الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  عاشق الحرف العربي

عاشق الحرف العربي

عاشق الحرف العربي

حظي الخط العربي باهتمام كبير وعناية فائقة من السلاطين العثمانيين، فكان العصر العثماني أكثر العصور الإسلامية ازدهارًا وتجويدًا للخط العربي، وأكثرها عناية واهتمامًا بالخطاطين والمزوقين والنقاشين والرسامين، الأمر الذي يؤكد أن الخط العربي شهد أهم مراحله الفنية وسماته المميزة في ظل المدرسة العثمانية، فقد تبارى الخطاطون العثمانيون في تجويد وإتقان الخط العربي، حتى غدت المخطوطات التي نسخت في زمن العثمانيين ذات قيمة كبيرة لمادتها العلمية، ونفاسة الورق، وحسن الخط، وإتقان التجليد، والمجلد والناسخ والرسام، الذي يعني بزخرفة المخطوط، أو الذي يوضح الأبحاث العلمية بالصورة التوضيحية، وزينت القصص والروايات بأجمل المشاهد الفنية، التي تفيض حيوية وجمالًا.
ولقد اهتم الخطاطون العثمانيون بالخطوط العربية القديمة، وقاموا بتطويرها وتحسينها وتجويدها حتى بلغت قمة جمالها وتأنقها، وأصبح لهم مدرسة لها خصائصها ومميزاتها، فطوروا الخطوط القديمة، وابتكروا خطوطًا جديدة، كالخط الريحاني، والديواني والرقعة والطغراء والإجازة والسنبلي، كما أبدعت المدرسة العثمانية أساليب وتقنيات فنية جديدة؛ كأسلوب الكتابة المتعاكسة، والجلي، والتراكيب، وحظي بعضهم بالترقي إلى منصب «رئيس الخطاطين في الديوان الهمايوني السلطاني»، وكان من يُرقى لهذا المنصب يتميز بحسن الخط، ويكون اختياره بعد إجازته من كبار الخطاطين، واختيار السلاطين في دلالة على أهمية من يتولى هذا المنصب، وعلى ما كان يوليه السلاطين من اهتمام بالخط والخطاطين.
ولد أحمد الكامل آقديك، آخر من تولى منصب «رئيس الخطاطين في الديوان الهمايوني السلطاني»، في اسطنبول بمنطقة فندقلي في 26 جمادى الأولى 1278ه/ 29 نوفمبر 1861م، تعلّم فنون وقواعد الخط علي يدي أبيه سليمان آقديك، الذي كان يعمل في الترسانة العامرة، ونال إجازة منه. أكمل دراسته بمدرسة الفاتح، ودخل المدرسة الملكية، وتخرج منها في عام 1297ه/ 1880م، ثم عُين محاسبًا بوزارة الداخلية عقب تخرجه، ونقل إلى ديوان القصر العثماني في عام 1310هـ/ 1892م.
أخذ خطوط الثلث والنسخ والديواني وجلي الديواني عن الخطاط محمد سامي (1252-1331ه/ 1837- 1912م)، الذي بِتَطْوِيرِ الأَرْقَامِ وَعَلَامَاتِ التَّشْكِيلِ وَإِشَارَاتِ الحُرُوفِ المُهْمِلَةِ حَتَّى بَلَغَتْ شَكْلَهَا المَعْرُوفَ إلىَوْمَ، وذلك بصورة فردية غير مباشرة، إذ يروي قصة تعلمه الذاتي لهذا الفن؛ فيقول: «درست الخط وتعلمته على أستاذي الآخر، وهو سوق الحكاكين، أي صانعي الأختام، كنت موظفًا صغيرًا، ورغبتي في الخط كانت قوية، فكنت أراجع الأسواق لأرى قطعة أشتريها، أو أنظر فيها لأشاهد خوارق الصناعة لأراعي أسلوبها، وأمشق عليها، وهكذا تعلمت الخط على كبار الأساتذة»، وبعد أربع سنوات حصل منه على الإجازة بحلية كتبها في عام 1301هـ/ 1884م، ومحفوظة بمكتبة طوب قابي سراي، وقام بتغيير اسمه بناء على رغبة أستاذه إلى هاشم، ولذا كان يوقع على أعماله، التي