الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  حـكـايـــــة قـــبــــــل الــنـــــوم

حـكـايـــــة قـــبــــــل الــنـــــوم

حـكـايـــــة قـــبــــــل الــنـــــوم

بقلم- إيمان راشد فارس كاتبة قطرية
اعتادت أمي أن تروي لي حكاية كل ليلة قبل النوم، حكايا أمي عديدة ودائماً متجددة ومتنوعة، لكن كل حين وآخر تصر أمي أن تروي علي قصة الماعز وصغارها تحكيها لي مراراً وتكراراً.
كانت هذه القصة تعجبني، بل إن جميع قصص أمي لها مكانة خاصة في قلبي، هذه الدقائق التي تجلس فيها أمي بقربي على حافة الفراش تغرس في قلبي سعادة يعجز قلبي عن احتوائها، أشعر حينها بأننا ندخل في بلورة خاصة بنا نبتعد فيها إلى عالم آخر لا يحوي سوانا، ينتابني حينها إحساس بأن النجوم تتساقط من السماء بين يدي، وبأنني أتسامر مع القمر، وأن قوس قزح يحيط بنا وينير عتمة المساء.
علاقتي بأمي مختلفة.. متميزة.. متينة متى بدأت هذه العلاقة وكيف تطورت ؟! أعلم أنني وقعت في غرامها ما أن أبصرت عيناي النور، تربطني بأمي قصة حب وغرام، عشقي لها يضاهي عشق قيس لمحبوبته ليلى، بل إنه أقوى من حكاية حب روميو لجميلته جولييت، أعود بكم إلى حكاية أمي المفضلة الماعز وصغارها، دوماً تحكيها لي بنبرة فيها من الخوف والجدية الشيء الكثير، أحياناً كنت ألمح في عينيها مسحة من القلق وبضع قطرات من الدمع حينها لم أعلم سر هذه التعابير التي ترتسم على وجهها الحسن الوضاء.
كبرت وقصص أمي لا تفارق ذاكرتي، مضى بي قطار العمر، تبعثرت السنون من بين أناملي كأوراق خريف يابسة، كبرت ولم أكبر على حكايا أمي مازلت أحن إليها وأشتاق إلى سماعها، كثيراً ما كنت أنتظر في غرفتي مساء قدوم أمي لتروي لي قصة جديدة، لكن أمي لم تعاود القدوم وحكاياها توقفت وكنت أظنها لا تنضب، لكن حكاياها لم تتوقف عن القفز في ذاكرتي كل حين وآخر، عندما كبرت وعلمت أن كل حكاياها لم تكن من وحي الخيال ولا حكايا قبل النوم، بل إنها كانت مواعظ وحكم في رداء حكاية، عرفت إنني أنا الماعز الصغيرة التي يفترض بها الهروب من الذئب.
علمت بأن هذه الماعز كانت أحلامي وطموحاتي التي يجب علي أن أخبئها عن وحوش وملتهمي النجاح.
كان قلبي هو الماعز الصغيرة التي يجب علي الحفاظ عليه من ذئاب الحزن والكآبة..
عقلي هو الماعز الصغيرة التي يفترض بي أن أحتاط عليه من ذئاب الجهل..
الماعز الصغيرة التي اختبأت في ساعة الحائط لمعرفتها بأهمية وقيمة الوقت وكيف أن ساعة الزمن عندما تمضي لا تعود بنا للوراء مطلقاً..
الماعز الصغيرة التي لم يمنعها صغر سنها وضآلة حجمها من أن تكون الأذكى والأقوى بين الجميع، مستعيضة برجاحة عقلها وفطنتها عن رقة وهشاشة جسدها..
الماعز الصغيرة التي عرفت أن القوة الحقيقية تنبع من قوة العقل..
أمي كانت امرأة حكيمة استبقت بي الزمن وهيأتني لعالم يموج بشتى أنواع العواصف والتقلبات، حكايا أمي جعلتني أكثر سعادة.. أقوى وأجمل من الداخل والخارج.. جعلتني مليئة بالحب.. لونتني بالفرح والسعادة.. أحاطتني بغلاف شفاف من الفولاذ الذي ساعدني على تخطي الكثير في سنواتي الماضية، مازالت حكاياها يتردد صداها في ذاكرتي كصدى موج البحر على كهوف الشاطئ.
أمي كانت هي القصة التي انطويت بين وريقاتها وامتزجت معها..
كانـــت هي كل الحياة وكنت إحدى حكاياتها.