الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  أمير الخط العربي

أمير الخط العربي

أمير الخط العربي

أحد خطاطي جيل العمالقة، الذين حملوا هموم نهضة الخط العربي، وخلف آثارًا خطية كثيرة، غزير الإنتاج، واسع المعرفة بكل أصول الحرف العربي، بارع في تعلم الأصول الفنية والقواعد الأصولية، ونسب رسم الحروف.
هو الخطاط العثماني محمد عبد العزيز الرفاعي، يعتبره الباحثون أحد أقطاب الخط العربي في القرن العشرين، وواحدًا من الخطاطين العثمانيين المعدودين في أواخر سلسلة الخطاطين المجودين البارعين، ولد بولاية طرابزون على ساحل البحر الأسود في عام 1288هـ/‏ 1871م، ثم رحل مع والده وهو في الخامسة من عمره إلى حي «كاغد حانه» بمدينة إسطنبول، وانتظم بالتعليم في كُتاب الحي، وهنا ظهرت قابليته في الخط العربي، وبدأ يدرسه ويتعلمه ويتمرن ويمشق علىي يدي أستاذه، وشغف به منذ نعومة أظفاره، كما انتظم في مدرسة نور عثمانية للخط العربي والزخرفة الإسلامية.
تعلم خطوط الرقعة والديواني والنسخ والثلث على يدي الخطاط عارف أفندي الفلبوي البقال، وأجازه بعد أن حذق الأصول الفنية وقواعد الكتابة. وقام بتجويد الخط الفارسي (نسخ التعليق) على يدي مأمور دائرة المساحة الخطاط حسن حسني القرين آبادي (ت. 1333هـ/‏ 1914م)، وتعلم جلى الثلث على يدي الخطاط محمد سامي، واستفاد من تجربته وخبرته في صقل موهبته الخطية، إلا أنه كان له أسلوبه المميز، وبه يعرف، إذ حافظ على الروحية والأنماط الخطية، ولكنه صقلها ونمقها، وأبدعت فيها أنامله خطوطًا ذهبية بديعة وآخاذة، وتقدم كثيرا بخطه وأمشاقه، ووصل إلى مرتبة متقدمة، أجيز بعدها من أستاذه عارف الفلبوي، ورئيس الخطاطين محسن زاده عبد الله في 26 رجب 1314هـ/‏ 31 ديسمبر 1896م، وكان عمره 26 عامًا، وحاول جهده وأظهر براعته في إيجاد أسلوب خاص متميز، ما أدى لاكتسابه شهرة، وتلقيبه «سريع القلم».
عمل في مشيخة الإسلام في إسطنبول ككاتب منذ عام 1311هـ/‏ 1893م، ويقوم بتدريس الخط في المدارس العثمانية، وزار مصر في عام 1341هـ/‏ 1922م بدعوة من من الملك فؤاد الأول، لكتابة مصحف له ونقشه وتذهيبه، وسمحت له مشيخة الإسلام بقضاء ستة أشهر في مصر، إلا أنه قضى ستة أشهر أخرى لزخرفة المصحف وتذهيبه، وبينما كان يتهيأ للعودة جاء الخبر بإلغاء وظيفته في اسطنبول مع إلغاء مشيخة الإسلام، بعد الانقلاب الكمالي وإعلان الجمهورية التركية، فأشارو عليه بالبقاء في مصر؛ ليعمل مدرسًا في مدرسة خليل أغا بمنطقة باب الشعرية، ومدرسة الشيخ صالح؛ فقام بالتدريس لمدة 11 عامًا، وأسهم في إنشاء مدرستين لتحسين الخطوط العربية. ومن أشهر تلاميذه: محمد علي المكاوي (ت. 1975م)، الذي أخذ عنه خطي النسخ والثلث، والموصوف بأنه الابن البكر له، ومحمود بدر الدين يازر (ت. 1952م)، وعمر وصفي أفندي (1880-1928م)، والحافظ أحمد حمدي تزجان أفندي، محمد أحمد عبد العال، محمد الشحات، محمد رزق موسى، محمد حافظ. وأجاز الخطاطين: محمد علي صابر في عام 1928م، محمد طاهر الكردي المكي (ت. 1980م)، وهو سعودي من أصل عراقي، في عام 1945م.