كتبها في الفترة ما بين 1304-1307هـ/ 1886-1889م باسم أحمد هاشم، إلا أنه عاد إلى اسمه القديم بعد ذلك، وقد تعلم الطغراء في الديوان الهمايوني، إذ تم تعيينه في وظيفة كاتب الرسائل السلطانية. وبعد وفاة أستاذه محمد سامي رقي إلى منصب رئيس الخطاطين في دائرة الأوسمة والميداليات في القصر العثماني، وتحمل أعباء وظيفته فأصبح «مميز قلم النشان الهمايوني»، و«معلم الخطوط المتنوعة»، فضلا عن تحمله لأعباء وظيفته الأولى ككاتب للرسائل الهمايونية. وحاز على لقب رئيس الخطاطين في 10 شوال 1333هـ/ 21 أغسطس 1915م، ويعتبر آخر رئيس للخطاطين في الدولة العثمانية، وهو لقب ظل محتفظًا به حتى وفاته.
اشتغل كذلك بتدريس خطوط النسخ والثلث في مدرسة الخطاطين منذ افتتاحها في سنة 1332 هـ/ 1914م، وخط الرقعة في مدرسة «غلطة سراي سلطاني» في عام 1336هـ/ 1918م، وفي عام 1341هـ/ 1922م ألغي تنظيم الباب العالي فأحيل إلى التقاعد من وظائفه في الديوان الأميري، بينما ظل في وظيفته في مدرسة الخطاطين حتى ألغت الدولة استخدام الحروف العربية، وأحلت محلها الحروف اللاتينية. ودُعي لزيارة مصر مرتين بدعوة من الأمير محمد علي توفيق ولي عهد مصر حينئذ، الأولى سنة 1352هـ /1933م، والثانية 1358هـ/ 1940م، حيث قام خلالهما بأعمال خطية كثيرة في القاهرة منها كتابات في مسجد الأمير محمد علي باشا في قصر المنيل، وفي قاعة العرض الخاصة في القصر. وكتب في حياته مصحفًا شريفًا واحدًا، وكتب العديد من القطع والمرقعات والحليات وبعض سور وأجزاء من القرآن الكريم في لوح بخط الجلي. وظل للحرف العربي عاشقًا، حيث قام بتدريس حسن الخط في أكاديمية الفنون الجميلة في سنة 1355هـ/ 1936م، أي بعد انقلاب مصطفى كمال أتاتورك، وظل في هذه الوظيفة يواصل حياته الفنية وعطاءه الخصب، حتى توفي في 29 جمادى الآخرة 1360هـ/ 23 يوليو 1940م، ودفن بمقبرة أيوب في اسطنبول.
وقد ظل آقديك يعمل حتى آخر أيام حياته من دون أن يتعرض لضائقة ترتعش معها يداه، أو يضعف لها بصره، نتيجة لحكمته في مأكله ومشربه، مما ساعده على أن يقدم أعمالا فنية خطية فريدة، بالإضافة لذلك كان خلال وظيفته في الديوان الهمايوني يكتب الخط الديواني والديواني الجلي والرقعة، وهي الخطوط التي كانت تُستخدم في كتابة الفرمانات والبراءات والمناشير والمعاهدات وغيرها، كما أعد الكثير من الكراسات والأمشاق باعتباره مُعلمًا لتحسين الخط.
ترك آقديك أعمالا بديعة كثيرة، إذ كان غزير الإنتاج تتنوع ما بين القطع والمرقعات والحليات، وبعض سور القرآن الكريم، أو بعض الأجزاء، ومن أعماله مصحفًا شريفًا واحدًا، وبعض لوحات الجلي والكتابات المحكوكة على الأحجار، ومن أعماله لوحه مؤرخة بسنة 1347هـ/ 1928م تتضمن سورة القدر، كتبت بقلم أغلظ من قلم الثلث (يقابل الثلثين)، وهو لا يعد ثلثًا جليًا، بل هو من الثلث، الذي يُعرف عند العثمانيين باسم «طوقجة ثلث»، أي الثلث المشبع، وقد قامت بزخرفة اللوحة السيدة مهربان سوزر في عام 1940م. ولقد برع في خطي الثلث والنسخ، ويذكر المؤرخون أن أعماله كانت تنال إعجاب الناس، وكانوا يتلهفون على اقتنائها.