الصفحة الرئيسية  /  مقال /  ذكرى الصمود والغدر

ذكرى الصمود والغدر

ذكرى الصمود والغدر

بقلم ـــ فهد العمادي مدير التحرير
مع بزوغ فجر اليوم الجمعة الموافق الخامس من يونيو 2020 سيكون مر على الحصار الظالم على دولتنا ثلاث سنوات وليدخل السنة الرابعة على التوالي، بيدَ انها لم تحرك فينا شعرة، إذ فشلت أنظمة الغدر في السعودية والإمارات والبحرين في تحقيق مآربهم الخبيثة بالمس بسيادتنا أو الانتقاص من كرامتنا.
هذا الحصار الذي بدأ بقرصنة لوكالة الانباء القطرية وفبركة تصريحات لصاحب السمو أمير البلاد المفدى وتبعه تجييش قنواتهم الساقطة وظهور العديد من المرتزقة على تلك الشاشات في مسرحية فاشلة، إلى جانب الصحف الصفراء وكتابها أصحاب الضمائر الميتة بناء على ترتيبات أعدت مسبقاً لهذه اللحظة المخزية وشن الهجوم على قطر بناء على قرصنة تعد سابقة تاريخية في علاقات الدول، ثم تبعها حصار جائر تحت ذرائع واهية ومزيفة ولا أساس لها من الصحة ودون الاكتراث للنواحي الإنسانية الأمر الذي أثر بشكل سلبي وخطير على المنطقة بعد ان كان الخليج اكثر الاماكن في العالم استقرارا، لكن الايادي الشيطانية في السعودية والامارات تلاعبت بها وجرتها نحو مستقبل غامض ومصير مجهول، فلم تترك دول الحصار مجالاً إلا وتم زجه بالسياسة بدءا من حشد رجال الدين، مرورا بالرياضة والتحريض على الحكم ومحاولاتهم الفاشلة بضرب الريال القطري والفن، اذ أعربت حينها الفيدرالية الدولية للحقوق والتنمية «إفرد»، أنها تنظر بخطورة بالغة إلى إصدار أعمال غنائية مناهضة لقطر، في إساءة للفن ورسالته، والظهور بمستوى هابط للفنانين، للزج بهم في الشؤون السياسية.
لقد عملت تلك الدول على صرف مبالغ طائلة لتشويه صورة واسم قطر دوليا فيما كانت شعوب تلك الدول أولى بها بدلا من المقامرة بهذه المبالغ لتشويه صورة دولة جارة كانت دائما وأبدا تمد يدها لهم ولم تمسسهم بسوء أبدا بل هي من تعرضت إلى محاولات زعزعة الأمن والنظام من قبل تلك الدول قبل الحصار، وبالتحديد المؤامرة الانقلابية الفاشلة في 1996 وكانت تلك المبالغ قد صرفت ولا تزال على إنشاء مواقع إلكترونية، تنشر معلومات خاطئة عن قطر، وتلصق بها تهمة الإرهاب، من خلال شركات الدعاية والإعلان التي يمولها اللوبي الإماراتي، واللوبي السعودي في واشنطن ونشر الحسابات المروجة والقصص المفبركة في كل وسائل التواصل الاجتماعي، لتنتشر على المستخدمين، ووظفت السعودية «بودستا غروب» منذ بدء الأزمة بعقد
ربع سنوي، قيمته 150 ألف دولار، وذلك لتوجيه بروباغندا، تتهم قطر بالإرهاب، على نمط إعلانات بطريقة «Eye Catching» ومؤخرا قامت منصة تويتر بإلغاء الآلاف من الحسابات السعودية الاماراتية المصرية المعروفة بالذباب الالكتروني التي تستهدف النيل من سمعة قطر معتبرة ان هذه الحسابات مسيئة وقد عملت السعودية والإمارات على تشغيل الذباب الالكتروني وبشكل لا يمت للدين الاسلامي ولا العادات العربية والاخلاق، بالاساءة لقطر واهلها والطعن في الاعراض وبمنتهى الاسفاف وفي الآونة الاخيرة واصلت كل من السعودية والامارات حملاتهم المشينة ونشر الفيديوهات المفبركة وهو ليس بالأمر الجديد الا انه في الوقت نفسه حملاتهم هذه تدل على حقدهم واستخفافهم بشعوبهم اذ انها لم تعد تؤخذ بمحمل الجد كونها أصبحت مكشوفة للكل..!
