وبت عاطلا بلا عمل، فيكون جوابك: كنت أعلم الأمر منذ أسبوعين، فلا شيء يخفى علي.
تقول لك: زوجي طلقني، فيكون جوابك: قلبي حدسني بالأمر، أصلا، كنت متأكدة أن زيجة كتلك مكتوب لها الفشل، ثم تستطرد في سرد التحذيرات التي اخبرتها لصديقتها ولم تؤخذ بعين الاعتبار.
يخطرك زميلك: سيارتي قد تهشمت أمس على إثر اصطدامي بعربة نقل، فتجيبه: وهل من عاقل يبتاع سيارة بربع مليون ريال، والآن مالك مسفوح على الأسفلت..
ينبئه زميله: لقد رسبت في الامتحان، فيوبخه: وهل ذاكرت أصلا لتتوقع النجاح؟ أمثالك لن يحصلوا على شهادة أبدا!
يبدو أن البعض يهتم بإثبات بعد نظره أكثر من أي شيء آخر. لمعلومات الكائن الجوستابو شكوك لم تأت عبثا، فصديقك هو من حاول ولمح لك بمصائبه.
ربما احتاج أن يختبر إنسانيتك لأنه بالأساس يحتاجك، ففراستك تم تغذيتها من التسريبات التي كان يعمد صديقك للتنويه عنها وتمريرها لك، لعلك تشفق، وما أشفقت!
ما أتعس المرء حين يكون رد فعله هو التبكيت أو النقد والتسخيف وإظهار الفراسة، ومحاولة إثبات إحاطته ببواطن الأمور، بل ينتظر الإعجاب بمواهبه أو الشكر على فراسته.
ما أقساك حين تغض الطرف عن مصيبة صديقك لتظهر بمظهر من يستحيل عليه أن تفوته صغيرة!
ما أغباك حين يعري لك صديقك عورة خيبته، فتعض جرحه بأسنانك وتلوكه بلسانك عوضًا عن تضميد جراحه ومواساته بيمناك.
حين يفضفضون، فهم لا يحتاجون لحلول بل لكلمة مؤازرة، لربتة كتف، لغمرات، أو لشهقة قلق، أما لو عيرته بخيباته فبئس العشير.
ولتعلم أنه لا أمر من ظُلم إسرائيل سوى خذلان بعض الأشقاء العرب، ولا أعتى من جور المعتدي سوى تفاوض الأهل عليك.
وفي المقابل، فإن شعرة مؤازرة من صفي تزيح أطنانا من عسف الخصوم.
المولى جل وعلا ذكر الاستماع ثلاث مرات في آية واحدة بسورة المجادلة: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَأوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ».
ليتنا نجعل حدود رحماتنا مطلقة، فكلنا في الضعف شرق.
أعلم أن هناك من يقتات بأحزانه، فيدمن الشكوى، لكني لا أعني هؤلاء، بل أنني معنية بأصحاب الأحزان الكبار. ولتعلم أن هناك من يختبر إنسانيتك فيشتكي لك هما صغيرا، ليختبر طعم تعاطفك، فإن وجدك مرا لاذعا خرس معك للأبد. إن لامست حزن صادق، فاعطف قلبك على قلبه وارحمه ولا تفشي أمره، وليكن آخر همك أن تظهر له أنك كنت عليماً خبيراً بكل شيء، أو أن مصابك أنت أكبر! بل عظِّم من قدرته هو على تحمل الصعاب، فهذا يبلسم جراحه.
ليتك تشعر أنك إنسان قبل أن تكون بصّاراً، فصديقك لا يحتاج لفرساتك قدر احتياجه لمشاعرك، وإياك أن تمتلك قلباً بلا رحمة، وعوضاً عن وضع القرط بأذنيك زينهما بالإنصات.