الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  التجسيد البصري للحرف العربي

التجسيد البصري للحرف العربي

التجسيد البصري للحرف العربي

الفنان صالح العبيدلي، خطاط قطري عشق الخط العربي منذ نعومة أظفاره، وما إن شب على الطوق حتى سعى إلى تعلم قواعده، وإتقان فنونه، إذ منذ طفولته المبكرة لاحظ مدرسوه بالمدرسة الابتدائية ميله المبكر إلى الخطوط، وتميز بحُسن الخط بشكل لافت للانتباه، فكان معلمو المدرسة هم أول من تتلمذ على أيديهم في فنون الخط العربي،
وشكل ذلك عاملا مُحفزًا له للاستمرار في تطوير خطوطه، ومواهبه الإبداعية الفنية في الفنون التشكيلية عامة، وفن الخط العربي والحروفية بخاصة، فالتحق لدراسة الفنون الجميلة بجامعة قطر، وحصل منها على بكالوريوس التربية الفنية في عام 1999، ضمن أول دفعة تتخرج في الجامعة للبنين، ثم سعى إلى صقل موهبته الخطية والفنية من خلال التحاقه بعدد من الدورات والورش التعليمية في فنون المخطوط الإسلامي، وفي فن الخط العربي من المركز الشبابي للإبداع الفني، والجمعية القطرية للفنون التشكيلية، ومركز شباب الدوحة. وتتلمذ في فنون وقواعد الخطوط على يدي الخطاط المصري سعيد الأنصاري، ثم تأثر بالفنان الحروفي القطري علي حسن الجابر، وكان حريصًا على التعلم منه في مجال الحروفية، التي يتخصص فيها بشكل إبداعي تفردي، كما تتلمذ على لوحات الفنان حسن الملا، الذي عمل معه إبان فترة رئاسته للجمعية القطرية لفنون التشكيلية، وكان بمثابة الأب الروحي له ولزملائه من أعضاء الجمعية.
يجمع العبيدلي بين كونه تربويًا وفنانا تشكيليًا ووخطاطًا وحروفيًا، إذ بدأ حياته العملية في أعقاب تخرجه في الجامعة في عام 1999 بقسم النشاط الفني بإدارة النشاط الطلابي بجامعة قطر، ثم التحق منذ عام 2000 بوظيفة تربوية كمدرس للتربية الفنية بوزارة التعليم، ورقي في عام 2005 موجهًا للتربية الفنية، حيث كان أصغر موجه لها حينئذ، إذ كان لا يزال في ربيع عمره الثلاثيني، وهو ما أفاده كثيرًا في رحلته الإبداعية الفنية مع فنون الخط العربي والحروفية، وكان له أبلغ الأثر في حرصه على الدقة والنظام والقيم السامية، وأكسبه العديد من الصفات الإيجابية، التي انعكست على أعماله الخطية والحروفية والفنية، والتي تعكس حيوية الخط العربي، وآفاقه الرحبة بطريقة فنية مبتكرة. ويعمل منذ عام 2010 استشاري فنون تشكيلية بوزارة الثقافة والرياضة؛ الأمر الذي أفاده كثيرا، وانعكس على إبداعاته الحروفية، والتي تُزين جدران العديد من المتاحف حول العالم.
وكان لتكليفه من قبل لجنة التراث في وزارة الثقافة والفنون والتراث (الثقافة والرياضة حاليًا) بالإشراف الفني على مجلة المأثورات الشعبية أثره على رحلته الفنية، إذ شكل منعطفًا جديدًا، ومحطة جديدة، استفاد منها في مجال المطبوعات، مما أضاف لخبراته الفنية بُعدًا جديدًا، وأفاده كثيرًا في رحلته الفنية، فكان يحرص على تنظيم أوقاته ما بين الوظيفة والعمل الفني، ويسعى إلى التطوير من خلال الاحتكاك بالوسط التشكيلي العالمي، والتعرف على مستحدثات الحركة التشكيلية؛ بالمشاركة في المعارض والدورات والندوات والورش الفنية، إذ ينظر إلى عمله الفني بأنه عمل متطور ومتجدد بصورة دائمة، ومن ثم بحاجة إلى التطوير الدائم، وهو ما نلمسه من تتبع تطور أعماله الفنية. وعلى الرغم من أنه يتقن فنون الخط العربي