وقالت صحيفة «التايمز» البريطانية بأن مجموعات سرية، مرتبطة بالإمارات والسعودية، تمول حملات دعائية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، «فيسبوك» و«يوتيوب» وأخيرًا «تويتر»، في بريطانيا، لوصم قطر بالإرهاب.
ولم يكتفوا بذلك بل كتب الصحفي الأميركي غلين غرينوالد قائلا: دفعت الإمارات ملايين الدولارات لمجموعة استشارات أميركية تدعى «كامستول Camstoll»، اذ استقطبت للعمل فيها الكثيرين من كبار المسؤولين السابقين في وزارة المالية الأميركية من الحزبين «الجمهوري» و«الديمقراطي».
وقال ايضا تنفق «كامستول Camstoll» أموالا طائلة لاستقطاب صحفيين حول العالم، وعن طريقهم يتم زرع مقالات وتحليلات مناهضة لقطر. كما استعانت «كامستول Camstoll» بكتاب من المحافظين الجدد، الموالين لإسرائيل مثل الكاتب في «ديلي بيست»، لايلي لايك، والصحفية في «فري بياكون» آلانا غودمان، والمحكوم عليه في قضية «إيران كونترا» إليوت إبراهام، والكاتب في «واشنطن بوست» جينيفر روبين، والكاتب في «أميركان انتربرايز انستيتيوت» مايكل روبن..
ومن أساليبهم الرخيصة ايضا التضليل المتعمد وغير المتعمد من خلال بث معلومات مغلوطة لإرباك الطرف الآخر، وبدا ذلك من خلال التصريحات المتعلقة بالحلول المطروحة للخروج من الأزمة والتي تركزت على عدد من الشروط التي لا يعقلها أي عاقل إلى جانب اثارة النعرات القبلية والعشائرية وترسيخ مفاهيم الفرقة بين أبناء الخليج، وبذلك يريدون طمس علاقات امتدت لمئات السنين لشعب عربي خليجي واحد..
لقد شاهدنا العشوائية والارتجالية والبعد عن التخطيط الإعلامي الواعي الهادف والارتقاء بالخطاب الإعلامي إلى مستوى دول تحترم شعوبها وتقدر قيمة الرأي العام، وهذا بحد ذاته استخفاف بالجمهور العام، ناهيك عن إصدار قوانين لتجريم التعاطف مع قطر في تلك الدول..!
في المقابل عملت قطر على اتباع سياسة ضبط النفس والاعتدال في الرد على التهور والعشوائية والتسامي فوق المهاترات والاسفاف وتغليب المصلحة العامة والحكمة وعدم الزج بالشعوب في الأزمة اطلاقا، وهذا هو نهج قطر حتى عندما تم سحب السفراء في 2014.
في حقيقة الأمر وبالنظر إلى التاريخ الاسود لتلك الدول التي أساءت لنا والملطخ بسوابق منذ اكثر من عشرين عاما في النيل من قطر واستقرارها وثرواتها، فهذا التاريخ الاسود والسيرة الذاتية السوداء تليق بهم ولا تدعونا للاستغراب من سلوكياتهم سواء قبل الحصار وعلى فترات متباعدة أو خلال ثلاث السنوات الماضية فهم كانوا ولا زالوا يتعاونون في الخسة ويتشاركون في الدناءة، ضاربين بكل الاخلاق والقيم عرض الحائط فهم لا يعرفون سوى الشعارات الرنانة الزائفة فقط!
