التوبة

د. فاطمة سعد النعيمي أستاذ التفسير وعلوم القرآن كلية الشريعة جامعة قطر
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
التّوبة ترك الذّنب على أجمل الوجوه وهو أبلغ وجوه الاعتذار؛ فإنّ الاعتذار على ثلاثة أوجه: إمّا أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو يقول: فعلت وأسأت وقد أقلعت، ولا رابع لذلك وهذا الأخير هو التوبة، يقال: تاب إلى الله أي تذكّر ما يقتضي الإنابة، نحو قوله سبحانه: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً) أي عودوا إلى طاعته وأنيبوا إليه، ويقال: تاب الله عليه أي قبل منه التّوبة، والتّائب يقال لباذل التوبة ولقابل التوبة فالعبد تائب إلى الله. والله تائب على عبده، والتّوّاب العبد الكثير التّوبة، وذلك بتركه كلّ وقت بعض الذّنوب على التّرتيب حتّى يصير تاركا لجميعه، وقد يقال لله عزّ وجلّ ذلك (أي توّاب) وذلك لكثرة قبوله توبة العباد حالا بعد حال، والمتاب في قوله تعالى: (وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً) يقصد به التّوبة التّامّة وهي الجمع بين ترك القبيح وتحرّي الجميل.
وجاء في الصّحاح: التّوبة الرّجوع من الذّنب، وفي الحديث: «النّدم توبة»، وقال الرّاغب: التّوبة في الشّرع: ترك الذّنب لقبحه والنّدم على ما فرط منه والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة. وقال الجرجانيّ: التّوبة هي الرّجوع إلى الله بحلّ عقدة الإصرار عن القلب، ثمّ القيام بكلّ حقوق الرّبّ، وقيل: التوبة الاعتراف والنّدم والإقلاع. وقيل: التوبة في الشّرع: النّدم على معصيته من حيث هي معصية، مع عزم ألّا يعود إليها إذا قدر عليها.
والتوبة النصوح -كما قال الجرجانيّ- هي توثيق العزم على ألّا يعود بمثله، وقيل هي ألّا يبقي (التّائب) على عمله أثرا من المعصية سرّا وجهرا، وهذه التّوبة هي الّتي تورث صاحبها الفلاح عاجلا وآجلا.
وقال التّهانويّ: التّوبة النّصوح وهي من أعمال القلب تعني تنزيه القلب عن الذّنوب، وعلامتها أن يكره العبد المعصية ويستقبحها فلا تخطر له على بال ولا ترد في خاطره أصلا.
وقال صاحب التّعريفات: التّوبة على ثلاثة معان: أوّلها: النّدم، وثانيها: العزم على ترك العود إلى ما نهى الله عنه، وثالثها: السّعي في أداء المظالم. أمّا أنواعها فقيل نوعان: توبة الإنابة وتوبة الاستجابة، فتوبة الإنابة أن تخاف من الله من أجل قدرته عليك، وتوبة الاستجابة أن تستحي من الله لقربه منك، قال تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) وقيل: بل ثلاثة: التّوبة الصّحيحة وهي أنّه إذا اقترف العبد ذنبا تاب عنه بصدق في الحال، والتّوبة الأصحّ: وهي التّوبة النّصوح، والتّوبة الفاسدة: هي التّوبة باللّسان مع بقاء لذّة المعصية في الخاطر.
يقال لمن خاف العقاب هو صاحب توبة، ولمن يتوب بطمع الثّواب هو صاحب إنابة، ولمن يتوب لمحض مراعاة أمر الله فهو صاحب أوبة، وقيل: التّوبة صفة عامّة المؤمنين قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ)، والإنابة صفة الأولياء والمقرّبين قال تعالى: (وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ)، والأوبة صفة الأنبياء والمرسلين قال تعالى: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ).
وردت كلمة التّوبة في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه بمعنى التّجاوز والعفو، وهذا مقيّد بعلى كقوله تعالى: (فَتابَ عَلَيْكُمْ)، وبمعنى الرّجوع والإنابة، وهذا مقيّد بإلى كقوله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ)، وبمعنى النّدامة وهذا غير مقيّد لا بـ (إلى) ولا بـ (على) كقوله تعالى: (فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).
قال النّوويّ رحمه الله تعالى: التّوبة واجبة من كلّ ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلّق بحقّ آدميّ فلها شروط ثلاثة، وهي أن يقلع عن المعصية، وأن يندم على فعلها، وأن يعزم على ألا يعود إليها أبدا، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصحّ توبته، ويزاد شرط رابع إذا كان الذّنب يتعلّق بحقّ آدميّ أن يبرأ من حقّ صاحبه؛ فإن كان مالا أو نحوه ردّه إليه، وإن كان حدّ قذف مكّنه منه أو طلب عفوه، وإن كان غيبة استحلّه منها، هذا إذا لم يترتّب على ذلك مفسدة أعظم، ويجب أن يتوب من جميع الذّنوب، فإن تاب من بعضها صحّت توبته من ذلك الذّنب.
اللهم اغفر لنا وارحمنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.