وقد أتقن وأجاد أثنى عشر نوعًا من الخط إجادة تامة، وكان يكتبها بسرعة وأسلوب جميل، ويجيد فن التذهيب والزخرفة، ويقلد كبار الخطاطين تقليدًا دقيقًا، وكان بارعًا في الكتابة المرسلة والمدمجة والمركبة، وبرع في التراكيب الخطية، وكان ميزان كتابته في خط الثلث ميزانًا مضغوطًا نوعًا ما، كما التزم بروح التشكيل التي يجب أن تكون سائدة في خط الثلث، وقام بالتصرف فيها بشكل يؤدي إلى جمال الكتابة، والتزم به، وترك بصمته الشخصية، كما أجاد رسم الطغراء السلطانية، كما التزم بأن تكون كتاباته متسلسلة في حالة الإرسال والتركيب، فلا يقدم حرف على آخر، ولا مقطعًا قبل آخر، وأبدى براعته في الكتابة في جميع الأشكال الهندسية، وكتب لوحات جامعة لكل أنواع الخط العربي، وقام بزخرفة وتذهيب كتاباته بنفسه.
أنجز ونفذ أعدادًا كبيرة من القطع الخطية والمرقعات الصغيرة، واللوحات الفنية المركبة، والنماذج الخطية المؤطرة، والأعمال الفنية، التي تحتفظ بها المتاحف والمجموعات الشخصية، ومن آثاره كراسة «أحسن النماذج الخطية» في تحسين خطي النسخ والثلث في عام 1336هـ/‏ 1917م، و«القصيدة النونية بالألطاف الجلية الربانية» كتبها بخطي الثلث والنسخ؛ لتعليم طلاب الأزهر ومدارس الخط العربي بمصر في عام 1341هـ/‏ 1923م، كما كتب كراسة في تعليم خط التعليق، وكراسة في الخط الديواني، وكراسة في القصيدة المنفرجة بخط التعليق، وقصيدة البردة بخط التعليق، هذا بالإضافة إلى 12 مصحفًا كتبها بخط يده، ومنها مصحف الملك فؤاد الأول، سابق الذكر، ورحل الرفاعي إلى إسطنبول بعد قضاء 11 عامًا بالقاهرة، لعب فيها دورًا كبيرًا في إعادة الحياة للخط العربي في مصر. وتوفي بعد سفره بعامين تقريبًا، في 5 جمادى الأولى 1352هـ/‏ 16 أغسطس 1934م، عن عمر يُناهز 63 عامًا، ودفن بمقابر «أدرنة قابي»، في إسطنبول. ولقبه العارفون بفن الخط بأمير الخط العربي في القرن العشرين، ويعتبر بحق ركنًا مجددًا للخط في مصر وتركيا، إذ إنه واحد من الخطاطين البارعين والمتميزين والمؤثرين في توجيه وتعبئة حركة الخط العربي.
كتب عنه محمد طاهر الكردي في كتابه «تاريخ الخط العربي وآدابه»، وطبع محمد علي المكاوي في سنة 1940م القصيدة النونية التي كتبها في عام 1923م بالقاهرة، وفي عام 1943 صدرت مجلة مدرسة تحسين الخطوط المكية بالقاهرة متحدثة عن بعض الشخصيات الخطية، وهو منها، وفي عام 1968م أصدر المهندس العراقي ناجي زين الدين كتابه «مصور الخط العربي»، وترجم له فيه، وفي عام 1970 أصدر الباحث التركي محمد كمال إينال كتابًا باللغة التركية عن الخطاطين الأتراك، كتب فيه حياة الرفاعي، مع نماذج من أعماله الخطية، كما أصدر التركي الدكتور محيي الدين سيرين باسطنبول في عام 1988 كتابًا باللغة التركية عنه، وتضمن بعضًا من لوحاته الملونة، وفي عام 1990 صدر عن منظمة المؤتمر الإسلامي في تركيا كتابًا بعنوان «فن الخط»، وتضمن حياة وأعمال كثير من الخطاطين العثمانيين الكبار؛ ممن لهم الفضل في مجال الكتابة الخطية العربية، وتضمن حياته ونماذج من خطوطه.