نعم قطر لم تركع ولم تسقط ولم تتراجع ولم تنهار ولم يمت شعبها جوعا مثلما ارادوا بل بقت شامخة صامدة في وجه الغدر والعدوان بفضل من الله سبحانه وتعالى وبفضل حكمة وصلابة قائد الوطن صاحب السمو امير البلاد المفدى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله، وبفضل التلاحم بين ابناء هذا الوطن والمقيمين على ارضها الطيبة التي اعطت كل فرد الكثير والكثير، فردّ لها كل من يقيم على ارضها الجميل بالوقوف صفا واحدا ضد هذا الحصار الجائر.
هذا الحصار الذي رفع من مكانة قطر، وارتفعت مؤشراته في مختلف المجالات بالايجاب واصبحت قطر تعزف منفردة في الخليج اجمل لحن في كل المجالات متمسكة بمبادئها وسيادتها وكرامتها، تسير بخطى ثابتة لا تنظر للوراء بل للمستقبل بحكمة متناهية وبقيادة طموحة ورؤية سديدة، جعلتها تحظى باحترام العالم على مختلف الأصعدة وتكون محل ثقة الدول.
ثلاث سنوات على هذا الحصار وفشل خلاله مجلس التعاون الذي مات اكلينيكيا فشلا كبيرا في حله رغم الدور الكويتي المستمر في حل الأزمة التي اختلقتها تلك الدول الثلاث دون مبرر، وحتما ان فشل مؤسسات مجلس التعاون في ايجاد مخرج يعكس دورها الهامشي والسلبي كونها تحولت إلى اداة في يد السعودية والامارات لتعكس سياساتهم السيئة واصبحت بالتالي تلك المؤسسات مخترقة وتنفذ اجندات خاصة لتلك الدولتين، فطوال السنوات الثلاث الماضية لم تتطرق اجتماعات مجلس التعاون في جدول اعمالها إلى حصار قطر بل لم تندد به وكأن الأمر لا يعنيها، لذلك فاقد الشيء لا يعطيه، فلا ينبغي ان ننتظر من مجلس مسير أي امل أو رجاء، لأنه واقعيا لم يعد ذا جدوى، بل مؤخرا وصف امينه العام الجديد الحصار بالخلاف، محاولة منه لتهدئة الاوضاع لكنه تعمد تجاهل ذكر كلمة حصار واستبدلها بخلاف، ولم يكن ذلك مستغربا عندما تطرق في حواره إلى رؤية العاهل السعودي الذي اعطى اوامره بحصارنا والاساءة إلى قطر وطرد المواطنين من مكة والتحريض على قلب الحكم، لذلك الكتاب باين من عنوانه، وهنا لا يفوتني الا ان اشير إلى حديث سعادة الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني وزير الخارجية، عندما قال ان مجلس التعاون هو إطار تعاوني وليس لفرض الإملاءات، وهذه هي الحقيقة التي تتعمد ان تتجاهلها تلك الدول، وما من شك ان نظرات شعوب المنطقة إلى مجلس التعاون تعكس ضعف المنظومة ومؤسساتها فهي لم تنجح قبل الحصار ولن تنجح حتما بعدها ولم يعد «خليجنا واحد ومصيرنا واحد» واكتشفنا انه مجرد ستار جميل وخلفه نوايا خبيثة سعودية- اماراتية بحرينية منذ سنوات طويلة.. فزاد الشق ولم تعد للرقعة أية فائدة !