الكلاسيكية، وقواعده المتواضع عليها منذ كبار الخطاطين في العصر الذهبي لفنون الخط العربي، وبخاصة الخط الديواني، الذي يتميز بالمرونة، ويُساعد على التشكيل بحرية أكبر في الأعمال الحروفية، إلا أنه اتجه إلى الإبداعات الجمالية الحروفية، التي يرى فيها فضاء رحبًا، ومنطلقًا أوسع لإعمال الخيال وفنون الإبداع، ويتبين من تتبع مسيرته الفنية، ورحلة تطور أعماله أنه بدأ يتخلى عن الشكل المقروء للحرف العربي متحررًا من بعض قواعده نحو القدر الجمالي الحروفي.
يغلب على أعمال العبيدلي الخطية الحروفيات والتجسيد البصري المادي بالحرف العربي، وهو فن تشكيل حروف الكلمة لتمثل وتماثل معناها، ويخاطب القلب والعين معًا، ومؤخرًا دخل عالم تجسيد الخط العربي بالبرونز، إذ كان لالتحاقه بورشة فنية بمدينة الغردقة المصرية في شهر مايو 2016 عاملًا مؤثرًا في توجهه إلى التجسيد المادي للحرف العربي، ومن ثم عاد من مصر ليفتتح ورشة لصهر المعادن، وفضلا عن كونه خطاطًا وحروفيًا، فإنه له إسهامات كثيرة عبر عمله المتواصل بالحقل الفني، وقدم للساحة الفنية ابداعات كثيرة، فهو مبدع وموهوب فنيًا، يمتلك جملة من المهارات، ويُمسك بناصية قلمه، وخطوطه، ويؤكد بأعماله الفنية على أن الخط العربي مستمرًا في تطوره ومجاراة للحداثة والمعاصرة، وقدرته على الاندماج والإسهام في تخليد لغة القرآن الكريم في عصر ما بعد السوبر عدمية.
يُشارك العبيدلي في المعارض الفنية للجمعية القطرية منذ عام 1995، كما يُشارك في العديد من المعارض والفعاليات التراثية والفنية، وفنون التصميم، سواء على المستوى المحلي داخل دولة قطر، أو الإقليمي في دول مجلس التعاون الخليجي، أو على العالمي في الدول العربية والإسلامية، إذ مثل دولة قطر في العديد من المحافل الفنية والثقافية، في عدد من الدول منها: كازاخستان، مصر، الكويت، إيطاليا، كوريا الجنوبية، اليابان، الصين، فرنسا، الولايات المتحدة، إيران، سلطنة عمان، ألمانيا، باكستان، المغرب، البحرين، اليمن، الإمارات، وغيرها من الدول الأوروبية.
ويتمتع منذ عام 1995 بعضوية الجمعية القطرية للفنون التشكيلية، ولخبرته الفنية تستفيد منه الكثير من الجهات المهتمة بتنظيم المعارض والمسابقات الفنية والخطية، إذ شارك في عضوية لجان التحكيم في عدد من المهرجانات الفنية ومسابقات رسوم الأطفال التي تنظمها دولة قطر، منها مهرجان الدوحة الدولي للحرف اليدوية، ومسابقة قطر في عيون الأطفال، وعضوية لجان التحكيم في عدد من المسابقات والورش الفنية التي تنظم على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، منها مسابقات رسوم الأطفال.
تقديرًا لدوره في النهوض بالحروفية على المستوى القطري، فقد تم تكريمه من عدد من الجهات داخل دولة قطر وخارجها، بمنحه عدد من شهادات التقدير، كما حصل على جائزة ملتقى التطوع العالمي (2000)، وجائزة معرض التراث والبيئة القطرية في عيون الفنانين التشكيلين (1998).
تتلمذ على يديه أجيال، تأثروا بمدرسته الفنية، ضمن نشاط التربية الفنية بالمدارس، والتي كان يُشرف عليها، ويُسهم من خلالها في توجيه الطلاب نحو التجديد في الفنون عامة، وفنون الخط العربي والحروفية بخاصة، إذ يرى في تعليم فنون الخط العربي والحروفية والتشكيلية رسالة سامية، وليس مجرد وظيفة يؤديها، وأخيرًا لا يزال يواصل عطاءه الفني في الحروفية وتجسيد الحرف العربي بالبرونز.