وتتناثر بين الحين والآخر بعض الأخبار نحو حل الأمور لكن سرعان ما تتبدد نظرا لعدم وجود رغبة حقيقية للسعودية والامارات لانه في حقيقة الأمر ليس بخلاف أو اختلاف في الرأي، فالقضية هي قرصنة وحصار وإساءات وبذاءات وأكاذيب وقطع الأواصر الاجتماعية وحرمان من زيارة الأماكن المقدسة ومحاولات عمل عسكري وشيطنة قطر مرارا وتكرارا، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل، وهي قضية معقدة جدا لا يمكن ان تحل بسهولة لأن كرامة قطر فوق كل اعتبار ولانها قضية بنيت على باطل وليست لها اساس من الصحة وكون هذا الحصار كشف لنا أعداءنا وأسقط أقنعتهم، وحله يحتاج إلى وجود نية حقيقية وصافية من تلك الدول وليس لضغوط أو مصالح أميركية أو ضغوط اقتصادية رغم اننا بدونهم بألف خير.. وهو ايضا ليس بخلاف لكنه حصار جائر وتعدى ايضا مرحلة الفجور في الخصومة وحقد بغيض أعمى بصيرتهم وغيرة ليست وليدة اليوم أو الامس لايمانهم التام بأن قطر تسير للأمام بسرعة وبقوة وتحقق نجاحات كبيرة ومنها استضافة مونديال 2022.. هذا المونديال الذي منذ اعلان فوزنا باستضافته وتلك الدول كانت تمارس ابشع الاساليب لإفساده وضخت اموالا كثيرة لتخريب الاستضافة لكن خابت مساعيهم كالعادة وسيحاولون حتى آخر يوم في البطولة فجيناتهم شيطانية ولا يمكن الوثوق بهم فمن غدر مرة سيغدر ألف مرة..
وسبحان مغير الأحوال، ففي الوقت الذي حاولوا فيه شيطنة قطر دوليا نجد انه لم تقف معهم أي دولة لعدم امتلاكهم أي دليل حقيقي يدين قطر بل مزاعم وأوهام وأكاذيب، بل صعدت قطر على منصة الأمم المتحدة مرارا وأمام زعماء العالم فندت اتهاماتهم الباطلة؛ لأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه بينما لم يجرؤوا هم على ذلك، لأنهم ليسوا على حق وفي كل مرة يجرون أذيال الخيبة، فإذا بالفضائح والمشاكل تحاصرهم من قتل خاشقجي إلى حرب اليمن مرورا بالصومال وليبيا وهذا بخلاف المشاكل الداخلية الكثيرة والابتزازات الأميركية وحلب المليارات منهم فأرادوا إشغالنا فأشغلهم سبحانه وتعالى بأنفسهم فأصبحت السعودية والإمارات عنوانا للشر والدمار والخراب..
تلك الدول ليست إلا دولا كرتونية تهتز من «برومو» للجزيرة أو عنوان صحيفة أو تغريدة، لايعرفون سوى لغة الهياط والمؤامرات ولعل الاحداث كشفت هشاشتهم من فشل في اليمن وجبنهم في مواجهة إيران سواء في تحرير الجزر الاماراتية أو عندما تعرضت انابيب بترول السعودية للاعتداءات أو حتى على الاقل الرد على إهانات ترامب المتكررة للعاهل السعودي في خطاباته مؤخرا وهكذا هم الجبناء، فالجبان لا يكاد يدافع حتى عن نفسه وهو من أسوأ الاخلاق ولذلك نجدهم كانوا يتهربون من الجلوس على طاولة واحدة كما تنادي قطر للحوار، لانهم ليسوا بأصحاب حق وجبناء يخشون المواجهة.. واعتبرت قطر الحوار خيارًا استراتيجيًا دائما وابدا لحل الأزمة والابتعاد عن الانفعال والتأزيم، مع التأكيد على عدم المساس بسيادة الدولة أو التدخل في شؤونها الداخلية كون هذا الخيار حضاريا وتنتهجه الدول المتحضرة ذات السيادة..
وختاما لا يمكن التكهن بموعد انتهاء هذه الأزمة، ولكن يمكن التأكيد بأن دول الحصار مستمرون في بذاءاتهم وإسفافهم واكاذيبهم حتى باتوا اضحوكة أمام العالم !